الاتحاد

الملحق الثقافي

دولة؟ اثنتان؟ أو لا شيء؟

القضية الفلسطينية اعقد قضية في عالمنا المعاصر، ويبدو ان امامها مزيدا من الوقت للوصول الى حل نهائي يرضي الاطراف الرئيسية، وحول هذه القضية التقى 11 باحثا، بينهم ثمانية من فلسطين “(عرب 48 وفلسطينيو غزة والضفة والشتات) وباحث اسرائيلي معروف هو ايلان بايين وباحثان نرويجيان لمناقشة مستقبل فلسطين فكان هذا الكتاب “فلسطين الى اين. حل الدولة أم الدولتين”.
جميل هلال الباحث الفلسطيني في جامعة بيرزيت والمتخصص في علم الاجتماع يناقش حل الدولتين، دولة فلسطين الى جوار دولة اسرائيل اي دولتين لشعبين، وقد كان ذلك خيار منظمة التحرير منذ عام 1988 ووافقت السلطة الوطنية على اقامة دولة فلسطينية ذات سيادة على جزء من الضفة والقطاع “حوالي 22 في المئة من مساحة فلسطين” وذلك التصور يقوم على فرضين هما قبول اسرائيل بتفكيك جميع المستوطنات وقبول القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، والاعتراف بحق الفلسطينيين في اقامة دولة ذات سيادة وسيطرة على الحدود والموارد، خاصة المياه، مع عدم المساس بحقوق اللاجئين الفلسطينيين التي نصت عليها قرارات الامم المتحدة وخاصة القرار 194 لسنة 1948 وقد وافقت اسرائيل على اتفاقية اوسلو، لكنها لا تعترف بانشاء دولة فلسطينية على النحو الذي تصورته السلطة، وانما اقصى المتاح هو ما عبر عنه ايهود أولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق “كيان اكثر من حكم ذاتي واقل من دولة”. ومن ثم فقد افرغت اسرائيل حل الدولتين من مضمونه ولم يعد يمثل طموحا ولا املا، حتى ان البعض اعتبره مات ودفن تماما على ارض الواقع، وهذا ما يجعل الباحث يتحمس لمشروع الدولة الواحدة، اي دولة واحدة لشعبين “الشعب الفلسطيني والشعب اليهودي” أو دولة ديمقراطية علمانية تضم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن ديانة كل منهم أو اصله العرقي. وجاهة هذا الحل عند من يتحمسون له انه يقدم حلا لكثير من المشاكل مثل اللاجئين والحدود والقدس ومصادر المياه والجدار العازل والتعايش الامن بين الجميع.

عقبات كبرى
ورغم وجاهة هذا الحل فإن امامه عقبات كبرى اهمها ان تقتنع به اسرائيل لانه يعني انهاء الايديولوجية الصهيونية بكل مفاهيمها وابعادها، واستبعاد فكرة يهودية الدولة وانها دولة للمواطنين اليهود فقط، وان لدى أي يهودي في العالم حق العودة وفضلا عن ذلك فإن علاقات القوى بين الفلسطينيين واسرائيل ليست متكافئة وتميل الكفة لصالح اسرائيل ومن ثم لن تقبل بهذا الحل.
المحاضر في قسم العلوم السياسية بجامعة حيفا ايلان بايين يقدم وجهة نظر صلبة ومتماسكة وربما جاءت من واقع دراسته بجامعة اكسفورد لتاريخ فلسطين والشرق الاوسط الحديث اذ يرى ان ما جرى في فلسطين عام 1948 لم يكن نكبة أو كارثة بل هو تطهير عرقي حقيقي ضد الفلسطينيين على الرغم من ان اليهود لم يحكموا فلسطين القديمة سوى 77عاما بين عامي (1000 /923 قبل الميلاد) وكان اليهود في فلسطين قبل الهجرات الحديثة حوالي 5 في المئة من السكان وكانوا يعتبرون انفسهم عربا، وبعد انتهاء الحرب العالمية الاولى كان يجب الاعتراف بفلسطين دولة عربية مثل جاراتها، خاصة العراق وسوريا ومصر لكن بريطانيا قررت بعد وعد بلفور تحويلها الى فلسطين جديدة مختلفة وينتقد بابين بشدة جهود الولايات المتحدة للتسوية اذ يرى انها مجرد تسويق لوجهة النظر الفلسطينية التي ترى التفاوض والتسوية على اراضي عام 1967 بل من عامي 1947 و1948 حين صدر قرار التقسيم واعلن قيام دولة اسرائيل، وفي كل الاحوال لا يجب التعامل مع الملف بمنطق الطرفين المتساوين بل هناك مُستعمر ومستعمر. الاول اخذ الارض وشرد اصحابها وطردهم من وطنهم ليعيشوا في معسكرات اللاجئين أو في الشتات.

ازدواجية المعايير
ومن جامعة اوسلو يتقدم الباحث نلس بوتنسكون بدراسة يؤكد فيها ازدواجية المعايير لدى الدول الكبرى التي ظلت تتعامل مع قضية فلسطين باعتبارها حالة استثنائية لا تنطبق عليها المعايير الدولية المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الانسان، ومازالت هذه الدول تتعامل على هذا النحو الى اليوم مع الفلسطينيين وعلى الفلسطينيين التنبه الى ذلك كما يشير الى توصيات محكمة العدل الدولية بخصوص عدم شرعية الجدار العازل الذي اقامته اسرائيل.
الباحث شريف موسي، استاذ بالجامعة الاميركية في القاهرة وكان عضوا في المؤتمر الفلسطيني في محادثات عام 1993 بواشنطن مع اسرائيل يرى ان فرصة اقامة دولة فلسطينية على اراضي الضفة وغزة تكاد تكون منعدمة حيث تقيم اسرائيل المستوطنات بكثافة وترفض عودة اللاجئين ويقترح بدلا من ذلك دولة ثنائية القومية تضم اراضي اسرائيل والضفة وغزة والاردن، أو ما يعرف باسم فلسطين الكبرى، ويعترف بأن ذلك الاقتراح لن يجد استجابة من الاردنيين ولا من الاسرائيليين، ولكنه مدخل للتفكير في مستقبل فلسطين والفلسطينيين.
والواقع ان حل الدولتين لا تقبل به اسرائيل، وحل الدولة الثنائية القومية أو الدولة العلمانية لا تقبل به اسرائيل وها نحن نرى اصرار نتنياهو وليبرمان على يهودية الدولة، وان تكون لليهود فقط، مما يفتح الباب لطرد عرب 1948 واذا لم يتم طردهم فإن الاجيال الجديدة منهم سوف تواجه شبح الطرد أو عدم الحصول على الجنسية الاسرائيلية. والتاريخ يعلمنا ان ما من مشكلة بلا حل، والمشاكل من هذا النوع تحتاج الى قوة. وفي ظل النظام الدولي الحالي تمتلك اسرائيل كل مفاتيح القوة لكن ليس معنى هذا ان الفلسطينيين والعرب عاجزون فلديهم اوراق للضغط القوي والعنيف، اذا اقتضى الامر، ومنذ ربع قرن لم يكن احد يتصور ان حائط برلين يمكن ان يسقط ولا ان جدار الفصل العنصري في جنوب افريقيا سوف يذوب، ومن قبل لم يكن في الخيال ان ينال السود في الولايات المتحدة حقوقهم، واليوم صار رئيس الولايات المتحدة اسود. هناك حل للقضية الفلسطينية، سوف يتحقق ربما بعد جيل أو جيلين.

اقرأ أيضا