الاتحاد

الملحق الثقافي

أمٌّ مسنَّة بقلب سمكة وروح طير

قصيدة (صور) أكثر نصوص عباس بيضون (صور 1945) دويا ومدعاة للأسئلة على الرغم من أنه كتب بعدها الكثير (أربع عشرة مجموعة شعرية) وعلى الرغم من أنه يعدّها من بداياته وغنائياته الأولى التي تجاوزها في تجاربه اللاحقة بسبب ملحميتها وإنشاديتها اللتين يقول إنهما مرحلة في شعره، لكنها أثارت اعتراض الكثير من الصوريين وسواهم كسعيد عقل ربما بسبب قراءة مجتزِئة تتوقف عند وصفه لصور مثلا بأنها خان المسافرين وحذاء البر وأرض تغلي بالفئران.

في لقاء صحفي يدافع عباس بيضون عن رؤيته للمدينة في القصيدة، وهي رؤية حداثية ليست تمثيلا جغرافيا أو بشريا للمكان، بل إعادة تشكيل له. يقول الشاعر “عندما نكتب عن مدينة يتراءى لنا شكل للكتابة.. لابد أنه يوازيها في اتساعها المكاني وتوزعها وتشعبها وتراكيبها وبنائها المتداخل.. هو طموح إلى أن تكون القصيدة بحد ذاتها مدينة، نصاً مكانياً، مساحة كلامية، بناء متفرعاً ومتشعباً ومتداخلاً، وحيزاً كلامياً مستمداً من روافد عديدة”.
وبين مدينتين: صوْر التاريخ ذات الخمسة آلاف عام من الحضارة التي يحتج بها المعترضون، وصوْر الشاعر الماركسي عند كتابة النص (نشرت عام 1985) محدقا بقاعها وطياتها البشرية وطبيعتها، راسما لوحة فنية متعددة الأبعاد والألوان والسطوح، يتأرجح نشيد صور كتدوين للحظة ملحمية، بأسلوب تصفه خالدة سعيد في تقديم أعمال بيضون الشعرية بأنه “عنف شعري وإعصار أسطوري ونشيد الأصول والتكوين البدئي الهادر الفائر”.
تتجمع ثلاث صفات إجناسية إذن في عمل بيضون هذا: النشيد والملحمة واللوحة، الأول في الصوت الجماعي المندمج بصوت الشاعر كما يبينه الاستهلال (يا صور.. حين نزلنا إليك انتزعتِ من حناجرنا الوتر الفلاّحي، وها نحن بالكلمات التي تعلمناها منك لا نستطيع أن نصفك.)
وعصيان صور على الوصف تكتيك شعري يجر القارئ بحبل فضوله، لأن يعاين صورتها المرسومة في البعد الثالث (اللوحة) كمدينة بحرية لها تاريخ خاص يستجليه البُعد الثاني ـ الملحمي في بناء النص.
وسيكون اندماج صوت الشاعر بالجماعة مناسبة لعرض كِسرة سيرية صغيرة من طفولة الشاعر وتكوينه الأول، لكنه متنازل عنها سريعا لتكوين المدينة ذاتها، وبذا يصعب قراءة صور على أنها (تصعيد شعري للسيرة الذاتية) كما يقترح الشاعر العُماني زاهر الغافري الذي يستدرك مصححا بوصف السيرة بأنها (سيرة الطفولة والبحر والمدينة)، كما أن عباس بيضون لا يريدها (سيرة شخصية أو ذريعة لأغنية شخصية وخاصة) بعباراته، ملخصا بالقول إن صور (نص ذو عرض كلامي ومساحة كلامية يتجاوزان الصوت الخاص). وذلك لا ينفي إمكان العثور على شظايا سيرية هنا أو هناك على امتداد النص، لا سيما عبر مقابلة المدينة وضجيجها وقسوتها وعاديتها بالريف الذي يتحدر منه السارد وصوت الجماعة داخل النص.

ثلاثيات النص
العناصر الثلاثة الفاعلة في بناء نص (صُوْر) كما تلخصها القراءات النقدية هي (الطفولة والبحر والمدينة) أو هي البحر والمدينة والناس كما يريد الترتيب الخطي المتسلسل لأجزائها الثلاثة المنشورة بعناوين ثلاثة هي:
1-البحر 2- صور 3- الخروج
أو هي ثلاثية: الرجال ـ الكلام ـ البحر، كما تقترح خاتمة النص:
(كان البحر مزيّحا بزوايا شموس مكسورة، بزوايا رجال لم تتحطم/ كان الرجال مزيحين بالكلام/ كان الكلام باقيا على الأرض الكبيرة كمدينة معظمة/ كان البحر، كان الرجال/ كان الكلام).
تسمح لنا أجزاء النص الثلاثة بافتراض قوسين يحيطان بالمدينة كالإطار فالبحر والخروج وهما القسمان الأول والثالث يفتحان ويغلقان رؤية المدينة التي تتوسطهما (صور) وتغدو مطالعة المتن محاطة بالبحر الذي يحاذيها في الواقع وينهي تأملها بالخروج من ثلاثية عناصرها الرؤيوية: لوحةً ومدينة ونصا.
في القسم الأول نشهد احتفاء بالبحر وتمجيداً لوجوده في حياة المدينة وأهلها؛ حتى ليتصاغر دور السارد متسائلا: (من أنا حتى أقف بيت المنشدين.. من أنا لأدلكم على الحجار التي ولدنا عليها كالسحالي) وتكرار السؤال مناسبة لرسم جزئية ـ أو تفصيل بالمصطلح التشكيلي ـ للمدينة وقد انحنت سقوفها تحت القناطر وتجعدت أوراقها السميكة؛ فتبدو تحت قمر لا تراه، وردةَ مداخن ومعدن.
ولا شك في أن الشاعر بوعيه الماركسي آنذاك وفورة تمرده كان يرسم للمدينة لوحة تقابل البحر بعدوانية، مستجيبا لمزيج من المؤثرات منها فكرة تصادم الريفي والمديني (الفلاحين الذين عبروا للمدينة على حمير مُسنّة وبأحمال مهملة) والفكرة التالية الموروثة عن الرومانسية حول نقاء الطبيعة وصفائها (البحر كما تصوره أشعار جبران مثلا) بمقابل قسوة المدينة وصلادتها (وردة من دخان ومعدن) ومؤثر الغنائية الملحمية التي يغريها النثر في قصيدة النثر بالسرد الملحمي، وتكوين سيرورة خاصة للمدينة كما تراها أعين الساردين، لذا ذكر عباس بيضون أنه ردّ على استنكار سعيد عقل لما قاله في صور بأن سعيد عقل يراها كتاريخ بينما هو يصورها كما تتراءى له. لذا يقوم الشاعر بعد عدد من مقاطع (البحر) الأولى بتغيير المنظور وزاوية النظر معا؛ فتغدو المدينة هاربة من البحر بعيدة عنه فيعود ماء البحر عليلا ينزف في ساقية، وتنهزم الأحلام التي تُقتل في نهاية هذا الجزء (بين الحجر والماء ترقرقنا كفولاذ متبلور.. وكنا نرى دائما أحلامنا التي لا ننكرها تقتل/ ونبكي على الضفاف/ بقلب حجر حقيقي). لقد سرت عدوى صلادة المعدن لأرواح البشر وأحلامهم أيضا، فيبتعد البحر ويفر وتنكره المدينة.
ويتابع الشاعر في الجزء الثاني (صور) أو المتن ما بدأه في القوس الأول فتبدو صور مدينة تأخذ الوتر من حناجر الفلاحين الذين قابلناهم مهاجرين في الجزء الأول، فلا يعود لهم صوت مثلها تمام إذ تفقد صوتها بعيدا عن البحر الذي تجاوره. وتبدو القصيدة في موقف كهذا مرثاة مشفقة على المدينة لا هجاء لها كما تُخيل لنا بعض القراءات المغلوطة والمتعجلة؛ فالشاعر لا يحمّل القصيدة أي حمولة سياسية لنرد عليه بتصحيح رؤيته لها. وهو في شهادة شخصية في مؤتمر حول قصيدة النثر يراها تتخلص من اليوم والمناسبة والحدث، وتجعل الشعر متعاليا فوق الزمان والمكان، مجافيا السياسة وصولا إلى (الصفاء الشعري). وهذا يبرئ صور من هجاء فئوي أو سياسي أريد لها أن تحمله في قراءات قسرية منحازة.
ولكن المدينة المرسومة بفجاجة وصلادة ليست منبوذة ومهجورة؛ فالنشيد يعدها بألا تتركها الجماعة، فكما جاء في خاتمة الجزء الأخير (الخروج) سيظلون بانتظار عودة البحر إليها وعودتها إليه، هذا البحر (يدب إلى الضفة الآن ويجر ماءه الكسيح فيبنى من جديد كالغابات والمدن بين أحواض السفن والمعامل) وتلك صورة الأمل التي لا ترها الأعين العابرة في نص صور والرهان الذي ينعقد عليه الجزء الأخير بالقول: لن تموتي، ستحلّقين، وهو موقف الشاعر الحداثي من المدينة حتى في أطوار الحداثة الأولى (بغداد كما تتراءى للسياب: مرفوضة ومشتهاة، ودمشق التي يرجو عفوها أدونيس بعد أن هجاها، وكتابة الماغوط عنها، ومدينة أمل دنقل ونيلها).
الإيقاع والصوت
نحس إذ نقرأ تذكرات عباس بيضون لنص (صور) وكأنه يراه اندفاعا فتيا لوعي فتي مزنَّر بالقناعات النظرية المستقرة حول الطبقات وعدالة الحياة، لكن ما يهمنا في قراءة استعادية كهذه كيفية التعبير عن ذلك الوعي، وهنا سنجد أن الرسم مسيطر على الرؤية، ثمة رغبة لتصوير البحر عبر لوحات فنية ملونة وإن كانت عناصرها لغوية لا بصرية، البحر حاضر بمفردات وتراكيب وصور تفلح في التأثير الجمالي على القارئ، وفي توصيل محور النص أو مركزه الذي تفككه القراءة إلى ما يشبه توسيع الجملة الشعرية النواة: البحر الذي يرتفع ليلامس البيوت لكنها ترفضه ويرضى أهلها بالزَّبَد؛ فيعود لمجراه بينما تنساه المدينة وتحوّله سواقيَ ومياها متجمدة، يأمل الشاعر أن يصالحها معه ثانية.
لكن ما انداح من صور وانثال من تراكيب وتدافع شعوري تهيأ انه عنف لغوي، ما هو إلا مواءمة إيقاعية بين الموضوع والنص؛ فتتسارع الموجات اللفظية والتراكيب كما يتدافع موج البحر مقتربا من المدينة أو مبتعدا عنها، وبذا ينخلق إيقاع خاص يخدم النص من جهة موسيقاه البديلة للوزن، ومن جهة تصوير صراع البحر والمدينة حاضرا في حياتها وغائبا أو مغيبا عنها.
لقد كانت (صور) نموذجا متقدما لوعي الشاعر بالمكان والمدينة تحديدا، واختبارا لطاقة الخيال التي أبدع فيها عباس بيضون بتشكيلات تذكرنا بالمصورين البارعين الذين كثيرا ما ذكر تأثره بهم.. وإن كانت تجاربه الراهنة توغل بعيدا في الرؤية وتأويل المكان وإسقاط الزمن عليه في فضاء الخيال المطوّر والابتداع الشعري المتواصل.

من قصيدة (صُوْر)


صور
ستقعين أيتها الأم المسنة
ولن تقوم مدينة بعد الآن
ستنزلين على أضلاعك كالمدخنة الهاوية
وترقدين على الشاطئ ورأسك في الرمال
ككلب البحر
..كنت جزيرة وحصنا
وخانا للمسافرين
لا يتسع نهارك للبناء
ولا يكفي ليلك للأحلام
لذا كان بحارتك يسطون على السلالم
وجنودك يجفون في الأبراج
لك قلب سمكة
وروح طائر بحري
لذا تتركين موتاك على الصخور
وتسقطين من ضربة المجذاف
..أنت صور التي سقطت من جيب التاريخ..
من يدفعك ثانية إلى البحر..
نحن الذين نتكلم من جثتك..
نرى الدماء تنزل من العصي
والسكاكين
وورق اللعب
لكن نبقى إلى أن يصل التيار
إلى أن يلامس قلبك
لا نفارقك كأمراء البحر
ولا طيور اليابسة
فنحن لسنا شيئا سوى قناطرك
وصخورك
وأسماكك
في الليالي تسرع القوارب والفصول
ولن تموتي
ستحلّقين أيتها الأم على جسورك
ستحلّقين
بينما تهبط جسورك إلى الأودية.

اقرأ أيضا