الاتحاد

دنيا

شيرايشي صورة من الهدوء والأيام الخوالي في اليابان


ترجمة - ميسون جحا:
في الريف الياباني، أي في تلك الرقعة الطبيعية من جنوب شرقي آسيا، يستطيع الزائر التوجه لقرية شيرايشي وصعود أعلى قمة جبلية والنظر بعيدا إلى بحر تبرز من فوق سطحه رؤوس جزر أشبه ما تكون بأجسام عدد من الحيتان الخضراء· وفي نفس المكان ينعم السائح بالسير ليلا في محاذاة شاطئ رملي وتأمل مجموعة من النباتات المعلقة وقد عكست ظلالها على الأمواج الرقراقة· وإذا خطر للزائر الاستعاضة عن النزهة على الشاطئ بالتجول في أرجاء الشوارع الضيقة للقرية، فلن يخيب ظنه بالاستمتاع أيضا بالسير بجانب أشجار معمرة ولكنها شديدة الصغر تشبه أقزاما جميلة وزعت بطريقة جذابة تبهج العين والخاطر وتدعى 'البونساي'·
وبفضل برنامج سياحي صمم خصيصاً بهدف اجتذاب الزوار الأجانب لركن من الريف الياباني لم يحظ بشهرة واسعة، يستطيع السائح تمضية عدة أيام في قرية شيرايشي دون أن يتكلف نصف ما يدفعه لقاء يومين يقضيهما في جزيرة سوشي أو في ربوع العاصمة طوكيو·
تقع قرية شيرايشي، والتي لا يربو عدد سكانها عن ثمانمائة نسمة، في جزيرة سيتو، وهي تفصل بين جزيرتين من الجزر الأربع الرئيسية في اليابان، وهما جزيرتا هونشو وشيكوكو· وللوصول إلى القرية، يستقل السائح من طوكيو قطارا سريعا ينقله في رحلة تمتد لأربع ساعات إلى جزيرة أوكاياما، ثم يستقل قطاراً آخر لمدة 45 دقيقة باتجاه ميناء كاساو· ومن هناك يستقل قارباً ينقله في رحلة قصيرة إلى قرية شيرايشي·
الوجه الآخر لليابان
لو خرج الزائر في الصباح الباكر من طوكيو وسافر مباشرة، فإنه سيصل لميناء كاساو في وقت مناسب لكي يستقل قاربا مسائياً نحو شيرايشي· ومن الممكن تسهيل المهمة إذا تم إرسال الحقائب سلفا بواسطة خدمة متطورة متوفرة في اليابان تعرف باسم التاكوبين· في تلك الحالة يكون كل ما يحتاج إليه الزائر قد سبقه في الوصول إلى المكان، مما يسهل عليه مشقة الرحلة الطويلة· وعندها يستمتع برحلته وتسنح له فرصة التنقل بسهولة من مكان لآخر ومن محطة لمحطة، مع الاستمتاع بالمشاهد الطبيعية التي تمر من أمامه كلوحات فنيه متتابعة، مما يضيف لرحلته معنى آخر·
وعند الوصول لقرية شيرايشي، تشير لوحات كتبت باللغتين اليابانية والإنجليزية للاتجاهات المؤدية لمقر الإقامة والفيلا الدولية، وهو فندق ساحلي حديث مبني من الخشب والإسمنت، ويطل على شاطئ نظيف·
والفيلا هي واحدة من ستة أماكن تم بناؤها في التسعينات من القرن العشرين في إطار مشروع رعته الحكومة اليابانية بهدف ترويج السياحة في الريف الياباني، وخاصة في محيط أوكاياما، حيث توجد قرية شيرايشي· وتحمل الفنادق أو مناطق الإقامة المبنية هناك على الطراز الريفي الياباني سمات ومواصفات خاصة، وقد خصصت للأجانب من غير اليابانيين ممن يحق لهم استضافة بعض الأصدقاء اليابانيين· وتلك النُزُل ليست فنادق بالمعنى الحرفي للكلمة· فإدارة البيوت، أو الفنادق، توفر خدماتها مرتين أسبوعيا فقط (كخدمة تنظيف الغرف والملاءات القطنية وأدوات المائدة والمطبخ وغسيل الملابس وغيرها من الخدمات الأساسية)، تاركة مهمة القيام بالمسؤوليات الأخرى على عاتق النزلاء· وأجرة الإقامة لليلة واحدة في تلك الفنادق تقترب من 30 دولاراً ( ما يعادل 110 دراهم) للشخص الواحد، أو 25 دولارا (90 درهما) في حال اشترى الزائر بطاقة عضوية لمدة عامين في شبكة خاصة بتلك الفيلات·
بعيدا عن الزحام
أول ما يطلبه السائح عند وصوله لأي مكان هو الهدوء وراحة الأعصاب· وذلك هو ما يتأمن للقادم لقرية شيرايشي التي تتسم بالهدوء في معظم أيام السنة، إلا خلال موسم العطلة المدرسية، والتي تدوم 40 يوما، بدءا من 20 يوليو· وربما تكون أشد الأوقات ازدحاما في القرية خلال أيام مهرجان أودوري، وهو موسم الرقصات الفولكلورية الليلية الذي يجتذب أعدادا كبيرة من الزوار، ويبدأ سنويا من 14 إلى 16 أغسطس· وتلك هي الأيام التي يزور فيها سنويا اليابانيون بيوت أجدادهم في الريف·
ولو أراد السائح التوجه لمناطق أخرى في اليابان، فسوف تتسنى له فرصة استئجار مركب صغير ينقله لجزر قريبة من إحدى المدن الكبرى، حيث يزور المعابد والأبنية اليابانية الأثرية· وكما هو الحال في معظم الدول المتحضرة، تجد سكان الريف الياباني أكثر مودة، ولا يترددون في تقديم المساعدة لجميع الزوار·
وبالعودة لسكان قرية شيرايشي نجد أن معظمهم عجائز، ويمارس عدد كبير منهم فن البونساي Ponsai، وهو طريقة يابانية متميزة وفريدة من نوعها لتنمية نماذج شديدة الصغر من أشجار الصنوبر، وغيرها من الأشجار الضخمة· وفي الواقع، يشهد الزوار الأجانب لتلك القرية بالأثر الساحر لتلك الأشجار العجيبة، فالقرية تمتلئ بحدائق لا يزيد ارتفاع أشجارها من الصنوبر والحور عن نصف متر·
وفي زيارة شيرايشي فرصة للعودة لأيام من الماضي الجميل الذي خلا من تعقيدات ومطالب العالم المعاصر بكل ما فيه من ضجيج وضجر وسأم·

اقرأ أيضا