صحيفة الاتحاد

دنيا

رحلة الفقيه التمكروتي من أهم الرحلات الدبلوماسية التي عرفها العالم

عمرو أبوالفضل (القاهرة) - أوضح الدكتور عبدالجواد المحص أستاذ الأدب والنقد بجامعة الازهر، أن رحلة الفقيه المغربي التمكروتي من أهم الرحلات «السفارية» الدبلوماسية التي عرفها العالم، وتتمتع بقيمة استثنائية بين مثيلاتها، لما جاء فيها من معلومات وصور انطباعية عن تاريخ حوض البحر الأبيض المتوسط في القرن السادس عشر.
وقال إن علي بن محمد التمكروتي، ولد في بلدة تمكروت بوادي درعة بمراكش، سنة 1534م، وقيل في سنة 1520، وتوفي رحمه الله سنة 1003هجرية 1594 ميلادية بمراكش، ونشأ في بيت علم وصلاح، فجده علي بن محمد من أعيان درعة، وأشتهر والده محمد البكري بالصلاح والتقى، وكان عمه عبدالله بن علي من تلاميذ العالم عبدالعزيز القسنطيني، وكان أخوه محمد عالما فقيها وإماما لجامع المشور بفاس، ونبغ أخوه الحسن في علوم اللغة والفقة.
الرعاية والتعليم
وأضاف، تعهده أبوه بالرعاية والتعليم وبدأ دروسه بحفظ القرآن الكريم، وتلقى علوم العربية وأخذ عن كبار علماء درعة، ولما تضلع جلس للتدريس في مساجدها، وعرف بالصلاح والزهد والعلم والورع، وذاع صيته بين طلاب العلم، وفي عام 1589م، استدعاه السلطان أحمد المنصور الذهبي للقدوم إليه بفاس، فغادر بلدته متوجها الى القصر السلطاني، ووصل إلى سجلماسة، ومنها إلى فاس، ولما مثل أمام السلطان أحمد المنصور كلفه بالسفر الى السلطان العثماني وتبليغ رسالته وحمل هديته، فغادر فاس متجها إلى تطوان، حيث مكث ثلاثة أشهر ينتظر وصول سفينة تحمله ومرافقيه إلى القسطنطينية.
وأشار الدكتور عبدالجواد المحص إلى أن رحلته بدأت من تطوان ورست السفينة، ثم واصلت سيرها مارة ببادس وطرف فورك وجزر كبدانة فهنين حيث رست، وابحرت على الساحل الافريقي مارة بوهران ومستغانم وتنس ورست في تشرشال، وبعد عشرين يوما انطلقت السفينة إلى حصن دلس، حيث رست، ومنه إلى بجاية، ومنها مرت السفينة، بمراسي جيجل والقصب والقل لتصل إلى بونة، ثم بنزرت بتونس، فرأس أدار فقليبية فسوسة فالمنستير فالمهدية، فقابس فجزيرة جربة، ومنها إلى طرابلس، وأقام بها شهرا ونصف شهر، وغادرها متجها نحو القسطنطينية، التي وصل إليها الثلاثاء 16 محرم، واستقبله السلطان مراد العثماني هو ومرافقيه، وسلموه رسائل أحمد المنصور وهديته.
مسار الرحلة
وذكر أن التمكروتي غادر القسطنطينية 7 شعبان، برفقته وفد تركي يحمل رسالة السلطان مراد إلى أحمد المنصور الذهبي، متجها إلى طرابلس فجربة فصفاقس فمنستير فسوسة فبنزرت فطبرق فبونة فبجاية، ومكث بالجزائر نحو أربعة أشهر ليغادرها عائدا إلى المغرب، حيث وصل إلى مدينة تطوان يوم 11 محرم، ومنها إلى مراكش وأمضى بها بعض الوقت، ووصل تمكروت في 1 جمادى الثانية. وبين الدكتور المحص أن التمكروتي أقام في رحلته ثمانية أشهر وضع على أثرها كتابه«النفحة المسكية في السفارة التركية»، وقد سجل تفاصيل هذه الرحلة وتمكن من تقديم وصف لخط سيرها والمدن والمواقع التي مر بها، ودون ملاحظاته عن القسطنطينية وأهلها ومكوناتها الاجتماعية والثقافية والسياسية وعلاقاتها مع العالم الخارجي، كما أهتم بترجمة علمائها وفقهائها وادبائها، وذكر مساجدها واوليائها وقصورها. واورد في كتابه مناقشات فقهية عن الخلافة والامامة والأسس الشرعية للحكم وطبيعة النظم الإسلامية وفضل العرب، كما يظهر حرصه على بيان أوضاع الإمبراطورية العثمانية والتعرف على مدى تماسكها وحال قوى المعارضة داخل ولاياتها وامكانية استمالتها في مخططات الملك السعدى، ولم يغفل التمكروتى الحديث عن دور العثمانيين في نشر الإسلام في شرق أوروبا، وجهادهم لصد كافة المحاولات الغربية، لنشر العقائد الأخرى داخل أطراف الامبراطورية العثمانية دولة الخلافة.
كما بين أن الباحثين اعتبروا هذه الرحلة من أهم النصوص التي كتبت عن تاريخ حوض البحر الأبيض المتوسط، وعكفوا على الاستفادة منها في دراستهم التى تناولت الاوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في القرن السادس عشر، حيث تميزت بدقة الوصف وابراز أهم التفاصيل وطبيعة العلاقة التي كانت بين المنصور السعدي والعثمانيين وما يحكمها من تنافس وصراع بسبب تطلع العثمانيين لضم ما بقي من شمال افريقيا إلى امبراطوريتهم وتهديدهم مشاريع السعدي في دول الجوار خاصة السودان الغربي.
وقال إن الفقيه المغربي التمكروتي انهى كتابه بملحق ثرى ضم عددا كبيرا من الحكايات والمرويات التي لا تخلو من الغريب والعجيب وكان قد سمعها أو شاهدها اثناء سفره وتجواله في المدن التي دخلها، كما تميز بقدرته على وصف أهوال البحر والعناية باللغة وتدوين الشعر والحكمة والبلاغة والبيان.
وذكرت المصادر أنه استفاد في كتابة رحلته بما دونه قبله بعض العلماء والرحالة الذين زاروا القسطنطينية وقدموا وصفا لها مثل ابن بطوطة والبكرى وابن عبد ربه وغيرهم ولذلك جاء كتابه منضبطا من حيث التواريخ وخط سير الرحلة ومحطاتها. وانتهى إلى أن المستشرقين احتفلوا بمخطوطة رحلته وقام المستعرب الفرنسي الكونت هنري دو كاستري في سنة 1929، بترجمة بعض فصولها إلى اللغة الفرنسية ونشر نصها العربي مطبوعاً على الحجر، كما صدرت لها طبعة جديدة في سنة 1985 اعتمدت على نسخة دو كاستري الحجرية.