الاتحاد

دنيا

الحرب والسلام في الشعر العربي والعبري في فلسطين


صدر عن مركز الأبحاث والدراسات العربية والعبرية (مبدع) كتاب الحرب والسلام في الشعر العربي والشعر العبري على أرض فلسطين للدكتور فايز صلاح أبو شمالة· يعتبر الكتاب الأول على مستوى الوطن العربي الذي يتناول قضية الصراع، وآفاق السلام بين اليهود والعرب على أرض فلسطين من خلال الشعر، فقد تسلل الكاتب إلى وجدان المجتمع من خلال الشعراء، وأوجد المقارنة في المجالات التي ينصب عليه الاهتمام، وهي منبع الإلهام·
لقد استعان الكاتب بأشعار خمسين شاعراً وشاعرة من شعراء الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن شعراء فلسطينيين يحملون الجنسية الإسرائيلية، حيث مثل الصراع العنيف والحل السلمي محور تفكيرهم، وسيطرت الأحداث السياسية، والميدانية على جل اهتمامهم· كما استعان بأشعار سبعين شاعرا وشاعرة من اليهود الإسرائيليين، قام الكاتب نفسه بترجمة هذه الأشعار التي لم يسبق لها أن ترجمت إلى العربية، وتتناول الصراع والحل من كافة أبعاده النفسية والتاريخية، والعقائدية والسياسية، وحتى الشخصية·
يقع الكتاب في 420 صفحة، من القطع الكبير، وتضمن مقدمة وخمسة فصول، لقد عرض المؤلف في مقدمة الكتاب الصعوبات التي واجهته في توفير دواوين الشعر باللغة العبرية، ومن ثم توفير دراسات أدبية باللغة العبرية عن الشعر العبري، والأصعب من ذلك كيفية إيصالها إلى قطاع غزة في ظل الانتفاضة وإغلاق الطرق، يقول الكاتب في المقدمة:
'أبحث تحت القصف الإسرائيلي اليومي لمخيم خان يونس، إذ لم تنجُ صفحة واحدة من صفحات البحث، لم يعبر عليها أزيز الرصاص الإسرائيلي، ويدوي بين سطورها تفجير البيوت، ويسيل على كلماتها دم الشهداء، وتتفجع حروفها مع دمع الثاكل·
ومع ذلك، يضيف المؤلف: 'سأحرص في الدراسة على التجرد من عاطفة الانتماء، وسأكون على الحياد وأنا أهز بالتساوي أغصان القصائد، وألتقط من تحت شجرها ثمر المعاني الذي تعطيه دون تحريف لما تكشّف عن حرب أو سلام لصراع دموي أنا أحد أركانه، ولن أتحيز لشعر دون الآخر ولفكرة دون الأخرى، كما سأحرص ما استطعت على التخلي عن الأفكار الجاهزة، وعن المفاهيم المتداولة دون تمحيص وبحث، ومع إدراكي لصعوبة تفهم ذلك التجرد في الأجواء السياسية السائدة في فلسطين، والتزاماً مني بالمنهج العلمي سأراعي الحيادية في طرح المضامين والمعاني، ساعياً إلى إدراك النتائج كما تستوجبها روح البحث، فهذا أجدى من تلفيق الآراء، واغتصاب المواقف، وبالتالي خداع النفس التي حرم العقل تلويثها، ولصاحب الأمر السياسي، وللقارئ فيما بعد تحديد موقفه من النتائج الموضوعية التي تتوصل لها الدراسة·
في ضوء ما سبق انتقيت النماذج الشعرية من آلاف القصائد الشعرية باللغتين العربية والعبرية، رغم الجهد المضني في ذلك، وما يتطلبه من إجهاد بصري أمام شاشة الحاسوب، لقد آثرت الاعتماد على أكبر عدد ممكن من الشعراء اليهود والعرب، وعلى أكثر عدد ممكن من المجموعات الشعرية، وكان يمكنني الاكتفاء بعدد محدود من شعراء كلا المجتمعين، يتم تحديدهم واختيار قصائدهم، ولكنني استعذبت نظم عقد قصائد أكثر من مائة وثلاثين شاعراً وشاعرة بخيط الفترة الزمنية الواصلة بين الانتفاضتين، وفي ذلك تحرر من سطوة الرأي والفكر لمجموعة محددة، وفيه دقة استبيان الحقيقة من التوسع في عدد الشعراء، وفي التمثيل بنماذج من الشعر فيها وفرة وتنوع، إن تنوع الشعراء اليهود والعرب بين شاعر وشاعرة، وبين حديث السن وعميق التجربة، بين الشمال والجنوب، أسهم في إيقاظ وجدان مجتمع لا يمكنه كظم رقيق مشاعر، ودقيق تعبير يتخلل مئات القصائد·
حرصت من البداية على الاستشهاد بالنصوص العبرية في لغتها الأصلية، وعدم الاستعانة بنصوص مترجمة، ومنشورة من قبل، فكان يجب علي أولاً تذوق الشعر العبري الإسرائيلي في لغته الأصلية التي كتب بها قبل ترجمته إلى العربية، مع الانتباه إلى أهمية الانتقاء الجيد والواعي لما هو ضروري، يفي بالغرض، وعدم الاكتفاء بنماذج محددة·
لقد حرصت ما استطعت على أن تكون الترجمة من اللغة العبرية إلى اللغة العربية دقيقة إلى درجة الالتزام غالباً بالتقديم والتأخير، والحذف البلاغي الذي صاغه الشاعر اليهودي الإسرائيلي، والذي لا يختلف من حيث البلاغة عن الأسلوب العربي، مع أنه لا ينسجم أحياناً مع الصياغة العربية، وذلك من باب الحرص على أن الترجمة ستؤدي إلى المعنى الموحى به، لاسيما أن الحديث يدور عن شعور إنساني يمتطي الخيال ويندفع بالعاطفة، فالشعر هو الشعر في كل اللغات وإن اختلفت النبرة وطريقة التعبير·
لتحقيق الغاية من الدراسة كان لا بد من إتباع المنهج التكاملي، فهو الأقدر على تبسيط الفكرة، وتقريب المفهوم الذي قامت عليه الدراسة، فكان التكامل بين منهج تأويل الشعر، وهذا يتأسس على دراسة وفهم وتحليل للنص، والاجتهاد في استنباط معاني النص دون تحميله أكثر مما يحتمل، إن تأويل النصوص لم يَحُل دون الدراسة الأسلوبية متى تطلب الأمر ذلك، وبالإضافة لما سبق كان لا بد من المقارنة الدائمة بين ما يكتبه اليهود الإسرائيليون وما يكتبه العرب الفلسطينيون، وإيجاد مواطن التأثير والتأثر، ومدى التفاعل مع الحدث المشترك، وردود الفعل المتباينة على الموقف الواحد·
قسمت الدراسة إلى خمسة فصول؛ مهدت لها برؤية لواقع المجتمع الإسرائيلي والمجتمع الفلسطيني، وألقيت نظرة على نمط الحياة في المجتمعين، وشكل العلاقة القائمة بين كل طرف، وكيف تطورت وانفصلت، وإلى أي مدى تبدو الفوارق بين المجتمعين؟·
قدسية الأرض
وقد تناول الفصل الأول أهمية الأرض وقدسيتها لكلا الشعبين المتصارعين، وعدم استعداد أي طرف للتفريط بشبر منها للآخر مهما كلف ذلك من تضحيات، وكيف مثلت الأرض المقدسة لسكانها السبب المحفز للوجود والصراع على هذا الوجود، ومن ثم فإن العودة للأرض هي الحياة، وما الموت إلا النفي منها، وكيف شكل ما سبق دافعاً للتضحية بالنفس، واحترام البطولة لدى المتصارعين·
أما الفصل الثاني فإنه دراسة للظواهر النفسية في الشعر، وكيف أثر الواقع المادي على الوجدان؟ فكان الشعور بالظلم انعكاس تجربة يعيشها الطرفن في واقع الحياة، وبدت الخشية من غدر الآخرين، والتشكك في الزمان إحساساً يمتلئ به وجدان الشعبين، سواء كان ذلك ناتجاً عن تجربة في زمن عبر، أو مازال يتفاعل حتى اليوم، إن الشعور بالظلم وغدر الآخرين يفجر الدموع والبكاء، إنه الحاضنة للحزن الذي يسكن الأرض مع أصحابها، ونزلائها، ويعلن الحرب على الثقة بالآخرين والشعور بالاطمئنان لهم، وهو الذي يخلق الكراهية والأحقاد التي تغذي رغبة الحرب، والتدمير والتفجير، وتواصل الصراع·
عالجت في الفصل الثالث مقومات السلام واشتراطاته، وكيف يقتحم السلام سياج الحرب المنيع، ليكون وراء البحث عن السلام حب الحياة وكراهية الموت أولاً، وثانياً: انكشاف زيف الاحتلال وممارساته الوحشية التي رفضها الشعر الفلسطيني مطلقاً، ورفضها بعض الشعر العبري، وثالثاً: كان الخوف من المستقبل والسعي الجاد للبحث عن الأمن الطويل المدى محفزاً للبحث عن السلام، ورابعاً كان الواقع العنيد الذي أوصل الحقائق للمتصارعين بلا مخادعة وشعارات زائفة، وعمق اقتناع البحث عن حلول سياسية، بعد أن فشلت القوة في بسط هيمنتها·
وطرحت في الفصل الرابع ما يتصوره كل طرف عن الطرف الآخر، وما يتصوره عن نفسه، فكان لا بد من معرفة من هو اليهودي كما جاء في الشعر، وكيف تعرف الشعراء العرب عليه، وعلى أي صورة تخيلوه، ثم كيف تخيل الشعر العبري اليهودي، وبأي صورة ينظر اليهودي إلى نفسه من خلال الصراع؟، ثم كيف رسم الشعر العبري صورة العربي، وعلى أي هيئة تخيله بعد سنوات من الصراع، وأخيراً درست الملامح المشتركة بين صورة العربي وصورة اليهودي في الشعر·
خصصت الفصل الخامس للدراسة الفنية، إذ كان يجب الانتباه إلى المتفق والمختلف في جمالية الشعر، وهنا حرصت على تقديم نماذج شعرية جديدة، ولم ألجأ إلى تكرار ما سبق من نماذج، ودرست المعجم الشعري العربي الفلسطيني والعبري الإسرائيلي، ووضعت إصبعاً على الألفاظ الأكثر تداولاً ودلالة ذلك، وكيف انعكس الواقع على الألفاظ، وأسهم في خلق الجملة الشعرية قبل أن ينطق بها الشاعر، ومن ثم كيف انتقلت الألفاظ من العربية إلى العبرية ومن العبرية إلى العربية، كما درست بعض الظواهر الأسلوبية المشتركة في الشعر العبري والشعر العربي مثل التقديم والتأخير، والتكرار، والاستفهام، والحذف، والغرض البلاغي لذلك·
بالإضافة لما سبق درست الصورة الفنية في الشعر، وبدأتها بالتشكيلات الحسية للصورة الفنية، وإلى أي مدى كان الترابط بين الصورة الحسية المفردة والبيئة، وكيف عكس الشاعر وجدانه على الصورة الفنية، وكيف أسهم الحلم في تركيب الصورة، ومن ثم درست مبررات ترابط الصورة المركبة، وكيف كان الجو النفسي العام مؤسساً لوحدة الصورة فكانت أكثر تشابكاً، وتعدداً دلاليا تنبض بتوتر حاد، وتولد أشكالاً تعبيرية متناقضة أحياناً، ولكنها تفصح عن مساحة شعورية تتقاطع فيها الانفعالات، ثم درست أثر التناص في تشكيل الصورة الفنية، وكيف استدعى الشعراء أصواتاً إضافيةً من الموروث الشعري والتاريخي والديني والتراث الحضاري، فكان النسيج الشعري تمازجاً مع الماضي الذي يعزز أفكار الشعراء ومبادئهم، ومدى تأثرهم بالرموز الدينية والتراثية التي رسمت معالم خيالهم·
كما درست التشكيلات الإيقاعية لدى الشعراء العرب واليهود، وقد حرصت على إبراز المشترك في الإيقاع الخارجي للشعر، لاسيما القافية التي لا تكاد تخلو منها قصيدة عبرية، رغم تحرر بعض القصائد العربية من القافية، مقابل ذلك لم أجد شعر التفعيلة في الشعر العبري، ولكن اتفق العبري مع العربي في شكل توزيع القصيدة الفني وفق الدفق الشعوري، أما الإيقاع الداخلي فكانت فنية الإبداع العبري لا تقل عن الإبداع العربي، إذ شحن الشعراء النصوص بطاقة النغم الصوتي وهم يرددون حروفاً بعينها، أو ألفاظاً موحية، يوزعونها بشكل فني يخلق موازنات صوتية متناسبة داخل السطر، تؤثر على المناخ العام للنص، ودلالاته، فكان التكرار من أبرز مقومات الإيقاع الداخلي، وكان التجانس الصوتي سواء بين الحروف أو بين الألفاظ، أو بين الجمل متمماً لذلك، ثم التدوير والتضمين وهو شكل يفاجئ العين والأذن بأنظمة كتابية وصوتية غير مألوفة، ولكن المقارنة كانت فقط في التضمين، وقد اشترك فيه الشعر العربي والشعر العبري، لأنه يربط بين سطرين أو أكثر من الشعر، فلا يمكن أن تصل للمعنى في السطر دون قراءة الذي يليه، ثم درست التشكيلات البصرية، حين يتخطى الإيقاع الصوت المسموع، ليوسع أمام العين مساحة لبناء التصور المتكامل مع الألفاظ، ودلالة الإيحاءات الكامنة خلف الشكل وما يتركه من توازٍ في النغم، ودلالة متناظرة·
الخاتمة
وفي خاتمة الكتاب يقدم المؤلف خلاصة التجربة البحثية، يقول: 'ازددت يقيناً بأن الصراع الذي ابتدأ بالدم والنار لن يتوقف بالمفاوضات والاتفاقيات والمعاهدات مهما كان الحبر الذي كتبت به، ومهما توفرت نوايا طيبة لدى البعض من طرفي الصراع، ومهما كان الشهود، فما تأسس عن طريق الظلم والقتل والبطش والطرد والاغتصاب والسجن والتعذيب يستنهض مقابله، ويدفعه لمجاراته، ومن يسلك واعياً، ويشق طريقه بالسيف لن يغير طبعه ولو تغير مسمى الضحية وشكلها مع الزمن·
إن في الدراسة فائدة درء خطرٍ، أو تقديره من بعيد بالتنبه والاستعداد، لاسيما في هذه المرحلة من الصراع المحتدم بين لفح الحرب وهمسات السلام، وما يحف بهما من صبار الانتظار الذي أوصلني إلى:
1- أن الصراع الدائر على أرض فلسطين بانت ملامحه في الفترة الأخيرة، وتكشفت عن صراع عقائدي؛ تصطدم فيه على الأرض تعاليم اليهودية المستقاة من أسفار العهد القديم ( ؟؟؟ تناخ) وتعاليم التلمود بشقيه (جمار ؟؟؟) و(مشنيه ؟؟؟؟) وتلتطم مع تعاليم الدين الإسلامي، وإن ما بدا على سطح الصراع من محاولة لبسط السيادة المادية على أرض فلسطين ما هو إلا طرف جبل الجليد الذي يغوص عميقاً في بحر الزمن، فقد شكل (التناخ والتلمود) قمم الوجدان التي أوحت لليهودي بالتفكير والتدبير والترتيب والتنفيذ، وبدأ هذا التعصب يثير مقابله، ويجد صداه لدى الطرف الآخر·
2- أن التعاليم اليهودية عقيدة، صارت أيديولوجية ومنهاج حياة لدى غالبية اليهود، تتزايد وتتقوى مع توالي تحقيق الانتصار، والنمو الاقتصادي والازدهار، بينما ظلت العقيدة الإسلامة في منأى عن التأثير على الصراع، وتحليل خلفياته، وتشابك جذوره مع الماضي، لقد أسهم التزام اليهود بتعاليم (التلمود والتناخ) في استنهاض العقيدة الإسلامية، وإيقاظها، بل حثها وزجها إلى قلب الصراع - لاسيما في السنوات الأخيرة - حيث أخذ الفهم العقائدي لأبعاد الصراع يطفو على السطح، ويتسع، ويزيح ما عداه من أيديولوجيات، لاسيما مع توالي حالات الإحباط والفشل، وضياع الأمل·
3- أن لفظة السلام التي يرددها معظم اليهود المتعصبين لا تعني التعايش بسلام مع العرب والآخرين، ولا تعني عدم الاعتداء على الآمنين، ولا تعني الاعتراف بحقوق الغير، ولا تعني المساواة و العدل واحترام المبادئ الإنسانية، إن لفظة السلام لها مضمون ضيق لا يتعدى حدود الطائفة؛ معتنقي اليهودية، ولا يتجاوز مصالح اليهود ومكاسبهم، وهذا ينسجم بشكل عام مع نظرة اليهودي إلى نفسه وإلى غيره من الناس·
4- أن هنالك جزءاً صغيراً من المجتمع الإسرائيلي غير المتعصبين، يدعو إلى السلام الحقيقي مع العرب، وينشد الحياة بسلام، والتعايش بأمن وصفاء بعيداً عن التعصب الصهيوني، والوصايا العقائدية والتعاليم الخرافية المرتبطة بالأسطورة، وهو ما يجد له صدى لدى المجتمع العربي الفلسطيني الذي بات يوقن أن له شركاء على هذه الأرض، يمكنه التعايش مع بعضهم·
5- أن الشعر الفلسطيني لم يهادن في مجال التمسك بالأرض التاريخية لفلسطين، لقد أظهر رغبة فلسطينية بالسلام والتعايش مع اليهود، ولكن دون التفريط بالأرض، ودون الاعتراف بشرعية، وأحقية الكيان اليهودي في فلسطين·
6- أن المحاولات السياسية لفك الارتباط بين الفلسطيني ومحيطه العربي قد باءت بالفشل، فقد عاد الطفل إلى أمه بعد عشرات السنوات من رحلة التيه في أحضان صراع خدّاع غير متكافئ بين قطبين؛ الأول فلسطيني والثاني إسرائيلي، لقد أدرك الفلسطينيون الحقيقة رغم جفاف التربة العربية التي لم تسمح بتمدد الجذور·
7- أن حالة الضعف والتفكك التي يعاني منها المجتمع الفلسطيني لم تؤثر على وجدان الشعراء الذي ظل متماسكاً خلف الثابت، نافضاً يده من المتغير، وظل متشبثاً بالأرض رافضاً الهزيمة السياسية رغم الواقع المزري، يتعلق على حبل الأمل وهو يتألق مع غدٍ أكثر إشراقاً، على عكس الشعراء اليهود الذين جبلت قصائدهم بالخوف من المستقبل، وغلبت على أشعارهم بشكل عام روح التشاؤم، رغم ما هم عليه من انتصار سياسي، ورغد عيش، وسطوة اقتصادية·
8- أن الشعراء اليهود قد أظهروا صراحة في التطرق للواقع، وتناولوه بالنقد والتشريح، وبدت المسافة بين الوجدان وآلية التعبير عنه متطابقة إلى حد ما، وهذا يختلف عن الشعراء العرب الذين تناثروا على المسافة الشاسعة بين الوجدان والواقع، فبدت القصائد غارقة في الحلم، يحوّم معظمها في البعيد، وإن حطّت على مكمن الضعف سرعان ما تفرُّ في وجل، باستثناء بعض الشعراء الذين تجلت مهارتهم الفنية في تكثيف الانتقاد، وفضح الممارسات السياسية والسلوكية الخطأ·
9- يعتبر الشعر الفلسطيني ممثلاً شرعياً وحيداً للوجدان العربي الفلسطيني، فهو ينتع الدلاء مما يعتمل في جوف الشعب، ويضمخ القصائد بمعاناة الأجيال المتعاقبة، ويضخ على الحروف إرادة أمة، وينزع عن الكلمات صدأ التراكمات·
10- أن التفجع والتوجع والتذمر والتشكي سمة غلبت على أشعار اليهود والفلسطينيين العرب على حد سواء، وبات التراشق بالدموع مكملاً للتراشق بالطلقات·
11- أن التشكيل الفني للشعر اليهودي لا يعكس الواقع فحسب، بل يستند الى التراث الأدبي لأسفار العهد القديم( التناخ)، وهذا ما يتطابق مع التشكيلات الفنية للشعر الفلسطيني الذي يرتبط بالمتوارث من المخزون الأدبي والثقافي العربي·
12- أن أكثر من سبعين شاعراً يهودياً وشاعرة شاركوا معي في هذه الدراسة، وأكثر من خمسين شاعراً عربياً، وفي ذلك إشارة إلى إن زيادة عدد شعراء اليهود لا يعني اهتماماً بالغاً من اليهود بواقع الحياة السياسية، وملاحقة المستجد من أحداث، وإنما هو انصباب من طرف اليهود على التعبير عما يشغل بالهم، ويعكس انكباب اليهود على ربط مصيرهم بالأحداث الميدانية على الأرض، وكيفية تطورها، ويعكس مدى تغلغل النفوذ السياسي في حياة الأفراد·
13- الله وحده يعرف إلى أين سيفضي هذا الصراع، وإلى أين سيمتد؟ ومتى سيشتعل وتتأجج ناره، وكم سيحرق من الأخضر واليابس؟ وكم سيخلف وراءه من دمار ورماد؟!!!·

اقرأ أيضا