الاتحاد

الملحق الثقافي

تحديات الوعي والواقع وأزمة الثقافة العربية

درس الدكتور حسن حنفي في الجزء الأول من محاضرته حول أزمة الثقافة العربية، معنى الأزمة في تجلياتها المختلفة ملاحظا أن الأزمة ليس خاصة بالمجتمع العربي وحده، ولكنها ذات مكوّنات وانعكاسات خاصة في الشأن العربي، وتوقف مليا عند مسألة حضور التراث القديم في الثقافة العربية المعاصرة فضلا عن مؤثرات التيارات الوافدة فيها.

في هذه الحلقة، الثانية والأخيرة، يناقش الباحث مسألتين في غاية الأهمية هما الانعزال عن الواقع وضعف المؤسسات الثقافية والوعي التاريخي بالثقافة.
وكان الدكتور حسن حنفي قد ألقى هذه المحاضرة في أبوظبي بدعوة من المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة.

رابعاً: الانعزال عن الواقع
وتتجلى أزمة الثقافة العربية أيضا في انعزالها العضوي عن الواقع. فنص القدماء، وهو المكون الرئيسي فيها، نص جاهز تكوّن في ظروف تاريخية ولا يعبر عن الواقع المعاش إلا بعد قراءة وتأويل وإسقاط وإعادة كتابة. ونص الغرب الحديث كذلك نص جاهز سلفاً تكوّن في ظروف الغرب الحديث، ولا يعبر عن الواقع المعاش إلا اجتزاءً وانتقاء كعملية زرع أعضاء غريبة في الجسم تحييه مؤقتا ولكنها لا تعيش فيه لأنها لا تنبع منه، تنجح على الأمد القصير ولكنها تفشل على الأمد الطويل. لم تحول الثقافة العربية الواقع المباشر إلى نص محكم جديد، يعبر عنه ويوجهه ويؤثر فيه. تركت الواقع للخطابة الدينية والسياسية لتزييف الوعي لصالح الله مرة ولصالح السلطان مرة أخرى. ولما كان الله والسلطان في الثقافة الشعبية شيئا واحدا كانت مهمة الخطاب الديني السياسي الانفعالي الإنشائي تزييف الواقع وبالتالي بقائه قابعاً تحت الهيمنة الكاملة للنص القديم الموروث أو الهيمنة الجزئية للنص الجديد الوافد. ولا يجد نصاً جديدا يعبر عنه تعبيراً محكماً مباشراً فيه أحكام الخطابين الموروث والوافد وفيه مباشرة الخطاب الديني والسياسي. ولما كان الواقع هو ذاته نص مباشر، مصدر كل نص ونشأته، ظل الواقع في الثقافة العربية بلا قراءة وبلا صياغة فتأزم واستعصى. كان الواقع قديماً يتحول إلى نص في “أسباب النزول” وتعاد صياغته طبقاً للتطور والزمان في “الناسخ والمنسوخ”. وكان الواقع الغربي حديثاً يتحول إلى نص جديد بعد القطيعة مع أرسطو والكنيسة بعد اكتشاف الزمان والتاريخ. ولا يعني تحويل الواقع المباشر إلى نص ثالث جديد وإغفال النصين القديمين، الموروث والوافد، إذ يعمل النصان القديمان خاصة الموروث في اللاوعي النظري كعامل مساعد على التنظير، وكأداة للتعبير عند الفكر والإيصال للجماهير التي ما زالت ترتبط بالموروث في ثقافتها الوطنية كما ترتبط النخبة بالوافد في ثقافتها الجديدة. ويستمر ذلك لعدة أجيال حتى تتحول ثقافة النص إلى ثقافة العقل، ويقوم التنظير المباشر على البرهان الخالص.
يفرض الواقع العربي نفسه على الفكر العربي في مجموعة من التحديات التي تدفع إلى الاستجابة. وأولها تحرير الأرض. فما زالت الأراضي العربية محتلة في فلسطين وسبتة ومليلة في المغرب وغيرها. لقد قامت حركات التحرر الوطني ضد المحتل الأجنبي، ونشأت دولنا ومازالت الانتفاضة في الأراضي المحتلة والمقاومة في جنوب لبنان من دون تأسيس في الثقافة العربية. لقد تم احتلال الأرض بلاهوت الأرض وجعل الله والشعب والأرض ثالوثاً جديداً لا تنفصم عراه في حين أنه في ثقافتنا الله ليس كمثله شيء، منزّه متعال، لا يوجد في محل، وقائم بالنفس. ألا يمكن للثقافة العربية المعاصرة خلق لاهوت مضاد للأرض، وإيجاد صلة بين الله والأرض لا تنفصم عراها؟ فمن يحتل الأرض يحتل الله. وما دمنا نؤمن بالله فإننا نؤمن بالضرورة بالأرض. وهناك أيضا بقايا النص القديم في اللاوعي النظري في (إله السموات والأرض)، (رب السموات والأرض)، (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) التي يمكن من خلالها تأسيس عقيدة الأرض في أصول الدين الجديد كما أسس القدماء عقيدة التوحيد أو نظرية الذات والصفات والأفعال طبقاً لحاجتهم للحوار مع ديانات الثنوية والتثليث في علم أصول الدين القديم. لا يكفي الجهاد، فالجهاد دعوة عملية للمقاومة وليست تنظيرا مباشراً من الثقافة العربية ضد احتلال الأرض والمقاومة. بل إنه يمكن إعادة بناء الثقافة الموروثة كلها ابتداء من هذا التنظير الجديد. إذ تسبق الطبيعيات الإلهيات في علم أصول الدين وفي علوم الحكمة، والمصلحة أساس التشريع في عمل أصول الفقه، والحق والخلق شيء واحد في التصوف، وأولوية الواقع على الفكر في “أسباب النزول”، والمتحول على الثابت في “الناسخ والمنسوخ”. لا يكفي أن يكون لديان شعر الأرض، وفرقة الأرض، وغناء الأرض. فالأدب مادة أولية يحوله الفكر إلى تنظير. الأدب مباشرة والفكر توسط. أما ثقافة النخبة التي أصبح فيها الوافد مزاحماً للموروث طاغياً عليه أو بديلاً عنه فإنها أيضا تستطيع تأصيل ثقافة الأرض. فهناك لاهوت الأرض في اليهودية أولا ثم في المسيحية ثانياً. وهناك فلسفة الأرض والعودة إلى الأرحام في الحركة الرومانسية. إن تأليه الأرض قد يفيد في تحريرها، وتقبيل الأرض، وحفنة رمل من الأرض المحتلة وشربة ماء من بئر في الأرض كمحراب جديد قد يساعد على إطلاق شاعرية الأرض عند الجماهير والنخبة حتى تتحد الثقافة العربية بواقعها، ويجد تحدي واقعها فيها واستجابة لها.
وبالإضافة إلى حرية الوطن المهددة من الخارج هناك أيضاً حرية المواطن المهددة من الداخل. فالحريات العامة هي التحدي الثاني للثقافة العربية. فبالرغم من أن الليبرالية كانت نمطاً للتحديث في فكرنا العربي المعاصر إلا أن أزمة الحريات العامة تفاقمت. فقد امتلأت السجون بالمعتقلين والخصوم السياسيين. وغابت حرية التعبير في الصحافة وجميع وسائل الإعلام. ومنعنا من حق تكوين الأحزاب والتعددية الحزبية. وعزت الانتخابات الحرة. وتم تزييفها أو إلغاء نتائجها، ومصادرة الحريات، والعمل بقوانين الطوارئ. لا فرق في ذلك بين قطر عربي وآخر إلا في الدرجة وليس في النوع. ولا يرجع الأمر إلى مجرد أنظمة الحكم وقوانينها الحالية المقيدة للحريات بل ربما يمتد الأمر إلى جذور تاريخية لأزمة الحرية والديموقراطية في وجداننا المعاصر في استنباط العقل الحقائق من مصادر معطاة سلفاً، ومن نصوص ثابتة على العقل إيجاد براهين على صحتها وصدقها. ومن ثم أصبح العقل تابعاً للسلطة. وقد يرجع الأمر إلى التصور الهرمي للعالم الذي يعطي القمة أكثر مما يعطي القاعدة، ويجعل علاقتها المثلى علاقة الإيجاب المطلق بالسلب المطلق، وإلى التصور الرأسي للعالم الذي يجعل العلاقة بين الطرفين الأعلى والأدنى وليس التصور الأفقي للعالم الذي يجعل العلاقة بين الأمام والخلف فيصبح الأعلى هو الأمام والأدنى والخلف، وأن الحقيقة المطلقة تمتلكها فرقة واحدة ورأي واحد، فرقة ناجية وبقية الفرق هالكة، وبالتالي ضاع منا حق الاجتهاد والاختلاف. في حين توجد تصورات أخرى موروثة لم تعش كثيراً تقوم على أن الإنسان حر عاقل، مختار مسؤول، وأن عقله قادر على التمييز بين الخير والشر، وأن صفات الأفعال في ذاتها، وأن قوانين الطبيعة ثابتة، وأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، وأن الدين النصيحة، وان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول الدين، وأن الشهادة ليست فقط باللسان بل على العصر، وأن فعل التوحيد فعلان: نفي في “لا إله” وإثبات في “إلا الله”، لا تسبق نعم، الرفض يأتي قبل القبول. وفي ثقافة النخبة، الوافد الغربي، ما أكثر ما قيل العقل وحرية الإرادة من ديكارت حتى هوسرل، من بداية الوعي الأوروبي حتى نهايته.
والعدالة الاجتماعية هو التحدي الثالث. فنحن أمة يضرب بها المثل تضم أغنى أغنياء العالم. من بيننا من يموت بطنة وشبعاً. ومن بيننا من يموت جوعاً وقحطاً. وما زلنا نتخفى وراء الزكاة والتبرعات وأعمال الخير لإضفاء الشرعية على مظاهر الكسب غير المشروع أو نشوه المذاهب الاشتراكية بأنها مادية وإلحاد وضد الدين. قد تكون هناك تصورات موروثة تمنع من تحقيق العدالة الاجتماعية مثل خلق الناس درجات متفاوتة في الرزق وتقديره مسبقاً، فالسعيد من سعد من بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه، وأن كل ما يأتي للإنسان رزق، وكل رزق حلال، وأن الفقر والغنى من الله، وأن الأسعار والأرزاق من الله. مع أن هناك نظريات أخرى موروثة لا تظهر إلا كدعاية وخطابة وإعلان وتبرير للنظم السياسية التي تختار اشتراكية الدولة طريقا لها. مثل نظرية الاستخلاف، وأن الملكية وديعة، للمالك حق الانتفاع وحق الاستثمار وحق التصرف، وليس له حق الاكتناز وحق الاحتكار وحق الاستغلال، وأن العمل مصدر القيمة، وأن المجتمع الواحد الذي فيه إنسان واحد جائع تبرأ ذمة الله منه، وأن ليس منا من مات شبعان وجاره طاو، وأن الناس شركاء في ثلاث، الماء والكلأ (الزراعة) والنار (الصناعة)، ملكية عامة لوسائل الإنتاج. وما أكثر المذاهب الاشتراكية في الوافد، دينية وأخلاقية وعلمية وتطورية وديموقراطية.. ألخ.
والتجزئة هو التحدي الرابع لنا في واقعنا العربي المعاصر. وتشمل القطرية والحروب الأهلية ومعارك الحدود. قسمت الأمة إلى أقطار متخاصمة، والقطر إلى طوائف متناحرة، والطائفة إلى عشائر متنافسة، كل منها يستبعد الآخر ويستعديه مع أننا أمة واحدة في التصورات الموروثة المعيشة. وحدة الأمة انعكاس لوحدة العقيدة، تعبير في الواقع الاجتماعي عن عقيدة التوحيد. ولكن ضمور التوحيد وتحويله إلى رقم عددي للإله الواحد جعل القبلية والطائفية والعشائرية والقطرية هي السائدة في الواقع. وما أكثر صور التوحيد في الموروث الثقافي القديم، التوحيد بين قوى الإنسان القول والفعل، الفكر والوجدان، الأسرة الواحدة، الأمة الواحدة، الخلق الواحد، الهدف الواحد، الغاية الواحدة. وما أكثر فلسفات التوحيد في الوافد عند اسبينوزا وفشته وشلنج وهيجل.
والتبعية في الغذاء والسلاح والثقافة، والعلم هي التحدي الخامس في الواقع العربي. نستهلك أكثر مما ننتج، ونأكل أكثر مما نعمل، ونحارب بما لم تصنعه أيدينا. وتنميتنا لا تعتمد على الذات، غير مستقلة، تعتمد على المعونات من الغير لدرجة امتهان الإرادة الوطنية والتحالف مع الأجنبي ضد الوطني، وحاربنا مع العدو ضد الصديق، وعادينا القريب لصالح الغريب. وهناك تصورات موروثة تجعلنا أكثر اعتماداً على النفس واتجاهاً إلى الطبيعة من أجل استعمال قوانينها، والعمل والسعي والكدح في الأرض، وزراعة الصحراء. فاللون الأخضر، للعشب والزرع، أكثر قيمة من اللون الأصفر للهشيم والصحراء الجرداء. الماء ينزل، والأرض تنبت، والفلك يجري في البحر، والحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس. ومن الجبال بيوت، ومن الجلود سكن. وما أكثر الفلسفات الوافدة في السيطرة على الطبيعة وتسخيرها لصالح الإنسان والمجتمع واستثمار ثروات الأرض. هناك تصورات موروثة تجعلنا نتعاون فيما بيننا، ونشتد على الأجنبي (أشداء على الكفار، رحماء بينهم)، والتآخي بين الأوس والخزرج، وعدم جواز خصام الأخ لأخيه أكثر من ثلاث ليالٍ.
والتغريب والتبعية إحدى مآسينا والتحدي السادس، فقدنا الاستقلال الإرادي بعد أن حصلنا عليه، وضاعت الهوية، وعزت الأصالة، وأصبح كل من يستمد علمه وثقافته وهويته من الخارج، وربينا لدى أنفسنا مركب نقص كما ربي الآخر في نفسه مركب عظمة. أساليب الحياة والعمارة والفنون تنوعت إلى حد التضارب وطمس الهوية. كان ذلك نتيجة للانبهار بالغرب واحتقار الذات، وتقليد الآخر وضياع الهوية. وفي تصوراتنا الموروثة ما يساعد على تأكيد الهوية بالمفاصلة مع الآخر، والتمايز عنه. وما أكثر نقد التقليد والتبعية، أن إيمان المقلد لا يجوز، والتقليد ليس مصدرا من مصادر العلم. وما أكثر نقد سلطة القدماء على الوافد، والثورة على القديم، ورفض الموروث، والاعتماد على الذات من أجل الجدة والإبداع، “أنا أفكر فأنا إذن موجود”.
وأخيراً، ما زالت سلبية الجماهير وحيادها ولا مبالاتها تمثل التحدي السابع الرئيسي للثقافة العربية. فبالرغم من سطوة الموروث لدى الجماهير، وحضور الوافد لدى النخبة إلا أن الجماهير تظل عازفة عن المشاكل في أي حركة شعبية. فالموروث إن عبر عن ماضيها فإنه لا يحل مشاكل حاضرها. والوافد إن عبر عن مستقبلها فإن الهوة بينه وبينها ما زالت بعيدة. تنأى الجماهير عن السلطة. فهي قاهرة لا تعمل لصالح الناس. وتنأى عن المعارضة لأنها ضعيفة وهزيلة تتاجر بأقوات الناس، ولا تحل شيئاً لأن عينها على السلطة. ومهما وقعت من أحداث أمامها فإنها لا تتحرك. وإن تحركت فانتفاضة وقتية مثل انتفاضات الخبز والغلاء كبالون اختبار أو فقاقيع هواء سرعان ما تتكسر على شاطئ الفتور واللامبالاة. وفي التصور الموروث ما يساعد على حشد الناس، وتجنيد الجماهير، فالأمة خير أمة أخرجت للناس، تحمل الأمانة، وتبلغ الرسالة، وعليها مسؤوليات الدفاع عن الحق وتبليغه للناس، هي خليفة الله في الأرض، تحقق وحيه كنظام مثالي للعالم. ويمتلئ الوافد أيضاً بفلسفات تحقيق المثل الأعلى، وتطبيق كلمة الله في الأرض وتجسيد الروح في التاريخ، كما أنه زاخر بفلسفات الالتزام والفعل والتقدم والمسؤولية وتحقيق رسالة الأمم الثقافية والفنية.

خامساً: ضعف المؤسسات والوعي بالثقافة
وليست البنية الداخلية وحدها هي المسؤولة عن أزمة الثقافة العربية بل أيضا البنى الخارجية وفي مقدمتها ضعف مؤسساتها الثقافية لأنها جزء من الدولة التي لا تدين لها الجماهير بالولاء. الدولة قاهرة. ووظيفة مؤسساتها الثقافية تبريرها وإضفاء الشرعية عليها والدفاع عنها. ومن هنا يأتي الخلط بين الثقافة والإعلام، واعتبار الثقافة إعلام الدولة للناس، واعتبار الإعلام ثقافة الدولة للناس، فضاعت الثقافة، وعزف الناس عن الإعلام، وتحولوا إلى الإذاعات الأجنبية يستقون منها أخبارهم، ويتحسرون على انحسار الذوق الرفيع والثقافة الجادة في العصور الخوالي. وما أسهل في نظام حر منتخب وفي دولة شرعية تقوم على العقد الاجتماعي أن تستقل المؤسسات الثقافية عن النظام السياسي، وأن يتم التخطيط الثقافي على الأمد الطويل طبقاً لحاجات الجماهير ومستقبلها دون الارتباط بسياسة الدولة أو شخصية وزير الثقافة ونشاطه واهتماماته وتصوراته للثقافة والفن. وتقوم مؤسسات الدولة التابعة بالتأييد دون النقد، وتعمل بالأمر من دون الرأي. تغرق الشعب في البرامج الدينية والترفيهية، كبت وإطلاق، حرمان وإشباع، ضبط اجتماعي وتسيّب أخلاقي. تملأ أجهزة الأعلام المرئية والمسموعة بالمسلسلات والأفلام والمباريات الكروية لملئ الفراغ الثقافي والسياسي عند الناس. لا حل لذلك إلا استقلال المؤسسات الثقافية عن النظم السياسية ومؤسسات الدولة الرسمية. الثقافة مثل الجامعة والقضاء والصحافة مؤسسات مستقلة حتى تستطيع أن تحاور وتبدع. حينئذ يتكون جيل من المثقفين المستقلين، كما يتكون جيل من الباحثين والعلماء، وكما يحكم القضاء بالعدل بين الخصوم، وكما تستقل الصحافة حتى تواجه بالرأي، وتكشف تقصير المسؤولين الرسميين دفاعاً عن مصالح الناس.
ولا تنشط ثقافة إذا ما سيطر باستمرار على أمورها وتوجيهها ومراكز قراراتها الأجداد والآباء وكانت في يد الأجيال السابقة. فالثقافة حركة تواكب حركة المجتمع. تنعزل الأجيال الجديدة عن الثقافة لأنها لا تعبر عنها. فإذا ما كونت ثقافة مستقلة اعتبرت ثقافة مضادة هامشية تعبر عن الضياع والحزن، ثقافة الطريق خارج ثقافة المؤسسات. ووضعت العراقيل لتكوين اتحادات أو جمعيات ثقافية وأدبية مستقلة عن اتحادات الدولة وجمعياتها. وفي غياب أهداف ثقافية وطنية عامة تنشأ الشللية داخل مؤسسات الدولة وخارجها، ويندرج المثقفون في أحزاب ثقافية يعارض بعضها بعضا للوصول إلى السلطة في الثقافة واليد الطولى والصوت الأعلى فيها. وان استحال ذلك فالمجال مفتوح للنجومية الفردية دون تخطيط مشترك أو عمل جماعي. كما غلب على حديث المثقفين وكما هي العادة كثرة القول وقلة الفعل، قصور في الهواء بديلاً عن نجوع الواقع الأليم.
وكرد فعل على الثقافة الرسمية المضادة نشأت الثقافة السرية، وأصبحت أكثر تأثيراً في الناس، وأكثر التزاماً بقضاياهم. تعطيهم ما لم تعطه الدولة: الالتزام، الجدية، الرسالة، الوفاء، الصدق، الشجاعة، الشهادة، وتستطيع الثقافة أن تكون الموحد للثقافة الرسمية والثقافة المضادة والثقافة السرية، وتملأ هذا الفراغ بين الثقافات الهامشية الثلاث وتذيبها فيه بالتفاعل مع ثقافة الناس، تفاعل مع الموروث والوافد والواقع المعاش. تعبر عن هذه الثقافة الأمثال العامية وسير الأبطال والأزجال والملاحم الشعبية التي خلدت حكمة الشعب التلقائية، الثقافة المجهولة السند الحاضرة المتن والتي بدأ القرآن والحديث منها، وطورها باعتبارها ثقافة الأمة. ومن خلال الثقافة الوطنية يتم الحوار الوطني بين جميع التيارات الفكرية والسياسية والرسمية منها والشعبية حتى ينشأ الوفاق الوطني، وتقوم الوحدة الوطنية من خلال التعددية الثقافية، المشروع الوطني القومي الموحد مع اختلاف الأطر النظرية. وهو ميثاق ثقافي عربي جديد يقوم على حرية التعبير والحوار الوطني والأهداف القومية.
ويتم ذلك كله داخل الجامعات الوطنية والجمعيات العلمية والأحزاب السياسية وتشارك فيه مؤسسات الدولة المستقلة، الصحافة والإعلام والتعليم دون تدخل في مسار الحوار الوطني تدعيماً لرأي ضد رأي آخر أو نصرة لفريق ضد فريق آخر. في الجامعة تتولد الثقافة العلمية، وفي الجمعيات الثقافية تتولد الثقافة الأدبية، وفي الأحزاب السياسية تتولد الثقافة الجماهيرية. مهمة الجامعات البحث العلمي وإمداد الثقافة بمنهج لا يمنح شهادات على التحصيل من أجل الوظيفة وبحثاً عن الرزق. ومهمة الجمعيات العلمية، وهي عماد المجتمع المدني، العمل على تكوين تيارات فكرية واتجاهات سياسية ومناهج أدبية وأساليب فنية لإفساح المجال لإبداع الجماهير. ومهمة الأحزاب إعادة بناء الثقافة والتحول من تراث السلطة إلى تراث المعارضة، ومن تراث الحاكم إلى تراث المحكوم، من تراث الله والسلطان إلى تراث الجماهير.
والمؤسسات الثقافية من دون الوعي التاريخي بالثقافة تظل فارغة بلا مضمون، معلقة في الهواء بلا تاريخ ولا زمان. ولما كانت الثقافة تعبيراً عن الوعي الثقافي وكان الوعي الثقافي هو وعي تاريخي ارتبطت الثقافة بالمرحلة التاريخية التي تمر بها الأمة. فلا ثقافة بلا وعي تاريخي بالمرحلة التاريخية. وقد يكون أحد أسباب أزمتنا الثقافية والسياسية هو غياب هذا الوعي التاريخي بالثقافة والسياسة. وتتلخص هذه الأزمة في صعوبة الإجابة على سؤال: في أي مرحلة تاريخية نعيش؟
فبعد عصرنا الذهبي القديم، عصر الإبداع الأول في المرحلة التاريخية الأولى عبر سبعة قرون، ظهر بعدها ابن خلدون، وبعد عصرنا التدويني الثاني، عصر الشروح والملخصات والموسوعات الكبرى، المرحلة التاريخية الثانية عبر سبعة قرون تالية بدأ فجر النهضة العربية الحديثة منذ مائتي عام تقريباً وتعثرت نظراً لأنها كانت نخبوية لم تتحول إلى حركات جماهيرية أو ثورات وطنية ناجحة ومستمرة. وكانت تأخذ الغرب نمطاً للتحديث مما أثار حفيظة الحركة السلفية. وكانت نسبية تحاول التجديد والإصلاح، إما من الداخل مثل الإصلاح الديني أو من الخارج مثل التيار العلمي العلماني أو من تركيب الخارج على الداخل مثل التنوير فيه مثل الفكر السياسي الليبرالي. وكانت الثقافة العربية في جانب والواقع العربي في جانب. كانت هناك على الأقل عدم مطابقة أو تجانس بين الاستجابات الضعيفة للثقافة العربية وحجم التحديات في الواقع. كنا أشبه بمن يريد صيد أسد بحجارة أو تفريغ محيط بكوب أو هدم جبل بعصاة. وكلما وسعت الهوة بين الثقافة والواقع ظهر العجز، وانزوت الثقافة إلى روافدها، واشتد الواقع تعقيداً، وازداد تأزماً.
ويمكن البداية بترتيب البيت من الداخل، ورصد الاتجاهات العامة للثقافة الوطنية والتأكيد على تعدديتها ووحدتها، وحق الاختلاف في الرأي من دون تكفير أو تخوين، وضرورة الاتفاق على برنامج عمل وطني موحد يحدد الأهداف الوطنية التي تكوّن ملامح المشروع القومي وتتعدد الأطر النظرية لصياغته وربما أيضا لأدوات تحقيقه.
وهنا تبدو أهمية الفكر السالب الذي يبدو في النزعة النقدية. فالهدم يسبق البناء، والنفي يأتي قبل الإثبات؟ ولا يمكن تشييد جديد من دون هدم القديم. لقد حاولنا البناء من دون هدم. فسرعان ما تهدم البناء لأنه لم تتم قبله مرحلة نقدية للنظم القديمة. قضى على النظم الليبرالية لأن الجذور التاريخية للقمع والقهر والتسلط لم تنتزع، ومن منطق الفرقة الناجية يهيمن على الثقافة الوطنية. وانهارت النظم الاشتراكية لأننا لم نقض بعد على الجذور الثقافية للرأسمالية والطبقية وانحسر المد القومي لأننا لم نخلص ثقافتنا سلفاً من شوائب الطائفية والعشائرية والقطرية والتجزئة.
المرحلة التاريخية التي نمر بها تتميز بتحول جذري في نظام العالم وبانتقال الوعي في مسار التاريخ من مرحلة قديمة شارفت على الانتهاء إلى مرحلة جديدة بدت تباشيرها. وهنا يكون لفظ “الحضارة” أعم وأشمل من لفظ “الثقافة”. فالحضارة الغربية بدأت في العصور الحديثة في عنفوانها بمرحلة الأحياء، إحياء الآداب القديمة في القرن الرابع عشر بحثاً عن الجذور اليونانية وتفضيل الوثنية الأولى على مسيحية العصور الوسيطة، ثم عصر الإصلاح الديني في القرن الخامس عشر من أجل تخليص الدين مما علق فيه من شوائب التاريخ والعودة إلى الكتاب وحده من دون التراث الكنسي والتأكيد على حرية التفسير من دون احتكاره، وعلى أهمية الصلة المباشرة بين الإنسان والله من دون توسط رجال الدين، وعلى أولوية التقوى الباطنية على الشعائر الخارجية، وعلى أولوية الوطن على الأممية الدينية. ثم جاء عصر النهضة في القرن السادس عشر من أجل التحول من القديم إلى الجديد، ومن السلطة إلى العقل، ومن النص إلى الواقع، ومن الله إلى الإنسان، ومن النفس إلى الجسد، ومن الخلف إلى الأمام. ثم تأكدت العقلانية في القرن السابع عشر، لا سلطان يعلو فوق سلطان العقل، ولا نظام يفوق نظام الطبيعة. ثم تحولت العقلانية العلمية الفردية إلى تنوير اجتماعي سياسي شامل من أجل إقامة المجتمع على مثل التنوير: العقل (العلوم الرياضية)، والعلم (العلوم الطبيعية)، والحرية (الإنسان)، والعدل والمساواة (المجتمع)، والتقدم (التاريخ). وقامت الثورة الفرنسية تحقيقا لهذه المثل. ووصل الوعي الأوروبي إلى الذروة في القرن التاسع عشر، المثالية والوحدة المطلقة، نهاية التاريخ، وتحقيق المثال في الواقع، وتجسيد الله في الدولة. خفقت الروح، وقلت قيمتها، وهدأت الاندفاعة الأولى. بدأ الوعي الأوروبي ينقد نفسه، ويهدم ما بناه، ويراجع إنتاجه، وكأنه يندم على ما فات. فينتقل من المعقول إلى اللامعقول، ومن القيمة إلى اللاقيمة، ومن المعنى إلى اللامعنى، ومن الاتساق إلى التناقض، ومن الأمل إلى اليأس، ومن الوضوح إلى الاشتباه، ومن التركيب إلى التفكيك، ومن الإنسان المثالي إلى العنصرية الحضارية حتى انتهى القرن العشرين إلى الشك والنسبية واللاأدرية والعدمية. وتحدث الفلاسفة المعاصرون عن مظاهر العدم في الوعي الأوروبي: انقلاب القيم، إفلاس الفلسفة، موت الإله، موت الإنسان، ضياع عالم الحياة، الموت في الروح، تفكيك كل الأبنية القديمة بما في ذلك العقل نفسه والكلمة ذاتها.
وفي الوقت نفسه ينهض الشرق. قامت ثورة الصين وتحررت الهند، ونهضت اليابان، وتم تصنيع دول شرق آسيا، وقامت الثورة الإسلامية في إيران، واستقلت الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى، وبدأت نظريات “ريح الشرق” تصف مسار الحضارة الإنسانية عبر التاريخ. بدأت الحضارة في الشرق ثم انتقلت إلى الغرب، والآن تأفل في الغرب وتعود إلى الشرق من جديد. وتنضم مع الشرق أفريقيا وأميركا اللاتينية فيما يسمى بالعالم الثالث. فقد استقلت الشعوب الأفريقية، وزالت العنصرية في جنوب أفريقيا، وتمثل منظمة الوحدة الأفريقية وعياً إنسانياً جديداً لأفريقيا والعالم. كما البشرية في الأطراف خارج المركزية الأوروبية، ويتطلعون إلى مستقبل جديد للبشرية خالٍ من الجوع والقحط والعنف والهيمنة والاستغلال والحروب. ويتوسط العالم العربي هذا العالم الجديد. ويستطيع بما له من رصيد تاريخي وإمكانات مادية بشرية أن يبلور إنسانية جديدة وأن يظهر فيه المسار الجديد لمستقبل البشرية. إن كبوة مصر النهضة عندنا، وعثرات حركات التحرر بل والثورات المضادة ومظاهر التفسخ والتفتت والقطرية والتجزئة والطائفية والعشائرية والتبعية لهى مظاهر طارئة على السطح وليست في أعماق الشعور التاريخي نتيجة لتأزم النظم السياسية وضياعها بين الجيش وقريش. ولما كانت أعمار التاريخ تتجاوز الأعوام والعقود فإن العثرات الوقتية لا تنال شيئاً من رؤية مستقبلية للتاريخ.

اقرأ أيضا