الاتحاد

الملحق الثقافي

لا حرية ولا حقوق للمرأة إلا بتحرير الرجل

نظمت مكتبة الإسكندرية مؤتمرا علميا حول ''قاسم أمين وتحرير المرأة'' بمناسبة مرور مئة عام على رحيل قاسم امين الذي يوصف في الادبيات بأنه محرر المرأة· عقد المؤتمر بالاشتراك مع المركز القومي المصري للترجمة وضم سبع جلسات متتالية على مدى يومين شارك فيها 28 باحثا ومتخصصا في اعمال قاسم امين وشؤون المرأة·
واكد د· اسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية أن في حياة وأفكار قاسم امين ثلاث دلالات هي شجاعة الفكر والرأي في مواجهة قوى الجمود والرجعية في المجتمع حيث لا تتطور المجتمعات وتتقدم الا بالافكار والآراء الشجاعة· وقد حاول قاسم في كتاباته ان يتجاوز التفسيرات الضيقة التي حالت بين المرأة والتعليم وحرمت المجتمع من التقدم والنهوض واكد ان التنمية في المجتمع لا تتحقق دون تعليم البنت وتمكين المرأة·
عقلانية
وقدم المفكر د· جابر عصفور قراءة جديدة لأفكار قاسم امين، في ضوء ظروفنا الراهنة، حيث لا تحرير للمرأة بغير تحرير الرجل ذاته، باعتبارهما مواطنين في مجتمع ودولة مدنية في المقام الاول وانه لا تقدم للمجتمع بلا حرية، فالحرية ضرورة للرجل وللمرأة وللمجتمع على السواء، لذا كان خطاب قاسم امين موجها إلى الرجل وإلى قوى المجتمع المتباينة، ولم يختص المرأة بالحديث·
وفي قراءة د· عصفور ان العقلانية مرادف للحرية وكان قاسم امين منتبها تماما لذلك، فلا تتحقق الحرية مع سيادة الخرافة والشعوذة لذا حاول الذهاب إلى الافكار العقلانية في التراث الاسلامي، والعقلانية عموما تفرض مراجعة التراث الاسلامي وصولا الى منابع التفكير الحر كما قدمها المعتزلة وابن رشد واخرون وتنقية التراث من شوائب التخلف واللاعقلانية ولذا قال بكل ثقة ان الحجاب عادة اجتماعية بالأساس وان العادات حين تتقادم وتمر عليها سنوات طويلة تتنزل لدى الناس منزلة الحقائق والعقائد الثابتة· كما ان قاسم امين لم يكن مغامرا كما يتصور البعض ولذا حاول في كتاباته الالتفاف على السلفية وافكارهم، ولم يواجههم بشكل مباشر وعدائي·
وذهب عصفور إلى ان قاسم أمين قدم دعوة لإصلاح وتقدم المجتمع كله، ودعوته بمعيار اليوم صالحة، لأن تقدم المرأة ونهوض المجتمع يقوم على التعليم بأن ينتشر في المجتمع ويكون تعليما عاليا وليس مجرد مبادىء اولية، وهو ايضا تعليم مدني للجميع رجال ونساء وهذا ما يفسر ان قاسم امين كان مشغولا ويعمل بجد على تأسيس الجامعة الاهلية في مصر وقد افتتحت الجامعة في ديسمبر ،1908 بعد وفاته بشهور وكتب كثيرا مطالبا بإنشائها وكان سكرتير اللجنة التي قامت بتأسيسها· وكان قاسم يرى ان القوانين التي تحكم المجتمع لم تعد صالحة ويجب تغييرها لتناسب المجتمع المدني الذي يسعى الى التقدم واهتم بالقوانين التي تحكم العلاقة الزوجية، وتلك كانت منطقة تخصصه العلمي والمهني فقد كان رئيس محكمة استئناف مصر ودعوته الى تغيير القوانين مازالت سارية·

علمية

وعرض د· محمد الجوهري استاذ علم الاجتماع، ما أطلق عليه ''رؤية سوسيولوجية معاصرة'' لدعوة قاسم امين مؤكدا ان منطق العلم لا يمنع من ان نجد في افكار قاسم امين التي صدرت في اول القرن العشرين مادة صالحة لواقعنا الاجتماعي بعد قرن كامل وهناك مثلا يؤكد ان الاسلام ينصف المرأة ويمنحها حقوقا ولم يسبقه الى ذلك دين آخر او نظام اجتماعي آخر، وهذه ليست قضيتنا اليوم - بل هي مسألة خارج الموضوع ـ فالقضية ليست مع الدين الاسلامي العظيم فلا احد يختلف او يجادل في ان الاسلام ميز المرأة ومنحها الكثير من الحقوق، لكن القضية تكمن في المسلمين المعاصرين، فهم كما قال قاسم امين يتبنون ''خليطا من التقاليد ويعتبرونها دينا''· وفيما يخص دعوة قاسم الى تعليم المرأة، فقد دعا الجوهري الى عدم التقيد بحرفية دعوة قاسم فقد كانت دعوته ان تتلقى المرأة قدرا بسيطا أو أوليا من التعليم يمكنها من القراءة والكتابة فقط، واعتبر بعض الدارسين ذلك قصورا في دعوة قاسم وانه لم يكن يريد لها ان ترتقي في التعليم، وفي رؤية الجوهري السوسيولوجية ان تلك الدعوة لا تفهم الا في سياق العصر الذي أطلقت وصدرت فيه، حيث كان ذلك وقتها - عام 1898 - خروجا ضخما على قواعد المجتمع ونظمه الاخلاقية والدينية اما اليوم، فيمكن ان تفهم تلك الدعوة على انها السعي الى الاخذ بكل اسباب التعليم المتاحة من ادنى مستوياتها الى أعلاها تأسيسا على ان العصر الذي نعيشه هو عصر العلم، ولم يعد ممكنا في ظل الانفجار المعرفي الهائل لاحد ان يكتفي او يقبل بمستوى متدن من العلم والمعرفة·
وتذهب رؤية د· الجوهري الى عدم تبني نظرة قاسم امين الخاصة والمحدودة الى عمل المرأة لانه لم يدع إلى خروج المرأة لميدان العمل إلا في حالات الضرورة كأن يتوفى زوجها أو يكون فقيرا محتاجا الى مساعدة أو لم تتزوج إطلاقا وليس لها أقارب مستعدون لمعاونتها لكن النظرة في علم الاجتماع المعاصر للعمل على ان انه تحقيق للهوية الاجتماعية للانسان وأساس وجوده وهويته، صحيح ان كل الناس يسعون لنيل أجر عن العمل، لكن العمل قبل ذلك ضرورة إنسانية واجتماعية·

عملية

د·احمد زايد عميد كلية آداب القاهرة، ربط بين أفكار وآراء قاسم أمين وبداية تشكل الطبقة الوسطى في المجتمع، حيث تكونت الطبقة بفعل التعليم والبعثات الى اوروبا وكان لها ان تقدم نموذجا جديدا للقيم في المجتمع، يخالف ما اصطلح عليه في القرون السابقة، وأفكار قاسم امين وحياته تثير عدة تساؤلات ينبغي ان نجيب عليها وان نفكر فيها باستمرار لأنها لا تزال مطروحة علينا· مثل لماذا تنتصر العادة على النص حتى لو كان نصا قرآنيا، لقد انصفت النصوص المرأة وجعلت لها ذمة مالية مستقلة وتنكر العادات الاجتماعية عليها ذلك وتحرمها من تلك الحقوق··؟! ويثير تساؤلا آخر هو لماذا تستعصي البنية الاجتماعية وعموم الناس في بلادنا على العقل والمنطق والتفكير المستنير، بينما لا تستعصي على الخرافة والشعوذة، حتى مع انتشار التعليم وازدياد عدد الجامعات بمختلف مستوياتها··؟!!
المستشارة بالمحكمة الدستورية العليا تهاني الجبالي دعت الى استلهام روح وأفكار قاسم امين، كي تظهر ريادة تنويرية جديدة، فنحن نحتاج الى تنويريين جدد، ففي المجتمع الكثير من دعوات السلفية والارتداد عن كل منجزات العصر الحديث، ولابد من ظهور فكر تنويري جديد يواجه ظروفنا وينبه الى القضية الوطنية من احتلال فلسطين والعراق وتهديد عدد اخر من الدول العريبة، من بعض قوى البطش والهيمنة، فضلا عن حاجتنا الى عقلانية جديدة وإصلاح حقيقي وجذري على مختلف الاصعدة·
وتساءل د·يحيى الجمل: لدينا تنويريون عظام اليوم يقدمون الكثير من الافكار والكتابات ومع ذلك لا نجد حركة تنوير حقيقية مثل التي جرت ايام قاسم امين ولطفي السيد واستاذهما الشيخ محمد عبده·
وتوقف د·صبري الشبراوي عند من أطلق عليهم التنويريين الجدد محاولا فيما يبدو الرد على تساؤل د·الجمل قائلا: انهم تفرغوا لخلافاتهم ومعاركهم الجانبية ويمارسون عمليات إقصاء لبعضهم والنتيجة انهم لا ينورون، داعيا الى ضرورة الترابط والتماسك بين التنويريين الجدد، وان ينحوا جانبا خلافاتهم الخاصة، فهم يعملون جميعا على مشروع واحد·

قاد ثورة اجتماعية حتى توقف قلبه
أعمال قاسم أمين الكاملة صدرت في الذكرى المئوية لرحيله

حلمي النمنم

أصدرت دار الكتب والوثائق القومية المصرية الاعمال الكاملة لقاسم أمين، وان لم تطلق عليها تسمية الأعمال الكاملة، وتضم هذه الأعمال كتابه ''المصريون'' ثم ''اسباب ونتائج'' و''أخلاق ومواعظ'' وكتابه المثير للجدل ''تحرير المرأة'' ثم ''المرأة الجديدة'' واخيرا ''الكلمات''· و''المصريون'' كتاب وضعه قاسم باللغة الفرنسية، وهو أول كتبه وظهر عام ،1894 وكان للرد على دوق داركور وكان داركور قد وضع كتابا ملأه بالهجوم الشديد على المصريين وعلى المسلمين عموما، ورماهم بكل سوءات الحياة، وحين قرأه قاسم تألم وأصيب بالحمى الشديدة، ولم يهدأ إلا حين شرع في الرد على ذلك الكتاب وتولى ترجمته الى العربية حفيد قاسم أمين، بناء على نصيحة لطفي السيد، وظلت الترجمة حبيسة الأدراج حوالى 30 عاما الى ان نُشرت اول مرة في نهاية التسعينيات من القرن الماضي ضمن سلسلة ''كتاب الهلال'' بتقديم المؤرخ الراحل رءوف عباس· والكتاب مناقشة لافكار داركور التي انطلقت من افكار المستشرقين السائدة في القرن التاسع عشر عن المصريين وعن الاسلام·
أما كتابه ''اسباب ونتائج'' فهو سلسلة مقالات كان يكتبها متتابعة في جريدة ''المؤيد'' وكان يوقعها باسم ''فاضل مصري'' واهتم بها محمد علي كامل صاحب مطبعة ومكتبة ''الترقي'' والذي جمعها وطبعها على نفقته لتعميم نفعها· ولم يكن قاسم أمين يوقع ''أسباب ونتائج'' وكذلك ''أخلاق ومواعظ'' باسمه، لأنها كانت تمثل انتقادا حادا لسلوك بعض الموظفين الكبار والمسؤولين في مصر، وهو آنذاك كان قاضيا، ولم يكن عمله يسمح له بنشر تلك الانتقادات· وبعض هذه المقالات يصلح لأن ينشر اليوم، فهي تتناول امورا ماتزال مطروحة في الصحف المصرية، مثل سلسلة مقالاته عن حال الموظف، وتعنته مع المواطنين· ويقول قاسم أمين عن الموظف ''انظر اليه بإمعان متى دخل عليه أحد الناس بورقة يريد عرضها عليه تشاهد تبسمه قد غاب ووجهه تقطب وجاهد في استحضار قواه ليسمع ما يعرض عليه ويعي -وأني له أن يسمع ويعي -لقول المستخدم الذي يعاد مرة ومرتين وثلاثا متفننا في طرق التفهيم لكي يوقظ الفكر النائم -وهو ليس هنا- ثم يلاحظ ان من حوله شاخصون ساكتون منتظرون فيتدارك الأمر ويجيب بأي عبارة صادفت او لم تصادف وربما حوله على فلان المرؤوس له بحجة أنه مشغول الآن أو أمر بارجاء عرضها الى وقت آخر لانهاء مهمة أو غير مهمة فيخرج المستخدم المسكين كما دخل والمسألة باقية وعليه صرفها بأي طريقة كانت''
على هذا النحو كتب قاسم امين سلسلة من المقالات عن الموظف المصري، تشكل كلها مجموعة ''أخلاق ومواعظ''·
شهرة أمين
وكتابا قاسم امين ''تحرير المرأة'' و''المرأة الجديدة''، هما اللذان حققا له الشهرة وجلبا عليه المتاعب، فقد آثارا عليه القوى المحافظة والتقليدية في المجتمع، ويمثلان تحولا في أفكار قاسم الذي اتجه الى تحرير المرأة فيما بعد·
كتابه الأخير ''كلمات'' صدر عام 1908 بعد وفاته مباشرة واصدره صديقه أحمد لطفي السيد، وكان عبارة عن مقالات قصيرة بعنوان ''كلمات'' نشرت في الجريدة التي كان يصدرها لطفي السيد، وبعض هذه المقالات قصير جدا، وبعضها طويل نسبيا· يكتب مثلا عن الاجتهاد قائلا ''يظهر ان باب الاجتهاد اغلق في اللغة كما أقفل في التشريع فقد صار من المقرر بيننا أن اللغة العربية وسعت وتسع كل شيء ولكي يكون هذا الاعتقاد صحيحا يجب الا نفترض أن هذه اللغة نتيجة معجزة، فظهرت كاملة من يوم وجودها في العالم· وهذا يناقضه قيام الدليل على ان جميع اللغات خاضعة لقوانين التحول والرقي العام وتابعه في اطوارها لسير الانسانية''· ويقول في مقال آخر عن اللغة العربية وحاجتها الى التطور ''كانت اللغة العربية لغة الأدب والعلم والفلسفة ولذلك كانت أوسع وأغنى لغات العالم ثم مرت عليها القرون الطويلة وهي واقفة في مكانها لا تتقدم خطوة الى الامام واللغات الاوروبية أخذت تتحول وترقت كلما تقدم أهلها في الآداب والعلوم حتى أصبحت النموذج المطلوب في السهولة والايضاح والدقة والحركة والرشاقة· ثم يضيف ''رغما عن هذا أجمع قومنا على أن لغتنا لا تزال حتى الآن حافظة مركزها الأول ويزعمون أنها سيدة اللغات كما أجمع عامتنا على أن مصر أم الدنيا''·
كان قاسم أمين حادا في نقده للمجتمع وللعادات السائدة ويقول ''العار أن نظن في انفسنا الكمال وننكر نقائصنا، وندعي أن عوائدنا هي أحسن العوائد وأن نعاند الجميع''·
ثورة فكرية
وفي تقديمه لهذه الأعمال، ذهب د· محمد صابر عرب رئيس دار الكتب المصرية إلى ان كتابات قاسم أمين جاءت في مجملها ثورة فكرية واجتماعية امتلك صاحبها صراحة في القول وشجاعة في التعبير عما كان يؤمن به في العديد من القضايا التي رآها ميراثا لا علاقة له بجوهر الاسلام، وكان واعيا بمخاطر الاعلان بما يعتقد به، ولعل هذا ما دفعه الى ان يقول في ''كلمات'': ''لعل من اكبر الاسباب في انحطاط الأمة المصرية تأخرها في الفنون الجميلة·· التمثيل والتصوير والموسيقى، هذه الفنون ترمي جميعها على اختلاف موضوعها الى غاية واحدة هي تربية النفس على حب الجمال والكمال''·
وسبق للدكتور محمد عمارة ان اصدر الاعمال الكاملة لقاسم امين في منتصف السبعينيات، لكن الجديد في طبعه دار الكتب المصرية أنها تمت تصويرا عن الطبعة الأولى من الكتاب، بكل تفاصيلها من حيث اسم الناشر وتاريخ الصدور، فضلا عن انها باستثناء ''كلمات'' صدرت في حياة المؤلف·
وينقص طبعة دار الكتب أن تقدم ثبتا بيلوجرافيا لتعريف القارىء بتفاصيل ومراحل حياة قاسم أمين، خاصة أنها تصدر بمناسبة مرور مئة عام على وفاته ومن المقرر ان يشهد هذا العام احتفالا كبيرا بقاسم أمين، وهناك مؤتمر علمي سوف يعقد بالمجلس الأعلى المصري للثقافة يجري الاعداد له، كما تنتج دار الأوبرا المصرية أوبريتا غنائيا يقدم شخصية وحياة قاسم أمين، الذي توفى شابا اثر ازمة قلبية· وكان قاضيا بمحكمة المنصورة، وكان سكرتير عام لجنة تأسيس الجامعة المصرية، وتوفى قبل افتتاحها·

اقرأ أيضا