الأحد 25 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

فيزياء الصدمة

فيزياء الصدمة
7 فبراير 2019 02:01

انشغل الدرس الفلسفي الغربي، بظاهرة الإرهاب خلال السنوات الأخيرة. وتعددت الخلاصات الناتجة منه وعنه، خصوصاً لناحية الحفر عن الجذور أو تتبع المآلات. هنا مقاربة سريعة، يقدمها الدكتور محمد سبيلا، للتناول النظري لموضوعة الإرهاب، لعديد من الفلاسفة الغربيين.

كان كتاب «صراع الحضارات» لصمويل هنتنجتون هو أول وأكبر منظور فكري، كان بالإمكان تفسير حدث كبير كالحادي عشر من سبتمبر من خلاله.
هذه الأحداث من منظور هنتنجتون، تندرج في سياق صراع الحضارات الغربية مع الحضارة الإسلامية وبالتالي فإن أحداث سبتمبر هي إحدى أكبر معالم هذا الصدام.
التدخل الفكري اللاحق والمتميز هو مساهمة المفكر الفرنسي أوليفييه روا (O.ROY) الذي انتقد التفسير الأحادي للأحداث (نموذج هنتنجتون) ودافع عن وجود شبكة أو سلَّة عِليّة (العين مكسورة والياء مشددة مفتوحة) (Faisceau causal) قوامها مجموعات عليّة مستقلة ومتفاعلة في نفس الوقت:
ـ رد فعل ثقافي لمجموعات سياسية تستغل الثقافة الإسلامية في أوجهها الراديكالية، وهي ليست هي الإسلام في ذاته.
ـ ردود فعل سياسية ضد السياسة الأميركية في الشرق الأوسط مما يعني رفض مظاهر الهيمنة السياسية للغرب عامة ولأمريكا خاصة، والتي يطلق عليها رفض الإمبريالية في وجهيها السياسي والاقتصادي.
هذه السلة العليّة الدلالية تتشابك فيها مجموعات دلالية ثقافية ذات بعد ديني، يمكن جرها إلى مدلولات ميتافيزيقية قصوى وتأويلها كمحور للشر كما فعلت الإدارة الأميركية، هذا إضافة لمفاعيل سياسية واقتصادية.

ظاهرة تاريخية
تدخل أوليفييه روا يقود في اتجاه القول بأن أحداث سبتمبر ليس مولّدها المباشر هو الإسلام في حد ذاته وليس هو البعد الجغرافي (الشرق الأوسط وأزماته المتلاحقة) ولا الجذر الميتافيزيقي (الشر مقابل الخير)، بل هو التفاعل العيني والميداني لعناصر هذه السلة من العوامل، التي تعكس تعقد وتشابك ظاهرة تاريخية كبرى مركبة كأحداث 11 سبتمبر.
في مرحلة لاحقة ظهرت في الساحة الثقافية تأويلات فكرية ذات ملمح أحادي في ظاهرها لكنها تعددية وتفرعية في تفاصيلها، نذكر منها تأويلات الألسني الأميركي ناعوم تشومسكي الذي يرجع سبب أحداث سبتمبر إلى عامل الإمبريالية الأميركية بالمعنى الواسع للمصطلح، معتبراً أن الإرهاب هو سلاح الفقراء في مواجهة الدول القوية التي تفرض هيمنة شاملة على الدول الضعيفة. كما نذكر هنا اعتماداً على دراسة O. Dekens في كتابه «فلسفة الأحوال الراهنة»، اسم باحث فرنسي متخصص في الحضارة الإسلامية، وهو أحد أول من استعمل وربما ابتدع مصطلح «الإسلام السياسي» وهو Bruno Etienne الذي يرجع (في كتابه: «عشّاق يوم القيامة») هذه الأحداث إلى ما يسميه الاحتجاجات المضادة للحداثة والذي يركز فيه على المعطى الثقافي في امتزاجه بالتصورات والخطط السياسية. وبذلك فهو يرى أن الإسلام في حد ذاته ليس هو سبب الأحداث مما ينزع عن العالم الغربي أية حجة في مواجهة الإسلام عسكرياً.
الموجات اللاحقة من التحليلات ذات النكهة الفلسفية لظاهرة الإرهاب في شكله الحالي مثلها كل من بودريار وديريدا.
كان تدخل الفيلسوف الفرنسي جان بودريار من المساهمات الأولى في محاولة فهم هذا الحدث الإرهابي ذي الأبعاد والأصداء الكونية.

قراءة رمزية
يقدم بودريار قراءة رمزية، وربما ذات ملامح ميتافيزيقية (بالمعنى الحرفي) لأحداث 2001. عناصر هذه القراءة الرمزية تتمثل في أنها ضرب ـ بأقل مجهود وبأقصى مفعول ـ صورة مجتمع عن نفسه، بل رمزيته عن ذاته: مجتمع التفوّق والحرية، والإشباع، والقوة، حيث يقضي السحر الأسود (الإرهاب) على السحر الأبيض (الذي تعبر عنه الصورة السينمائية).
صورة الحدث وصداه يفوقان كثيراً وقائعيته الفيزيائية والكيميائية بكثير. وهذه الأصداء الرمزية من حيث آثارها النفسية والدلالية هي معطيات لا يمكن قياسها أو التحكم فيها، ولا تفيد لا الحرب ولا القمع السياسي في مواجهتها والحد منها.
المساهمات الفكرية التي قدمها بودريار هي مساهمات تركز على تحليل دلالات ومعاني وأبعاد الفعل الإرهابي نفسه، لكنها لا تحسم بصدد أسبابه ودوافعه، وإن كان بودريار يكاد يحمّل الغرب نفسه جزءاً من المسؤولية لأن معظم الإرهابيين تعلموا في الغرب وتعرفوا عليه واستعملوا أدواته رداً على عدوانيته نفسها، وكأن الغرب يرتد على ذاته.
أما ديريدا Derrida فيقدم قراءة لا تتعارض مع القراءة السابقة حيث يركز على أن الحدث الإرهابي هو حدث راضّ أو صادم Traumatisant بمعنى أنه حدث يضر بالبنية الكلية للمجتمع ويخلخلها. إحدى سماته الأساسية أنه ليس فقط حدثا آنيا أو ظرفيا، بل هو حدث قادم باستمرار من المستقبل. فقادمه أخطر من ماضيه وأكثر هولا. لأن مفعوله طويل المدى. ما وقع هو نموذج لما سيقع والصدمة الفيزيائية الأولى ستتلوها صدمات وهجمات بكتيرية أو كيميائية وإعلامية ونفسية...
إنه هجوم لا يطال الماديات فحسب بل يطال المنطق والرؤية وطرائق الفهم والتفسير والتخطيط، بل يطال المناعة الذاتية نفسها. فهو رعب مفتوح على المستقبل، على شكل تهديد مستمر.
وتتطلب هذه الرؤية القيام أولاً بتفكيك المنظومة الدلالية المتداولة ذهنياً وإعلامياً ونخل المفاهيم الكبرى التي يتداولها المعجم السياسي والإعلامي الجاري: مفاهيم الحرب، والدولة، والسياسة والحدث...

رجع الصدى
عبر ثنايا هذا التحليل الفلسفي ترد إشارة شبه عابرة إلى العنف الاستعماري، وهي المقولة التي ستكون حاضرة بقوة لدى الجيل الفلسفي اللاحق: آلان باديو (Badiou) (بخلفيته الماركسية) وميشال أونفراي (M.Onfray) بخلفيته الفكرية الليبرالية التحررية.
يذهب آلان باديو بالخصوص إلى حد اعتبار الإرهاب الأصولي رجع صدى أو من متلاشيات «إرهاب الدولة الاستعماري» أولاً والإمبريالية ثانياً.
تتميز تحليلات باديو بإرجاع أصول الإرهاب إلى الغرب ذاته. فالإرهاب بهذا المعنى هو جباية أو حصاد للعنف الاستعماري والإمبريالي. وهو عنف لم يتبخر بل تغيرت ملامحه وطلاءاته كما هو الأمر الآن في العولمة التي هي القناع الجديد للرأسمالية.
فالشر التاريخي الذي يضرب الغرب اليوم هو أذى/‏‏‏‏ ألم/‏‏‏‏ شر (Le mal) ينحدر من بعيد، بل مما هو أبعد من الهجرة أو الإسلام أو الشرق الأوسط المدمر أو من إفريقيا المنهوبة... من جهة هو يعود إلى الانهزام التاريخي الفظيع لليوتوبيا الاشتراكية لكن جذوره الأبعد هي العنف الاستعماري والإمبريالي الأوروبي والأميركي.
ويذهب باديو إلى القول بأن داعش هو جزء من البطانة الداخلية لبنية الرأسمالية المعولمة، لأنه على الأقل شركة تجارية تبيع النفط والتحف الفنية والقطن...، كما يذهب إلى حد القول بأن الإرهاب الأصولي هو شكل من أشكال الفاشية المعاصرة المقاومة بشكل فوضوي لهيمنة الرأسمالية والإمبريالية يشكل الدين فيها، وبجودة عالية، صلصة هوياتية للمنتوج الإرهابي.
ليس الإرهاب في منظور باديو الذي هو منظور ماركسي محيَّن، ليس فقط وربما ليس نتاجاً لصراع الثقافات ورد فعل ضد هيمنة الغرب على كافة المستويات بما فيها المستوى الثقافي؛ وليس منتوجا يندرج في إطار الصراع الجيوسياسي (ديريدا إلى حد ما)؛ بل هو أساساً، فعل ناتج عن صراع الرأسمالية المعولمة مع الأطراف الأخرى وربما مع بقية العالم والذي استعر بعد انهيار النموذج الاشتراكي.
تشكل هذه التحليلات الحد الأقصى للوعي التاريخي الغربي، مبطنة بشحنة قوية من النقد الذاتي، بل الاتهام الذاتي، ومتشحة ببعض الغائية في التفسير مع الحرص على التمييز بين مستوى التفسير العلّي (الحزمة أو السلة العليّة) والتأويل الدلالي الغائي، حيث تعتبر الإرهاب ذا الجذور الأصولية احتجاجاً دموياً إما:
ـ ضد الغرب كاستعمار
ـ أو ضد الغرب كإمبريالية
ـ أو ضد الغرب كرأسمالية كوكبية شرسة (تشومسكي/‏‏‏‏ آلان باديو)
ـ أو ضد روح الغرب (الحداثة)
فالوعي التاريخي النقدي يقود إلى الاعتراف وإلى مساءلة الذات، في حين يتوقف الوعي التاريخي التطابقي عند حد الإنكار وتمجيد الذات.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©