الاتحاد

الملحق الثقافي

فرادة الواحد وتألق السبعة في الرقم 39

عندما تمتزج ريشة الفنان بالغاية والهدف، تبدو رموزها قريبة من الإحساس.. إحساس المتلقي ومن قبله إحساس الفنان نفسه، فاللون ينطق بالسر والانحناءة تبيح خفايا الفكرة.
وماذا لو دخلنا معرضاً اشترك فيه فنانون تربطهم فكرة واحدة وهدف واحد ورؤية واحدة، لابد حينها من أن تنطلق مشاعرنا من عقالها وهي تقف مشدوهة أمام أعمال تجمعت فيها خبرات فنانين أسسوا لأسمائهم من خلال تجربة طويلة في هذا الحقل الإبداعي. أسماء متوهجة، وأعمال أكثر توهجاً، وليس هناك مجال لأن نفاضل هذا عن ذاك فكلها تنشد غاية “الحب” و”الأرض”.
39 لوحة لـ 39 فناناً في اليوم الوطني الـ 39، فتبرز دلالة الواحد (الاتحاد) وتألّق السبعة (الإمارات) في الرقم 39 (اليوم الوطني)، فتتوافق جميعها في غاياتها، وترسم هذه الغايات من خلال اللوحة والمجسم البارع.

كان كل ذلك في معرض الـ 39 فناناً الذي أقامته وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في قاعة المركز الثقافي بالمسرح الوطني بأبوظبي.
تجمعت الرؤى هناك، وتوافق الزمن مع التشكيل فبدا كأنه يشير إلى أن الفنانين الإماراتيين يسجلون لحظات تحولات الزمن في جسد دولة نهضت من الصحراء ومن ضفاف البحر اتجهت إلى الحضارة فسجّلت السبق.
كل ذلك نقرأه في كل لوحة، وكأن هناك اتفاقاً في الموضوع بين 39 فناناً، وعندما تبحث عن سر هذا التلاقي تجده في هذا الرقم “39” من عمر الدولة ومن عدد الفنانين ومن وهج اللوحة، وكأنها جميعاً تحتفي بالثاني من ديسمبر موعداً لتوهج اللون وانعكاس الضوء على خريطة التشكيل الذي نقل ما جرى من حياة وما تأسس من بنى ذهبت بعيداً إلى الحضارة.
قاعتان ضمتا اللوحات الـ 39، القاعة الأولى اجتمع فيها جلال لقمان وأحمد الأنصاري وياسمين الخاجة وليلى جمعة راشد وعليا لوتاه وخليل عبدالواحد وناصر أبو عفرا وكريمة الشوملي وعلي خميس العبدان وابراهيم العوضي وأحمد شريف وفايزة مبارك وعبدالله بولحية.
والقاعة الثانية اجتمع فيها سمية السويدي وفهد عبدالله الجابر ومنى الخاجة وناصر نصر الله وخلود الجابري وعبدالقادر الريس والدكتورة نجاة مكي وعبدالرحيم سالم ومصعب الريس والشيخة اليازية بنت نهيان بن مبارك آل نهيان ومحمد القصاب وعبيد سرور وعائشة المناعي ومحمد المزروعي وجويرية الخاجة وموسى الحليان وحسين شريف ومحمد الاستاد ومحمد يوسف وابتسام عبدالعزيز ومنى عبدالقادر وخالد البنا وراشد عبدالله الملا وشمسة السركال.
وقد تراوحت أحجام الأعمال بين 80*100 سم إلى 200*228 سم. تصدرت المعرض لوحة رسمت فيها صورة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان “رحمه الله “، نفّذها الفنان جلال لقمان بحجم 92*123 سم وتوشحت بقول المغفور له زايد “رحمه الله “: “إن الصراحة مهمة جداً والمجاملة لا تجوز على حساب المصلحة العامة.. لأننا جميعاً شركاء في المسؤولية والمصير”، فكان امتزاج الحروفية العربية بخط المبدع لقمان الفنان الإماراتي المتألق والصورة المعبرة والنظرة المتأملة للمغفور له الشيخ زايد “رحمه الله “ توحي بالوضوح والإصرار وخاصة أن لقمان حاول أن يقدم كلمة “الصراحة” عبر حجمها الأكبر والمختلف للتأكيد عليها في القول.
ومن جانبه قدم أحمد الأنصاري لوحة تشكيلية بحجم 118*135 سم تعانق فيها المغفور لهما بإذن الله الشيخ زايد “رحمه الله “ والشيخ راشد “رحمه الله” في لقاء حميمي وقد خط في أعلى اللوحة النص القرآني {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه}. وقد برع الأنصاري في استخدام ألوان العلم الإماراتي بمجملها وهي تحيط بالشخصيتين الكبيرتين . وتتنوع الرؤى ويمتزج التعبير بالفرشاة لتقدم لنا صوراً مختلفة للحياة والإنسان والأرض. ففي لوحة ياسمين الخاجة نجد النخلة وقد تحولت إلى قناديل من الاخضرار وجذوعها وهي تتمايل فرحاً في لوحة مساحتها 88*130 سم كان فيها تدرج الأخضر واضحاً والتعبير بالمربع والمثلث عن جسد النخلة.
حركة الزمن
وفي لوحة ليلى جمعة راشد 89*116 سم نرى طغيان اللون الأزرق الغامق وتدرّج البنفسجي مع لمسات من اصفرار وبرتقالي موزع هنا وهناك في اللوحة ضمن تماسك وتلاحم لمدينة مبهجة، مدينة أخذت لونها من البحر، بيوت متراصة تسند بعضها الآخر في دلالة رمزية واضحة، الشبابيك هناك متوهجة بالضوء.. إنها لوحة من الفرح بحق.
وتساهم عليا لوتاه في لوحتها 80*100 سم حاولت أن تقدم فيها “حركة الزمن” أو “حركة التقدم” بالوهج الخاطف نحو المستقبل، جانب من مدينة دبي حيث يبدو برج خليفة، ظلال المدينة وهي تسرع نحو المستقبل، مستخدمة وهج الضوء وكأنه “الفلاش” الذي يشير إلى سرعة التحرك نحو الآتي.
ويشارك خليل عبدالواحد بلوحته 120*100 سم لامرأة وقد ارتدت البرقع وهي تحدق في نخلة، وفي برج خليفة وفي بنايات شاهقة وقد أحاطتها هالة مدوّرة من النور، ولم ينس عبدالواحد غصناً تنبعث منه الحياة وعينا المرأة أكثر توهجاً وقد رفع الغصن بذراعه الأيمن المرأة وبذراعه الأيسر الهالة.

سوق القرية
أما ناصر أبو عفرا فقدم لوحته بمساحة 120*180 سم التي اشتملت على عبق الماضي في تجسيد راق ضمن أبعاد دقيقة لا يجيدها إلا الفنان البارع والقادر على تمثل العالم وتحديد زواياه في اللوحة وتقنين أبعاده. نساء في سوق القرية، عباءات سوداء ملتمة مع بعضها، فتيان غير بعيدين عن السوق وآخرون يقفون على مسافة قريبة وفي عمق اللوحة القرية كاملة، بيت طيني وباب دكان مغلق وسقيفة وبراجيل بعيدة. استخدام بارع للظل والضوء وإحساس عالٍ بالواقعية.
وتبدو في لوحة كريمة الشوملي 102*102 سم تقابل واضح بين جيلين من النساء، امرأة شابه وأخرى عجوز.. اللوحتان متداخلتان في تمازج واضح حيث برعت الشوملي في إضفاء روح الزمن المتواصل من الجدة إلى الحفيدة.
وبدا الزمن هنا موزعاً داخل كل إطار اللوحة الكبيرة وما بين “الإطارين والفتاة والجدة” في تناسق لوني طغى فيه الأسود المتوهج بلون رصاصي شفيف.
ويقدم علي خميس العبدان لوحته 85*115 سم وقد بث فيها رمز الزمن بكل طاقته ليوحي برؤية واضحة عن بناء دولة، مئات الساعات وبأشكال عديدة تكون أرضية اللوحة ومن زخمها وتراصها تنبثق ساعة يحملها نصب وجميعها ضاحكة عند الساعة العاشرة وعشر دقائق بينما بدت في سماء اللوحة البيضاء صورتان لساعتين كالختم، إنه تعبير عن اللحاق بالزمن والمستقبل.
أما إبراهيم العوضي ففي لوحته 100*120 سم قدم صقراً متحفزاً، واقفاً على وكره، بالتفاتة جميلة، يُظهر عنقه وعينه وهي تحدق في أفق اللوحة البعيد المتواري خلف الإطار الأيسر. ويحاول الفنان أحمد شريف في لوحته 100*100 سم أن يمزج الدائرة بالضوء بالفضاء وثمة رجل يتأمل هذا الصعود الجميل. رموز متعددة في كتل موزعة في اللوحة. نبات مزهر في دائرة والتقاء عقربي ساعة في دائرة، كل ذلك يأتي في تجريد وترميز عالٍ.

مسجد الشيخ زايد
أما فايزة مبارك فقد قدمت في لوحتها 92*115 سم تجسيداً لمسجد الشيخ زايد “رحمه الله “، بقبابه المتعددة بحجومها وبألقها وقد ظللتها شجرة الغاف في جسد اللوحة وفضائها. قباب حمراء وخضراء ولون صحراوي مع تكوين خلفي بارز من جسد اللوحة يشير إلى الشجرة وهي توحي بالأمان.
في القاعة الثانية كانت لوحة سمية السويدي 155*165 سم الرقمية حيث انبهار بالعينين المتألقتين، المتأملتين ضمن بياض متوهج، وجناحا الفراشة يحلقان في شعر فتاة، وجه صارم بأنف طويل وبفم مكتنز، إنها ملامح امرأة تمتلك جمالها الباهر.
ويشترك الفنان فهد عبدالله الجابر بلوحته 100*120 سم ليقدم لنا الأحمر المتوهج الذي يطغى على اللوحة والأخضر المتعلق بحروفية حرف “الحاء” بانسيابية عالية في رمز للذات التي تريد أن تتوهج باحمرار باطنها، لمسات رقيقة وبارعة لحركة الفرشاة وهي تخط الحركة بتكوين صادم، الحاء المتألق يحمل مدينة، رمزاً لمدينة ينبثق من الأحمر، برج شاهق إلى السماء يعلن عن ولادة كيان دولة.
أما منى الخاجة ففي لوحتها 100*150 سم قدمت هذا التوافق في حركة جسد رجل وامرأة في تجريد عالٍ يرمز إلى التقدم إلى المستقبل ضمن روح متوهجة بالضوء، مع استخدام لوني بارع.
ويحاول ناصر نصر الله في لوحته 120*180 سم أن يجمع كل رموز الإمارات، رموز اجتماعية وحضارية وموروث وبيئة في لوحة واحدة. شمس محمرة تضيء وفانوس قديم مرفوع من يدين، وجمل ودلة وإمرأة بالبرقع وسفينة تذهب بعيداً في البحر وبرج خليفة يرتفع إلى الأعالي وبرج العرب يناغمه من بعيد وبراجيل وعلم الإمارات وأبواب قديمة، رموز ذات دلالات تجمع معاً في لوحة نصر الله .

حورية البحر
أما خلود الجابري فقد قدمت “حورية البحر” في عمل شفيف مازجت فيه الصحراء بالماء المزرق من خلال جسد الحورية الغاطس نصفه في الماء والآخر اللامع يفيض حيوية في الهواء. وتأتي لوحة شيخ الفنانين عبدالقادر الريس 200*200 سم لتقدم فضاء أصفر وأمواجاً زرقاء، وثالث أبيض في أسفل اللوحة، إنه عالم يفور، يحاول الانطلاق باتجاه التسامي، كون مرسوم كالموجة، وجوه تنظر إلى البعيد وهي تعتلي موجة زرقاء مسودة وشمس مشرقة ساطعة تفيض من الأعلى وبياض سفلي نقي يحمل الموضوعة كاملة.
وتشارك الدكتورة نجاة مكي بلوحتها ذات الأجزاء الأربعة، حيث التجسيم العالي والدقة الرائعة، نساء في مدينة، واخضرار طاغٍ، وحمامة وحيدة وشبابيك أربعة مزخرفة. اعتمدت نجاة مكي المستطيل فصوَّرت نساءها باستطلاعات أيضاً وبذلك قاربت العالم بالمرأة، الألوان الحمراء والصفراء والخضراء والزرقاء تلتقي في لوحة نجاة مكي بعذوبة رائعة، وكأننا في مدينة جميلة من النساء.
عبدالرحيم سالم يرسم امرأة ورجلاً بالأسود القاتم يقفان بين جدارين سوداوين بلوحة 200*228 سم، عالم متداخل، في الأسفل سواد وفي الأعلى بياض، وما بين الأسفل (العقل الباطن)، والأعلى “السمو” يقف هذان الجسدان.
في لوحة مصعب الريس تدرج سباعي اعتمد فيه اللون رمزاً لكل عالم من تلك العوالم المتراكمة، شفيف الأصفر والأخضر ثم الأصفر ثم الأحمر الفاتح ثم الأسود ثم الأحمر القاني ثم الأزرق وأخيراً السمائي.

دلالة الرقم 7
وتقدم الشيخة اليازية بنت نهيان بن مبارك آل نهيان لوحتها 117*117 سم في 9 كتل، توزعت بين 7 كتل اصطبغت بلون واحد هو اللون الصحراوي في رمز لـ 7 إمارات وكل كتلة رسمت بمساحة 39*39 سم وبحجم واحد ويتبقى كتلتان وهما الثامنة والتاسعة ليشيرا إلى البحر بازرقاقه وهو يحيط الكتل السبعة، وتحمل تلك الكتل السبعة رموزاً تعبر عن دلالات المكان وهي “الجمل” و”حجل النساء” و”الجوهرة” بينما جسَّدت اللوحة تلال صحراء الإمارات في حركة قوية وجميلة عندما ارتفع سطح اللوحة ليوحي بالتلال. هذه الرموز هي التي تشد اللوحة بل تشد الاتحاد بين كتلها التي تكمل بعضها الآخر بشكل جميل.
ويقدم محمد القصاب في لوحته 150*150 سم مدينة بكامل طاقتها، بيوتها وإنسانها وهي تؤشر لحضاريتها.
أما عبيد سرور ففي لوحته 120*170 سم قدم كل طاقات الرمز.. جمال وخيول وقباب مسجد الشيخ زايد “رحمه الله “ وبراجيل بعيدة مدورة وبرج خليفة وصروح معمارية تشير إلى أبوظبي ودبي في إطار من الترميز ذي الدلالات المتنوعة، حيث يمتزج القديم بالحديدي.
أما عائشة المناعي ففي لوحتها 120*170 سم فقد شكّلت 7 مستويات تعبيراً عن 7 رموز، في دلالة لـ 7 إمارات اتَّحدت في تحول كبير داخل اللوحة إلى الحضارة التي انبثقت من الصحراء، حيث أشار المستوى الأول إلى العمران الشاهق “برج خليفة” ورموز أخرى وفي الثاني إلى رحلة الجمال في الصحراء والثالث إلى البراجيل رمزاً للمكان وفي الرابع للقلاع في أبهة واضحة وفي الخامس لواحات النخيل التي غطّت الأرض وفي السادس لقباب إسلامية وفي السابع لأوراق شجر متفتح وكأن المناعي وهي تضع أوراق الشجر قاعدة تحمل هذا التشييد المتماسك تعود الى أيقونات الحضارات القديمة.
قدم محمد المزروعي لوحة 135*180 سم جمع فيها رجلاً وامرأة، في تكريس لطرائق المزروعي في التركيز على الوجه المختلف، الجاحظ العينين، وجوه تكتشف ذاتها في الأخرى، مع براعة المزروعي في اكتشاف لونه الخاص.

الرمز الباذخ
أما الفنانة البارعة جويرية الخاجة ففي لوحتها 115*130 سم فقد طرحت روح الشفافية والأناقة في الرسمة، الطبيعة والرمزية الفارهة والأشياء اللامنظورة المتخيلة، شباك متخيل تهب منه ريح تطير ستارة شفيفة وتنكسر مزهرية لتتبعثر ورودها البيضاء، المتخيل والواقعي يجتمعان معاً.
أما موسى الحليان فكان في لوحته 110*135 سم تجريداً بكل ما في الكلمة من معنى حتى أننا يمكن ألا نعثر على التأويل الأدق الذي تشير إليه لوحته. هل هو حصان وفارس ضمن موجة من الريح؟ هل هو موجة ضمن هياج في بحر؟ إنه المحتمل.
ويقدم حسين شريف علم الإمارات بألوانه ضمن كتل 7 تشير إلى الإمارات السبعة حيث الألوان الأبيض والأخضر والأحمر والأسود المزرق في إشارة إلى البحر.
وتحاول ابتسام عبدالعزيز ضمن لوحتها 95*100 سم ذي الكتل الأربع أن تحكي قصة تكون حكاية حياة وأصالة وبداية ونهاية، في لوحتها الأربع ينطق الأسود بالحكاية بشكل شفيف.
ويشترك 3 فنانين هم محمد الاستاد ومحمد يوسف وعبدالله بولحية بمجسمات من البرونز والزجاج والورق والخشب والحجر.
قدم عبدالله بولحية مجسماً من المعدن “الاستيل” لجسد طفل يحمل علم الإمارات، وقدم محمد الاستاد تجربته في مؤثرات الطبيعة وما تخلقه من أشكال حيث الصدأ المطبوع على الورق يحمله عمل زجاجي، وقد استخدم الاستاد الورق المدفون مع الحديد والذي ينطق بأشكاله الخرافية.
وأخيراً مجسم محمد يوسف الجميل والذي شكل فيه امرأة من خشب وبقشة من حجر فوق رأسها، امرأة منقبة بعباءة طويلة تمتد من قمة الرأس حتى أسفل القدمين، عباءة مفتوحة من الأمام يشي بها طيتها مادتان (الخشب والحجر) تصفان رمزاً بشكل جميل.

اقرأ أيضا