صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

خريف رامبو

إذا كانت إليزابيث فورستر (1846 - 1935) قد رافقت شقيقها فريدريش نيتشه حتى وفاته في الخامس والعشرين من شهر أغسطس سنة 1900، فإن إيزابيل رامبو (1860 - 1917)، شقيقة الشاعر الفرنسي الصغرى، ومن ذي قبل، كانت هي الأخرى عاشت اللحظات الأخيرة لعلاج واحتضار أخيها ووفاته في الساعة العاشرة من صباح العاشر من نوفمبر سنة 1891.
وإذا كانت علاقة نيتشه بأخته الكبرى إليزابيث قد توضَّحت معالمها عبر ما قيل وكُتب عنها وفيها، فإن علاقة إيزابيل بأخيها الأكبر آرثر رامبو (1854 - 1891) بقيت تفاصيلها متأخرة بالنسبة للقارئ العربي حتى أتحفنا المترجم العراقي (كامل عويد العامري) بترجمة نصوص مقتضبة فريدة كتبتها ابتداء من سنة 1892 إيزابيل نفسها في مدينة روش الفرنسية عن أخيها، وقد رحل عن عمر ناهز السابعة والثلاثين عاماً حمل عنوان (شقيقي آرثر)، كانت النسخة الفرنسية منه قد صدرت تحت عنوان (‏Mon frère Arthur) ?في ?باريس ?عام ?1920، ?بينما ?صدرت ?الترجمة ?العربية ?عن ?مؤسسة ?بدور ?التركي ?للتنمية ?الثقافية ?بالقاهرة ?2016.
تكشف هذه الترجمة عن الأيام الأخيرة التي عاشها رامبو وهو في طريقه إلى الموت، كذلك تكشف عن العلاقة الرحيمة التي بنتها إيزابيل مع شقيقها الأكبر وهو يودِّع الحياة التي ملأها هذا بصخب العمل والترحال في الشرق والغرب، حتى أسره المرض الذي هدَّ جسمه ليستحيل إلى كائن بشري مقطَّع الأوصال.
لجأت إيزابيل إلى السرد بضمير المتكلِّم، وأخذت تتحدَّث عن ماضٍ مؤلم عاشته مع شقيقها وهو في أرذل قواه الجسمية والنفسية حتى تهاوى صريع النهاية، ما يعني أنها كانت تكتب عن حدث وقد مرَّ وجرى وانتهى، لكنها آثرت له الخلود ليبقى شاخصاً بوجه كل الأساطير التي قيلت بحق رامبو زوراً وبهتانا.

محبة وآلام
عندما كان في التاسعة عشرة من سنوات عمره كتب في قصيدته (وداع) قائلاً: «حل الخريف! ولكن فيم الأسف على شمس خالدة، إذا كنّا متطوِّعين لاكتشاف الضياء الإلهي بعيداً عن الناس الذين يموتون على الفصول» (ترجمة خليل خوري). إن كلاماً من هذا النوع ليوحي بأن حياة رامبو قد انتهت منذ ذلك العمر، لكنّه عاش بعذاب ومرارة في حله وترحاله حتى تواريه عن الدنيا.
وفي القصيدة نفسها كان قد قال: «أتكون المحبة أخت الموت بالنسبة لي؟». تلك المحبة التي قدمتها له أخته الأصغر في أيامه الأخيرة، والتي تقول عنها إيزابيل: «ما من يدٍ سوى هذه الكف كانت تلامسه، فهي التي تلبسه ثيابه، وتعينه على تحمّل الألم، فما من أم كان بوسعها أي شعور حي بالعناية نحو طفلها المريض.. السعادة التي ضاعت ودموعه تجري مدراراً، غزيرة، مُرة، كنتُ أحاول أن أهدئ من ألمه وحزنه، كنتُ أتأمل صامتة نزول دموعه أراها في الوقت نفسه كل يوم تحفر خديه الشاحبين وتشوه وجهه المدهش، أعنتهُ على الموت، أما هو، وقبل أن يغادرني، كان يريد أن يعلّمني السعادة الحقيقية في الحياة، لقد أعانني في موته على أن أعيش حياتي».
قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، تقول إيزابيل: «كان المرض يطوف حوله مثل زاحفة سامة فيعانقه شيئاً فشيئاً، وبشكل تدريجي، ثم يقوده، من دون أن يشعر بالكارثة في نهاية المطاف».
وفي هذا السياق، وبمجرد إلقاء نظرة على تواريخ مفصلية في حياة رامبو، سنجده بدأ يشعر بآلام مبرحة في جسده منذ شهر أغسطس سنة 1887، حيث كان «يشكو في هذه الفترة من روماتزم عصبي في فخذه اليسرى، ومن ألم مفصلي في ركبته اليسرى».
وفي سنة 1891 راح رامبو «يشكو من ألم فظيع في ركبته اليمنى، وراحت أوردته تنتفخ حول الركبة، ويومها لم يعد يستطيع السير، لقد غدا يعرج»، حتى وصل الأمر وهو في مدينة (مرسيليا) إلى بتر ساقه في الثالث والعشرين من شهر أيار. وفي الرابع من شهر تشرين الأول راحت ذراع رامبو اليمنى تتصلَّب، والذراع اليسرى تُشل، ومن ثم الفخذ اليسرى تبرد، ويأخذ بالارتعاش حتى اغترف الموت روحه بعيداً عن الحياة.
في نشيدها الرثائي الخالد المفعم بأخوة مثالية كان رامبو يحتاجها من شقيقته، كانت إيزابيل تخاطبه لتشدّ من أزره: «هيا كن شجاعاً، شد من قدراتك، اخرج من الطرق الاعتيادية المألوفة، ألم تمتلك موهبة الذكاء، موهبة القوة؟ أنت تمتلك عبقرية استثنائية».
تعود إلى البنية الواصفة لحالة شقيقها في احتضاره المروع: «كان ممدداً، ويعاني بلا هوادة على سرير آلامه المبرحة، في قعر غرفته الصغيرة بالمستشفى التي بدت مكفهرة بسبب الصالة المجاورة المبنية بالحجر والأشجار الكثيفة».

أساطير وبلدان
لقد كثرت الأساطير المسيئة حول حياة رامبو، وهي التي تحدَّث عنها المترجم كامل العامري في صدر الكتاب، لكن متن ما كتبته إيزابيل يبعد الغموض عن حياة رامبو ويبدد تهور الحاقدين عليه، فعن كرمه، مثلاً، تكتب أخته: «يا لك من طيب وكريم، لقد كان إحساسك وبرك معروفين حتى في البلاد القصية، مئة عين تترصَّد خروجك اليومي، وفي كل انعطاف طريق، ووراء كل دغل ومنحدر كل هضبة، كنتَ تلتقي بالفقراء. إلهي، يا له من عدد كبير من التعساء! هب لهذا معطفك، ولذاك صدريتك، وجواربك وحذاءك لهذا الأعرج صاحب القدمين التي تنزف دماً. وهنا آخرون! وزِّع كل ما لديك من مال جنيته من أموال، باختصار، أنت تعطي ما تملك، كل ما لديك من فائض حتى الراحة لكي تعاون كل أولئك الذين يعانون من الجوع والبرد ممن تصادفهم».
تقول عن طباعه أيضاً: «أه يا حبيبي، من كان بوسعه أن يكرهُك، فأنتَ الطيبة والمحبة، النزاهة والعدالة هما من شيمتك وجوهرك، فيك يتجسَّد السحر الذي لا يمكن وصفه، تنشر حولك، لا أعرف، أي جوِّ من السعادة؟». وتضيف: لقد «صار نقاء أدبك وخلقك أسطورة أبداً ما من فاسق اجتاز عتبتك، ولم تدخل أقدامك أي مكان للمتعة أبداً، يا لك من طيب وكريم».
وبما يشبه اللوم، تخاطب إيزابيل شقيقها الذي جاب البلدان والأصقاع والجبال: «لقد جبتَ العالم من دون أن تجد مكاناً تقيم فيه يتطابق مع خيالك، في روحك وعقلك هناك طموحات وآمال أكثر غرابة من تلك التي تقدّمها أصقاع فاتنة في هذه الدنيا».
ثم تسأله: «لماذا أحببتَ عدن هذه، أحببتها حتى وددت أن يكون قبرك فيها؟ أما هرر فامتداد لجبال الحبشة، ذات الجبال الندية، والوديان الخصبة، والمناخ المعتدل، والربيع الدائم، ولكنّها أيضاً صاحبة الريح الجافة والغدارة التي تنفذ حتى النخاع العظم».
وبما يشبه الإعجاب بتلك البطولات الرامبوية، راحت الشقيقة تسأل أيضاً: «أي سعادة، وأي متعة وأنت تشعر حراً في جولاتك من دون أن تعوقك شمس أو ريح أو مطر أو جبال ووديان وغابات وأنهار وصحارى وبحار؟».

محبة أخوية
تكشف إيزابيل عن نمط علاقتها بأخيها الأكبر، وتصفها بأنها محبة أخوية، بل هي علاقة روحية تمتد إلى الصبا: «هو ملاكي وقديسي وحبيبي ومحبوبي.. نعم كنت أفكر به كثيراً، وأعتقد أننا نحن الاثنين نمتلك الروح نفسها». وفي سفرة رامبو الأولى عام 1870 «كانت نصف روحي مبتهجة، ترحل معه بعيداً عن البيت، وكانت شهقات اليأس تفلت من صدري تشهد القسم الأكبر من روحي وقد هرب، ومنذ ذلك الحين، كنت أتابعه في كل مكان عبر العالم، في التفكير والمعاناة، من دون التغلب على إرادتي، رغماً عني، وفي الأيام السيئة، عندما كان يعاني البرد والجوع كنتُ أعاني معه وأتألم، وروحي المهمومة لم تكن تستطيع أن تستريح في أي مكان». وتضيف أيضاً: «كنتُ أسير معه في الشوارع، نجتاز الغابات والمروج». أما علاقته بها فتصفها قائلة: «كان أخي رامبو يحبني برقة، وكنتُ متعلّقة به مثل ذرة فضة يلصقها فنان رائع في قالب تمثال ضخم من الذهب».

الرحلة الأخيرة
في سنة 1896 كتبت إيزابيل في مدينة شارلفيل عن رحلة رامبو الأخيرة من مرسيليا إلى روش الريفية، ومن ثم إلى مرسيليا ثانية، وذلك بعد بتر ساقه في 23 تموز 1891. هناك في منزله الأصل حاول رامبو أن يقاوم ما تعرض له جسده لجوال مترجِّل فقد نصف قدرته على المشي، وبدلاً من أن تتحسَّن صحته فإنها «أخذت تتدهور، لم تغمض له عين.. كان الضجر المميت الذي لا يُطاق يجتاحه، فأصبح سريع الانفعال، أما مدينته روش، التي كانت تسمى أرض الذئاب، فقد كانت تثير فيه الرعب، كانت الجولات في السيارة البطيئة جداً بسيرها والمرتجة تعذبه.. كان من المستحيل أن يسير وهو يتعكز على عكازه لأن إبطه، وهو الآخر الذي أصيب بالمرض، يُكْرهه على سكون لا يُطاق».
وفي خضم ذلك، ورغم قلة كلامه، لكن صوته، تقول إيزابيل، كان «رقيقاً، بطيئاً، وهو يبتسم بنبرات جميلة أخاذة». لكنه، «وفي خلال بضعة أيام، أخذ التسمم يتضاعف، فبدأت حالات من الهلوسة، وبدأت الذاكرة تضعف ضعفاً غريباً». وكانت رغبته بالذهاب الفوري إلى مرسيليا عبر القطار قد هدَّت قواه، وهناك في (مستشفى الكلوبنسيون) تم تسجيل اسم جان رامبو ليخرج جثة منها، ويغادر هذا الشاعر المعذَّب عالم الدنيا تاركاً وراءه تراثاً شعرياً ما زالت البشرية تعتز بمقامه الإبداعي الكبير.
لقد بذل المترجم كامل العامري جهداً كبيراً في تقديم هذا النص النادر إلى القارئ العربي بترجمة وثائق الأيام الأخيرة لرامبو، وكذلك رسالة إيزابيل لوالدتها التي كانت تتحدَّث عن أيام شقيقها الأخيرة وعن ثروته وطموحاته، والتي ختمتها قائلة لأمها: «سأخلص له بعد موته مثلما كنتُ قبله».
ولعل المدهش في هذه الترجمة هو إقبال العامري على ترجمة شيء عن علاقة رامبو مع مواطنه الشاعر بول فيرلين (1844 - 1896) عبر ترجمة نتف من رسائلهما، ناهيك عن ترجمة بعض قصائد رامبو والتقديم لها.
هكذا هو عذاب ترحال الشاعر في ضياعه ومأزق ورحيله المضنى بآلام النهاية الفاجعة، ألم يقل في قصيدته (المركب السكران):

«وهكذا، فأنا مركب ضائع تحت شَعر الخلجان الصغيرة
مقذوفٌ بالإعصار
في أثير لا طير فيه»؟
مع ذلك، بقي رامبو ذلك «الغازل الأبدي للسكونات الزرقاء»، كما يقول في القصيدة نفسها.

الطريق إلى الموت
تكشف هذه الترجمة عن الأيام الأخيرة التي عاشها رامبو وهو في طريقه إلى الموت، كذلك تكشف عن العلاقة الرحيمة التي بنتها إيزابيل مع شقيقها الأكبر وهو يودِّع الحياة التي ملأها هذا بصخب العمل والترحال في الشرق والغرب حتى أسره المرض الذي هدَّ جسده ليستحيل إلى كائن بشري مقطَّع الأوصال.

لماذا أحببتَ عدن؟
بما يشبه اللوم، تخاطب إيزابيل شقيقها الذي جاب البلدان والأصقاع والجبال: «لقد جبتَ العالم من دون أن تجد مكاناً تقيم فيه يتطابق مع خيالك، في روحك وعقلك هناك طموحات وآمال أكثر غرابة من تلك التي تقدّمها أصقاع فاتنة في هذه الدنيا».
ثم تسأله: «لماذا أحببتَ عدن هذه؛ أحببتها حتى وددت أن يكون قبرك فيها؟ أما هرر فامتداد لجبال الحبشة، ذات الجبال الندية، والوديان الخصبة، والمناخ المعتدل، والربيع الدائم، ولكنّها أيضاً صاحبة الريح الجافة والغدارة التي تنفذ حتى نخاع العظم».