الاتحاد

دنيا

ختام أبو عوض الحياة أجمل ما في الوجود


عمان ـ توفيق عابد:
لا شيء يكسر أحلامهم ولا جلل مهما كان يخدش إرادتهم أو يشل قدراتهم، هم قناديل يضيؤون حياتنا ونماذج تنير دربنا، وضعهم صعب جدا لكنهم يمشون على جراحهم ويحققون ما عجز عنه الأسوياء ويضعون بصمة في مشوار حياتهم نذكرهم بها عندما تهب رياح الذكريات؛ ابتلاهم الله تعالى بالإعاقة لكنه عوضهم بما هو أكبر وأعظم·
ختام أبو عوض 30عاما واحدة من هؤلاء لها قصة كفاح جديرة بالتسجيل·· فلم يحولها شلل الأطفال الى صبية تلطم خدها بل ساقت إعاقتها أمامها بشجاعة الى درجة الجنون فهي عاشقة للحياة الى حد الذوبان، نقية كينبوع فرات·· هدير الإرادة يجلجل داخلها كرعد يدفعها الى مقاومة الواقع والتمرد عليه حتى الانتصار·
قالت لـ 'دنيا الاتحاد' في دردشة سريعة سبقت المقابلة الصحفية: 'صدري يتحدى وعندما أمسك مضرب تنس الطاولة ترمي يدي كالبندقية السريعة؛ وبالرغم من ألم وحزن شديدين في أعماقي أرى الحياة زاهرة·· أملك ابتسامة الذي يعرف أنه آخر من سيضحك ولن أسمح أن ينزلق قلبي وعقلي الى حافة اليأس··أنا مفعمة بالحب والغضب أمشي وجبيني إلى العلا، ودائما هناك ما يستحق الحياة كما قال الشاعر محمود درويش'·
؟ ماذا حصل معك بالضبط حتى وجدت نفسك مقعدة على كرسي متحرك؟
؟؟ أصبت بشلل الأطفال وأنا في السنة الثانية من العمر رغم أنني تناولت المطعوم في مواقيته المحددة لكن يبدو أن المطعوم لم يكن صالحا وعندما راجعت الطبيب بسبب ارتفاع كبير في درجة الحرارة لم يكتشف حقيقة إصابتي بل حقنني بمضاد حيوي زاد الطين بلة·
وفجأة وأثناء وجودي في البيت ألهو والعب سقطت على الأرض ولم أستطع الوقوف على رجلي؛ هنا ثار أبي وأمي وغضبا بشدة واصطحباني الى نفس الطبيب وقالا له بلهجة حادة 'رجعها زي ما كانت'· ومنذ تلك اللحظة بدأ مشواري مع الألم والمعاناة جراء الإعاقة·
لم يتفرج والدي على ما حدث وهما يشاهدان طفلتهما تفترش الأرض ولا تستطيع الوقوف، ولم يتركا طبيبا في الأردن الا وراجعاه من أجلي لكن دون فائدة فقد وقع المحظور وأصبحت ضحية شلل الأطفال اللعين·
إعاقة وأمية
لا أجد حرجا في القول أنني وحتى الثانية عشرة من عمري لم أملك كرسيا متحركا ولهذا عانيت من الأمية حتى هذا العمر·· كان الوضع صعبا وأنا أشاهد بنات الجيران ممن هن في مثل سنوات عمري وهن يذهبن الى المدرسة في الصباح ويعدن في المساء يذاكرن دروسهن وأسمع آباءهن يطلبون منهن الانتباه والتركيز في الدراسة وتبوأ مراكز متقدمة في دراستهن وأنا حبيسة المنزل أتفحص الجدران والمرآة أحيانا وأراقب ذهابهن وعودتهن فرادى وجماعات·
كان أطفال حارتنا يلهون؛ يتمازحون، يتدافعون، يسقطون على الأرض ويخرج الآباء والأمهات يتساءلون وأحيانا يشتبكون مع الجيران دفاعا عن أبنائهم، وأنا أرقب المنظر من شباك شقتنا بعيون حزينة تبللها دمعة صامتة وقلب ينفطر ألما بصمت بعيدا عن العيون، إلى أن قام زوج شقيقتي زياد صافي - الذي أحمل له امتناناً تعجز الكلمات عن وصفه - بشراء كرسي متحرك لي كهدية، وكان أول ما فعلته حتى قبل أن أتدرب عليه هو خروجي الى الحارة حتى أتحرر من الجدران وأتفحص وجوه الناس وأتعرف على الأمكنة فقد كتب عليّ أن أكون جليسة المنزل لا أغادره ألا بصحبة الأهل في زياراتهم العائلية·
لم أدخل المدرسة حتى الثانية عشرة من عمري، وقاومت رغبتي في الالتحاق بأقرب مدرسة لأنني كنت أكبر سنا من زميلاتي وكان هذا الوضع يحرجني، إذ كيف أجلس مع فتيات في السادسة من عمرهن؟ لقد كنت أمام فارق زمني لم أدر كيف أتكيف معه أو أنسجم معهن·
لكنني لم أخجل من إعاقتي أبداً، فهي ليست مسؤوليتي على الإطلاق فهذا نصيبي من الدنيا ومكتوب لي من الله تعالى، وكما يقولون 'المكتوب ع الجبين لازم تشوفه العين' فليس بمقدور أي إنسان الفرار من قدره· لهذا كانت شقيقتي 'رضا' تصحبني الى السوق وفي زياراتها حتى أتعرف على الناس وأشق عزلتي وأتمرد على وضعي الصعب وأتمتع بالحياة أسوة بالآخرين، وخلال إحدى الجولات في السوق اقتربت مني شابة جميلة ممشوقة القوام وقالت ليّ: هل أنت عضو في النادي الوطني؟ أجبتها: لا· فقالت: أحضري وجربي وسوف تستفيدين وقد يكون لك شأن في المستقبل·
أجمل الصدف
الصدفة وحدها قادتني الى النادي الوطني للمعاقين في الزرقاء ومن هناك كتبت فصول جديدة في حياتي التي لم أخطط لها لوقوعي تحت وطأة شلل الأطفال الذي أحدث ما يشبه الزلزال في أسرتي المحافظة، وتخلصت من إلحاح الأسئلة التي كانت تطرق عقلي بقوة على الدوام وخاصة 'تناولت المطعوم فكيف أصبت بالمرض؟ أنا ضحية من بالضبط؟ ولماذا لم تفحص الجهة الطبية الطعومات قبل إعطائها للأطفال؟
سارعت الى التسجيل في برنامج محو الأمية في النادي حتى أعوض ما فات فالعلم سلاح ورصيد لا ينضب في مستقبل يلفه الغموض؛ ولا أبالغ اذا قلت أنني وجدت هناك اهتماما ورعاية بدنية ونفسية كانتا لي خير عون في اجتياز مصاعب كثيرة وإنهاء المرحلة الإلزامية بتفوق لأنتقل الى مدرسة حكومية في الصف السابع وأكمل حتى حصلت على الثانوية العامة بمعدل85% ثم واصلت مشواري الأكاديمي في الجامعة الأردنية حيث نلت درجة البكالويوس في التربية الخاصة·
طموحي لم يتوقف فالآمال تكبر مع الأيام والآفاق تتسع فقد انضممت كهاوية الى فريق السيدات في تنس الطاولة بالنادي الوطني للمعاقين تحت رعاية المدربة 'هيفاء' في بداية مشواري الرياضي واستطعت مع مواصلة التدريب والمثابرة الفوز ببطولة الأردن عام ·1990
وأحب هنا التنويه الى الدور الفاعل والمحفز الذي قام المدرب 'محمد أبو فرحه' في صقل موهبتي ومساعدتي في تحقيق إنجازاتي الرياضية على وجه الخصوص، فقد استطاع خلق لاعبات جيدات قادرات على الصمود والمنافسة·
لست مغرورة
؟ أنت نجمة رياضية مشهورة خاصة في الأردن·· ترى ماذا أعطتك الشهرة؟
؟؟ أقول بكل تواضع أن سجلي الرياضي 'تنس الطاولة' مرصع بالإنجازات فقد رفعت اسم بلدي في محافل عربية ودولية لكن أهم شيء فزت به هو ثقتي بنفسي فلم أعد مهزوزة بفعل شلل الأطفال بل تضاعفت ثقتي بنفسي وترسخت؛ لكنني أود التأكيد من ناحية شخصية على أنه كلما ازدادت ثقتي بنفسي ازددت تواضعا وهذا ما تعرفه زميلاتي وكل من تعامل معي لأن الغرور بالنسبة للرياضي مشكلة كبيرة تقود الى الانهيار والسقوط قبل الأوان·
اللاعب اذا أصيب بداء الغرور والعجرفة أو استهان بخصمه فلا مصير له الا الهزيمة والاعتزال قبل موعده وبالنسبة لي لا أستهين بمن يقف في الجهة المقابلة بل أضع نصب عيني اكتشاف نقاط الضعف لديه وتحقيق الفوز في نهاية المنافسة·
؟ الحياة أخذ وعطاء·· فماذا أخذت منك النجومية؟
؟؟ هذا صحيح فالحياة اذا أعطتك فهي تأخذ منك في الوقت ذاته، وإذا حصلت على شيء فأنك تعطي في المقابل ولهذا أقول: لقد سرقت النجومية وقتي فلم أستطع أن أودع شقيقتي عندما سافرت الى دبي لأنني كنت في معسكر تدريبي·
كما أنني تركت عملي كمحاسبة في محل تجاري من أجل 'عيون الرياضة' لأنه تعارض مع مواعيد وبرامج التدريب والتأهيل وأنا الآن عاطلة عن العمل وأعيش على المكافآت· وإذا أردت المزيد ' قالتها مازحة' أعاني الآن من ' أنيميا حادة ' أي فقر دم شديد لأنني أتناول وجبة غذائية واحدة في اليوم فالتدريب متواصل حتى أحافظ على لياقة بدنية عالية واكتسب مهارات جديدة في تنس الطاولة·
أمي أولا
؟ لكل إنسان قدوة·· ترك بصمة في حياته فمن احتل هذه المكانة لك شخصيا؟
؟؟ كل شخص أثر على حياتي من زاوية معينة فمن بين أهلي احتلت أمي المرتبة الأولى فقد وقفت الى جانبي في السراء والضراء وكانت خير عون لي ولإخوتي الثمانية لأن والدي يعيش في كندا منذ 14 عاما؛ والدتي ربتنا وأوصلتنا الى مراكز متقدمة تعليميا وضحَّت من أجلنا بلا حدود·
؟ كيف تقيمين مشوارك الرياضي·· فالنجومية لها ثمن أيضا؟
؟؟ أستطيع القول دون مبالغة أن الرياضة أصعب مجتمع يمكن أن يتواجد فيه الإنسان فهناك الغيرة والمنافسة 'والضرب تحت الحزام أحيانا' وشخصيا لا أعرف لماذا ينقم عليّ زملائي· لست مغرورة على الإطلاق ولكن في مجتمع الرياضة توضع الحواجز أمام الناجحين والفاشلون يعلقون أخطاءهم على شماعة الآخرين وأحيانا لا أدري ماذا يحدث بالضبط! كما أنني لست أنانية في اللعب 'اتفشخر' على من دوني مستوى وحتى مدرب منتخب المعاقين هارون الشلتوني يقول لي على الدوام: 'أنت تفيدي وتستفيدي' مهاراتك عالية وتتقدمين باستمرار·
؟ والآن بماذا تحلمين بعد الإنجازات الرياضية والنجومية التي تحققت؟
؟؟ ضحكت قبل أن تجيب قائلة: عيوني على اولمبياد بكين 2008 واخطط للفوز بميدالية ذهبية اسعد بها سمو الأمير رعد بن زيد الذي يعتبر الأب الروحي لمعوقي الأردن يرعاهم ويجهد من أجلهم ويقدم لهم كل مستطاع معنويا وماديا·
وعندي حلم آخر هو أن ترتاح أمي بطريقة معينة فقد ضحت وجاهدت كثيرا من اجلنا وتستحق لقب الأم المثالية بجدارة ولا ندري ماذا أفعل من أجل سعادتها وإسعادها· أريد ان افعل شيئا من اجلها· أمي عماد بيتنا وأتمنى أن يبقى مرفوعا، وهي كل ما لديَّ في هذه الدنيا·
؟ ماذا تقولين للفئة الاقل حظا في المجتمع·· هل من كلمة؟
؟؟ الإعاقة ليست عيبا نخجل منه وإذا أخذ الله تعالى شيئا فهو يمنحنا أشياء كثيرة فقد أعطانا إرادة قوية نتغلب فيها على عجزنا ونحقق ما عجز عنه الأسوياء· الحياة صعبة لكن الدنيا مليئة بالفرص وما علينا سوى البحث عنها؛ ولن نحقق أي إنجاز ونحن جالسون في البيت نندب حظنا وواقعنا وننتظر المساعدة من الآخرين وعلينا القتال في كل المواقع·
ومن وجهة نظري فان الرياضة في المجتمع الأردني وخارجه هي المجال الأكثر انفتاحا أمام المعوقين ومن خلالها يستطيعون تحقيق أحلامهم وتطلعاتهم واثبات وجودهم فقد عرفني الناس عن طريق الرياضة وحققت بجدارة واستحقاق ما عجز عنه الأسوياء·
وأحب أن اختتم حديثي بالقول: أحيانا أشعر بالحزن فرغم أنني فزت بـ '30 ' ميدالية رياضية مختلفة فلدي إحساس بالظلم فقد خسرت أناسا لهم 'معزة ' خاصة في قلبي ولو كنت أعرف السبب لذهبت واعتذرت لهم عن هفوة لم ارتكبها ولكنهم يعتقدون أنني وقعت بها·

اقرأ أيضا