الاتحاد

الملحق الثقافي

بابا عزيز.. الأمير يتأمّل ذاته

يمثّل شريط «بابا عزيز، أو الأمير الذي كان يتأمّل ذاته» للمخرج التّونسيّ النّاصر خمير، خاتمة ثلاثيّة سينمائيّة لافتة، ومحطّة إبداعيّة فارقة في مسيرة السّينما التّونسيّة، بل العربيّة. وقد جاء عمل خمير في هذه الثّلاثيّة المسكونة بالهواجس نفسها، على درجة عالية من التّمام والإجادة في البناء والتّشكيل، جعلت الأشرطة الطّويلة الثلاثة لهذه الثّلاثيّة، تشكّل في النّهاية، من حيث ائتلافها وتناغمها، وحدة عضويّة تتتابع وتتداخل فيها جميع عناصر ومكوّنات هذا العمل السّينمائي السّاحر. فإن كانت هذه الثّلاثيّة - على حدّ قول المخرج - قد خُتمت بشريط «بابا عزيز»، أما كان الوقت قد أزف حينها للتّفكير في شيء ما آخر؟

اعتبر النّاصر خمير أنّ الحاليّ يكمن دائما في اللاّحاليّ ذاته، وأن الممارسة التّشكيليّة لا معنى لها دون تأمّل. فهل كان لتغيير وجهة العمل في هذه الحالة معنى يرتجى، حتّى وإن كان هذا التّغيير هو في آنٍ، مرغوبا ومثيرا للمخاوف؟ ثمّ إنّ النّاصر خمير حين كان يحتفر بشغف عنيد نفْسَ الأخدود الأنثروبولجيّ والثّقافيّ في هذه الثّلاثيّة، ألم يكن ذلك ليعرّضه لخطر المعاودة والتّكرار، ويدفع به إلى طريق مسدود؟ غير أنّ ذلك الذي كان يحتفر تلك الأرض، مطمئنّا إلى مهارته ومعرفته الفنيّة، سوف يكون مفتونا بالمومياءات التي كان يأمل في نبشها بأكاليلها وأكفانها. وينبغي لنا حقيقةً أن نتأمّل التّماثيل العملاقة التي قام النّاصر خمير بنحتها أمام بيته على شاطئ قربة، والتي عُرضت بعد ذلك في قصر خزندار بتونس، كي ندرك العشق الذي يكنّه مبدع «الهائمون في الصّحراء» لعالم الأموات المنسيّ.

نصٌّ آبق
يمنحك شريط بابا عزيز فرصة للدّوران والتّحليق عاليا، إذ هو يحتكم لنصّ آبق.. حمّال أوجه، يرفعك على جناح الرّؤيا إلى الآفاق القصيّة للتجلّي، ويجعلك ترسو على ذرى علامات استفهام.. لا تلامس اليوميّ المألوف بقدر ما تحيل على الحقائق السريّة والألغاز الكونيّة. والمُشاهد، مهما كانت جنسيّته، سوف يجد نفسه في هذا العمل مَلقيًّا لا محالة في غيابة بئر سحيقة.. هي بئر الحقيقة، فتولّد لديه تلك البئر الإحساس بضآلة وجوده في رحاب هذا الكون، وبأنّه لا يعدو كونه نجمة شاردة في عمق السّماء أو ذرّة رمل في فلاة، لا تعرف السّكون ولا الأناة. ويقبل علينا أبطال الشّريط، بابا عزيز وعُشتار، كالفراشات، تطوّف في الصّحراء ولا يعتريها الإعياء، لأنّ من تشوّف لمنازل العشق وتذوّق نعمة السّكينة واستدلّ بمشكاة البصيرة، لن تعمى عليه السّبيل ولن يطاله الإجهاد والعناء. دروايش.. غزالة.. محبّ عاشق.. فراشات.... جميعها تتناثر كالشّهب في صحراء تيهاء، لم تكن حيّزا مكانيّا، بقدر ما كانت أفقا زمانيّا، افتتحه خمير بالجُحْر واختتمه بالقبر، وما بين هذا وذاك، كان الجميع يتشوّف إلى حقيقة كينونته، أي إلى زمن الوصل.. إلى تلك الحقيقة الإكسيريّة التي تعود بالكائن إلى حيث كان قبل أن يكون.
ثمّ إنّ النّاصر خمير ليس بغريب عن عالم الكتابة، إذ بعد إخراجه شريطه الأوّل «حكاية أرض اللّه الطيّب» سنة 1972 كتب روايتين: «الغولة» التي صدرت في منتصف السّبعينات، و«ألف ليلة وليلة» التي نشرت في الثّمانينات، وقد ترجمت الرّوايتان عن مدى مهارة الرّجل في القصّ وحذقه لصياغة الخرافات، وتلك خبرة سوف تغذّي نَفَسَهُ الإبداعي عند إنجازه لثلاثيّته، فيما ساهمت معرفته بفنون الرّسم والنّحت والتّخطيط في تحويل المشاهد في الأفلام الثّلاثة إلى لوحات فنيّة بديعة، غاية في الرّشاقة والأناقة والإبهار.

إنتاج سينمائيّ متشعّب
في شريط «الهائمون في الصّحراء»، كان النّاصر خمير قد استفاد من مساهمة عبد اللّطيف بن عمّار وخاصّة لطفي العيوني، هذان المنتجان اللذان آمنا به وبذلا ما في وسعهما كي ينجز هذا الشّريط. وقد كُلّلت جهودهما بعمل عظيم وفريد. أمّا «طوق الحمامة المفقود» فقد احتاج فيه خمير إلى مروءة حسن دلدول وطارق بن عمّار ومضاء عزيمتهما، حتّى يبلغ هذا الشّريط، الذي حُبك بأيادي خبيرٍ معلّم، درجة الاكتمال ويرى النّور. على أنّ الأمر كان أكثر تعقيدا مع شريط «بابا عزيز»، فهذا الشّريط الذي تطلّب تمويله وتركيبه عشر سنوات، لم يكن لينجز لولا مساهمة أطراف عديدة، تونسيّة وإيرانيّة وألمانيّة وبلجيكيّة وسويسريّة وهولنديّة ومجريّة، ويكون النّاصر خمير بتضافر جهود كلّ تلك الأطراف قد أنجز الشّريط الذي كان يريد، طبقا للسّيناريو الأصلي.
غير أنّ تشتّت الإنتاج على ذلك النّحو لم يكن ليخلوَ من المجازفة والمخاطر، فالشّريط كما الصّحراء التي كانت تغذّيه، كان منذورا لكلّ التشعّبات الممكنة، ليكون من حيث أبعاده الوجوديّة والفلسفيّة، متعدّد التّقنيات واللّغات. ففيه.. ننصت إلى أجراس لغات شتّى مثل الفارسيّة والعربيّة، كما أنّنا ننتقل باغتباط من لغة إلى أخرى، ومن لهجة إلى لهجة ثانية مخالفة. كما أنّ الموسيقا التي تتغيّر إيقاعاتها ونغماتها، وتوجِّه شحنة المشاعر، كانت تنهل من منابع عديدة، إذ نستمع في هذا الشّريط إلى الأناشيد الإيرانيّة والباكستانيّة، إلى موسيقا القوّالي والمدائح النبويّة لسيدي بلحسن الشّاذلي أو إلى تغنٍّ صوفيّ يسرد مناقب العابدة الميمونة أمّ الزّين الجمّاليّة... وكأنّها الألوان تتباين وتتآلف في تنوّع لا نهائيّ، ألوان تتمطّى جميعها على لوحة واحدة، وتنبثق كالنّفَس النّاعم من مشكاة واحدة.
ويمتدّ ذلك التّلاقح وذلك التنوّع في اللّقاءات العابرة للقوميّات، إلى الممثّلين الذين وفدوا من آفاق عديدة: فبرفيس شامنكو ومريم حميد اللّذان أدّيا على التّوالي دور بابا عزيز، العجوز الضّرير، والصبيّة.. حفيدته ومرشدته في رحلته الطّويلة عبر الصّحراء، كانا إيرانيّين، محمّد قريّع، في دور عثمان، ذلك البائع العاميّ للأرض، الذي عثر على قصر فردوسيّ في غياهب بئر، ثمّ عبد المجيد لكحل الذي تبدّى للحظات بملامح مولع بالرّمال التي كان يحسبها حريرا، هما تونسيّان. أمّا نسيم كحلول.. المغنّي الذي كان يبحث عن الابنة الجميلة لشاعر كان قد سباها برخامة صوته، فهو جزائريّ. وفي ما يتعلّق بالممثّلين أصحاب الأدوار الثّانويّة.. ذوي الهيئات المبرقعة، فإنّه لمن الصّعب تحديد جنسيّاتهم، كما أنّه من الصّعب تمييز المواقع التي تمّ تصويرها في تونس عن تلك التي تمّ تصويرها بإيران.
إنّ إزالة الحواجز التي تحدثها هذه القصّة الخياليّة، بين الجغرافيّات واللّغات والموسيقات، جاءت لتكون تعبيرا عن نزوع المتصوّفة إلى الانصهار في ما هو كليّ، وذلك بتغيير للمكان وللزّمان، تغيير يفترضه البحث عن الأبديّ واللاّمرئيّ، ولكن أيضا وبالضّرورة، تبعا للضّغوطات والتقلّبات التي افترضها إخراج الشّريط. فقد وجد النّاصر خمير نفسه مثلا مُلزما بكتابة السّيناريو بمعيّة كاتب السّيناريو الإيطاليّ الشهير تونينو غويرّا، لأنّ المنتج الألماني كان يرغب في ذلك. ولئن كان دور تونينو غويرّا في الحقيقة رمزيّا، فإنّ مثل تلك التّداخلات مهما كانت دوافعها، تكون لها دوما نتائج مغيظة ومربكة. والحال أنّ السّينمائيّ غدا في أيّامنا هذه رهين العديد من الأطراف الضّاغطة، فنراه يقف عاجزا.. ذاهلا، أمام الوقت اللاّنهائيّ الذي يفصل بين لحظة تشكّل المشروع ولحظة البداية في إنجازه. ولئن كانت السّينما التّونسيّة لا تزال تشكو إلى اليوم من التعثّر والتلكّؤ، فإنّ ذلك لا يعود إلى قلّة المواهب وندرة الملهمين، وإنّما لأنّها لا تزال تفتقر لمنتجين كبار، قادرين على المجازفة والانغمار في الإنتاج الثّقافيّ الإبداعيّ، وتحمّل ما يفترضه من أعباء.
فـ «بابا عزيز» هو إذن فيلم تونسيّ، فرنسيّ، إيرانيّ.. أو لعلّه ألمانيّ؟ فهل يكون لعلامة «فيلم تونسيّ» التي يتمّ الاستنجاد بها عند التئام المهرجانات، من معنى في ظلّ ظرفيّة إنتاج تتميّز بالانقباض وأحيانا بالإحباط. فهل يكون النّاصر خمير تونسيّا حقّا؟ حين نتأمّل شغف الرّجل بالمزج بين الأجناس وتعلّقه بحياة التّيه والتّرحال، يغدو هذا السّؤال عقيما وبلا جدوى.
ثابتا كما عهدناه وبروح نضاليّة عالية تنشد الكمال، نحن على يقين بأنّه لم يدّخر جهده حتّى لا يدع نفَسَهُ الإبداعيّ يعْلَق في تعرّجات تمويل ضئيل ومستقطر. غير أنّه من المحتمل أن يكون خمير قد صادف منتجين فطنين وأذكياء، قدّموا له من الإمكانيّات ما سمح له بتحقيق مشروعه. وعلى كلّ، فإنّ البرنامج الوحيد الذي حكم تمشّي صاحب «طوق الحمامة المفقود» هو برنامجه الخاصّ. ومهما كانت درجة التقدّم أو التأخّر في إنجاز «بابا عزيز» مقارنة بالشّريطين السّالفين، ما يستوقفنا هنا..هو كالعادة، فرادة لمسات هذا الفنّان، طبيعة تمشّيه الذي كان استثنائيّا، وتشبّثه بجوهر الموضوع.. دون اعتبار للذّوق المألوف.

الغزالة المتفلّتة الجمال
في الصّحراء.. كانت شخصيّات خمير مستغرقة في التأمّل، وتتعقّب سراب حلمٍ كانت تنشد التثبّت من حقيقته، كانت تمضي دونما كلل بحثا عن حبّ بالكاد تراءى لها، وللقيام بحجّ يجعلها تنصهر في الرّمال. وليست الصّحراء بالنّسبة للنّاصر خمير مجرّد فضاءات ومسارات، ولكنّها في اللّغة.. رموز وتجزئة استعاريّة لموضوع العطش والرّواء، كما جسّدته روائع الشّعر الجاهلي، أو قصص الانخطاف والوجد لدى المتصوّفة الدّراويش، فهي بما تولّده من إحساس بالمطلق وتثيره من حالات وجدانيّة قصوى، فضاء اليوتوبيا بامتياز، الملجأ الذي يقطع فيه الإنسان مع الشّهوة والمتع الجسديّة، ويقبل فيه بكلّيته على سبر أغوار اللاّمرئيّ. وسوف تكون الحارسة الأمينة لبابا عزيز خلال تأمّله الرّوحيّ ذاك، غزالة متفلّتة الجمال، كانت تحميه وتتحدّاه، ترافقه وتشرد منه في آن.
هناك.. كانت المصائر متعدّدة، والمفترقات وتقاطع الطّرق أيضا، أمّا القصص فهي متنوّعة ومسهبة، وكذلك هي الانعطافات والمسافات. وفي ختام الرّحلة، سوف يلتئم اجتماع الدّراويش الذي كان ينعقد كلّ ثلاثين سنة، ووحدها الصّحراء، الفريدة في رحابتها وصمتها، المقعّرة والمحدّبة، المنطوية على مكنون سرّها.. تظلّ قادرة على رسم ملامح مثل ذلك البحث الرّوحيّ، واستخلاص التوهّج الجماعيّ الذي تولّده وتشيعه في أرواح السّالكين شعابها.
ولكلّ منّا صحراؤه ومرآته. وفي الصّحراء قد يفضي البحث الزّهديّ إلى كلّ شيء ماعدا اليقين والحقائق الثّابتة. كلّ شخصيّة في «بابا عزيز» موهوبة للتّيه، لا تدري إلى أين تمضي، ولكنّها تمعن مع ذلك في السّعي إلى غاية ما، معتقدة أنّها قد تدرك ضالّتها. غير أنّه الوهم وحده، هو الذي كان يجعلها تعتقد أنّها تهيم بمفردها في الصّحراء، فيما أنّ كلّ شخصيّة ليست سوى وجها في رواق من الصّور.. يتداخل بعضها ببعض.
والتّجربة المرآويّة قد يكون لها أكثر من دلالة، ولكنّها هنا، لم تكن البتّة نرجسيّة أو عشقا للذّات. إنّها فحسب مرحلة ضروريّة من بحث مُساريّ يظلّ رغم كلّ شيء نسبيّا وجزئيّا. وجلال الدّين الرّوميّ، الذي ننصت إلى بعض أشعاره تتردّد في الشّريط، والذي يحلو للنّاصر خمير الاستشهاد به، كان قد قال في هذا الخصوص: «الحقيقة.. مرآة ألقى بها الرّحمان إلى عباده، فتشظّت، وحظي كلّ منهم بجزء منها معتقدا أنّه الكلّ». وحده بابا عزيز، العجوز الفاني، بوجه العارف الملهم، والنّبع السّلسبيل من الحكايات والأساطير، كان عارفا بأسرار تلك السّبيل. وحين أدرك قبره المحدّدَ بقطع صغيرة من الحصى، طلب من عشتار، «ملاكه الصّغير»، أن تتركه وتمضي في سبيلها برفقةَ زايد.. المغنّي العاشقِ.
وحين سئل النّاصر خمير عن سبب اختياره كعنوان فرعيّ للشريط، «الأمير الذي كان يتأمّل ذاته»، وعمّا إذا كان ذلك العنوان يحيل على نرسيس.. أجاب قائلا:
صحيح أنّ الأمير كان في حالة تأمّل وهو منحن على الماء، ولكنّه كان لا يرى وجهه كما نرسيس، لأنّ ذلك الذي يتأمّل صورته في المرآة ويتعشّقها، ليس بوسعه أن يكون محبّا. فالحقيقة أنّ الأمير كان يتأمّل ما هو لامرئيّ..أي روحه. فجميعنا يشبه الجبل الثّلجيّ، الذي لا يتجاوز الجزء المرئيّ منه أكثر من العشر، فيما يحتجب الباقي، أي الجزء المنغمر في عمق المياه، عن الأنظار. أمّا موضوع الأمير.. فقد اكتشفته في صحن بإيران، أنْجِزتْ على سطحه رسومات تعود إلى القرن الثاني عشر، وفيه نلمح أميرا منحنيا على الماء وعنوانه «الأمير الذي يتأمّل روحه»، وأحسست حينها أنّ هذا الرّسم ينطوي على شيء ما يدعوني إلى متابعته، وهذا ما جعلني أشعر أنّ التّصوير كان ولا بدّ أن يتمّ، في جزء منه على الأقلّ، في إيران. وفي النّهاية كانت الإجابة على سؤال ذلك الأمير الذي عاش في القرن الثاني عشر هي شريط «بابا عزيز»، وشاءت الصّدف أن يصوّر جزء منه في كاشان، المدينة التي عثرت فيها على ذلك الصّحن. ويدعو الشّريط من حيث بنائه المتفرّج إلى الانفلات من «أناه»، والعمل على محو تلك «الأنا» حتّى تنفتح أمامه سبل إلى حقيقة الوجود، وقد استلهم خمير في هذا السّياق الرّؤى المرويّة للدّراويش، ورقصاتهم الدّائرّيّة التي تماثل رقص الدّراويش الدوّارين. وهنا.. تتغيّر الشّخصيّات ولكنّ الموضوع يظلّ هو ذاته: الحبّ في أبعاده المطلقة، أي ذلك الحبّ الذي أشار إليه ابن عربي حين قال:

قدْ صارَ قلبي قابلاً كلَّ صورة ٍ
فمَرْعًى لغِزْلاَنٍ وديرٌ لرُهْبانِ
وبَيْتٌ لأوثانٍ وكعبة ُ طائفٍ،
وألواحُ توراة ٍ ومصحفُ قرآنِ
أدينُ بدينِ الحبِّ أنَّى توجَّهتْ
رَكائِبُهُ.. فالحُبُّ ديني وإيماني
لنا أُسْوَة ٌ في بِشْرِ هندٍ وأُخْتِهَا
وقيسٍ وليلى، ثمَّ مي وغيلانِ

صحارى ومرايا
لا تكشف الصّحراء عن سرّها إلاّ للمتجاسرين، المتعلّقة أرواحهم بالمقامات العلويّة، أي أولئك الذين هجروا الدّنيا وقبلوا التّنازل عن مباهجها الزّائلة، وسعوا بهمّة إلى التّسامي عن الأحداث العارضة، للتخفّف من مصير تربكه الاعتبارات السّياسيّة والاجتماعيّة. فـ «هوغارد»، الأمير الصّموت، كان قد أدار ظهره لسلطته ولقبيلته ليضرب فسطاطه قرب نبع ماء كان ينشد في معينه عفاءً صعب التّحقيق: أن يكتشف سرّ كينونته.
أمّا عثمان الذي كان مستكتبا لدى أمين الخزينة، فقد كسر أغلاله، وكان مظهره يتغيّر كلّما دعته حوريّات خياله. وكانت إرادته في المضيّ إلى أقصى مراده وتحدّي الموت، قد جُسِّدتْ بلقطة الفراشات الثلاث. كانت الفراشة الأولى، منبهرةً بالنّور.. تقترب من لهيب الشّعلة، فتقبس منها بعض الدّفء، ولكن دون المخاطرة والاحتكاك بها، أمّا الفراشة الثّانية، فقد احترقت أجنحتها من فرط اقترابها من الشّعلة، فلم تعد قادرة على الطّيران، وأمّا الثّالثة، فقد جمحت إلى معانقة النّور وألقت بنفسها في لهيب الشّعلة فاحترقت تماما. فالتّوق إلى المطلق لا يرتهن فحسب إلى إرادة الإنسان، وإنّما أيضا إلى الطّبيعة ومؤشراتها المدهشة. كلّ حياة، سواء كانت حياة نبتة أو حشرة أو عصفور أو كائن بشريّ.. منذورة للتّلاشي في مشهد متوهّج ومضيء. وتلك الضّرورة الكونيّة ذات الأبعاد النّسبويّة، القائمة على وحدة الوجود، كانت أحد مرتكزات التصوّف كما نظّر له واحتفى به شعرًا.. ابن عربي والعطّار والرّوميّ ومحمّد إقبال. ففي بابا عزيز، كانت العودة إلى الرّوحانيّة الإسلاميّة التي ارتكز عليها جزء هامّ من الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، أمرا متواترا وملحاحا، لأنّ الثّقافة العربيّة، التي أبدت قدرة مدهشة على المبادرة والتّأسيس، غدت اليوم مهدّدة بالتّكفين والقبر. وقد اعتمد خمير صورة استعاريّة بالغة الجلاء لبيان ذلك الواقع، ففي أحد المشاهد من الشّريط، نلمح رجلا كان يحاول جاهدا تخليص صومعة من رمال الصّحراء التي طمرتها، وما كان لافتا حقيقة في هذا المشهد هو أنّ سعي ذلك الرّجل بقدر ما كان ملحّا، كان يبدو في ذات الوقت عديم الجدوى، وكأنّ اختفاء الصّومعة وتواريها قد بات أمرا لا رجعة فيه.
وحين سئل النّاصر خمير عن سبب اختياره لموضوع التصوّف في زمننا الرّاهن، كانت له هذه الإجابة:
«قد يحلو لي استعمال الاِستعارة التّالية: إذا كنت تمشي بجوار والدك ووقع هذا الأخير فجأة على أرضٍ موحلةٍ، وتعفّر وجهه ، فما عساك تفعل حينها؟ ستساعده طبعا على النّهوض، وسوف تسارع لمسح وجهه بسترتك أو بقميصك. ووجه أبي هو الإسلام، أي الإسلام الذي عملت في هذا الشّريط على مسح ما علق بملمحه من أدران.. وتنظيفه، وذلك بلفت الاِنتباه إلى أنّ الأصل في الثقافة الإسلاميّة هو أنّها ثقافة سمحة ومعطاء، وأنّها تنضح حبّا وحكمة، فحاولت حينئذ تقديم صورة عن الإسلام مخالفة لتلك التي عملت على إشاعتها وسائل الإعلام في أجواء الهيستيريا التي خلّفتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وبالمقابل كنت أنشد من وراء ذلك، تقديم الأصوليّة وما تثيره من تطرّف دينيّ وتفرّخه من إرهاب، على أنّها لا تعدو كونها مرآة مشوّهة لقيم هذا الدّين. فهذا الفيلم هو تبعا لذلك محاولة متواضعة لتقديم الوجه الحقيقي للإسلام، وإنّي لا أرى موضوعا آخر أكثر إلحاحا في زمننا الرّاهن من الموضوع الذي يطرقه بابا عزيز، أن أمنح وجها لمئات الملايين من المسلمين الذين غالبا ما يكونون هم الضّحايا الأوائل للإرهاب الأصولي. وعلى الرّغم من أنّ هذا الفيلم يحيلنا على الإرث الصّوفيّ خاصّة، فهو لا يخلو من أبعاد سياسيّة ومن مواقف واعية. فنحن نحتاج اليوم إلى إبراز الجوانب المغيّبة في الإسلام، وإلاّ لاختنق كلّ واحد منّا من فرط تجاهله للآخر، إذ ما يخنق النّاس اليوم هو الخوف وليس الواقع.
يعيش في فرنسا اليوم قرابة خمسة ملايين من المسلمين، ولكنّهم لن يَحْظوا بحسن الوفادة حقيقة إلاّ متى اكتشف المضيّفون وجههم الحقيقي، ذلك أنّ حسن الوفادة لا يعني الاِستقبال وتوفير المعاش فحسب، وإنّما تعني أوّلا وقبل كلّ شيء الإصغاء إلى الآخر. فأنت لا تستطيع أن تستقبل أحدا ما في بيتك، فتحسن وفادته وتتجاهله في آن. فالقاعدة الأساسيّة لحسن الوفادة هي إذن إصغاء المضيف لضيفه. وقد أردت لهذا الشّريط أن يكون أيضا دعوة إلى الإصغاء والانفتاح على الآخر ليطيب بين الشّيئين المتجافيين..اللّقاء. فمشاهدة فيلم بابا عزيز، بهذا المعنى شكل من أشكال حسن الوفادة مع الجار.

سينما اليتم والضّياع
لقد أهدى النّاصر خمير هذا الشّريط إلى والده. فأيّ معنى لهذا الإهداء؟
«ما أراه الأمر الأهمّ في التّراث العربي الإسلامي، هو أنّ هذا التّراث غدا يتيما، أي أنّ الأب، سواء أكان طيّبا أم خشنا، قد مات ولم يخلّف تركة أو إرثا. فنحن في عالم يعرف، كما الصبيّة الصّغيرة عشتار، أنّه ثمّة شيء ما، ولكنّنا لا ندرك ما هو. وذلك هو تقريبا نفس الإحساس الذي ينتابني حين أذكر والدِي، لقد توفّي قبل أن تتاح لي فرصة طرح سؤال جوهريّ عليه: من أين أنا آت (ما هو أسّ الثّقافة التي أتحدّر منها)؟ وحين أتممت فيلم «بابا عزيز»، خيّل إليّ أنّني كنت في سفر مع والدي أو جدّي.. أو الاثنين معا». لقد كان هناك بناة وروّاد مبتكرون، ولكنّهم غدوا يعودون إلى عالم الأحياء هذا مثل الأشباح الشّاردة المصابة بالطّاعون، لأنّ شيئا ما قد انكسر في نقل الرّسالة المؤسّسة. ذلك هو المدار الذي تدور وفقه حكاية (الهائمون في الصّحراء). فالمعلّم الذي أرسل للتّعليم ونقل المعرفة، غدا هو الآخر أعزل ولا حيلة له، وبات متردّدا ولا مباليا، لا يدري أيّ موقف يتّخذ تجاه إرث الأسلاف. وفي شريط (طوق الحمامة المفقود)، ما كان يعود إلى الذّاكرة، هو ليست الأندلس التي توارت دون رجعة، ولكن أيضا كنوز الأدب العربيّ الكلاسّيكيّ القادرة على إنعاش السّينما، والتي قد نتغذّى منها مثلما كانت تغذّينا. لقد استطاع حمّودة بن حليمة الذي ينظُرُ إليه خمير بإعجاب، أن يكتشف في شريط (خليفة الأقرع) وبواسطة قصّة لبشير خريّف تحمل اسمه، العناصر المكوّنة لهويّة عربيّة تونسيّة مستبطنة ومتصالحة مع ذاتها. وكاتب رواية (الغولة) كان قد تابع بأسلوبه ذلك التّقليد الأدبيّ في السّينما، موسّعا ذلك التّقليد ليشمل المحيط العربي الإسلامي.
لقد فُقد كلّ شيء في (بابا عزيز)، ولكنّ كلّ شيء كان بحاجة أيضا إلى ترميم وإعادة هيكلة وبناء. فالإسلام لم يفْشَ في الأرض بصوت الرّسول والدّعاة والأئمّة فحسب، بل بفضل الدّراويش والصّالحين أيضا، أي أولئك الّذين بفقرهم وتجرّدهم وتأديبهم للجسد بالرّياضات الرّوحيّة، لعبوا دورا حاسما في ذلك الانتشار. ولئن كانت التّراتيل القرآنيّة والأناشيد الصّوفيّة تملأ أرجاء الصّحراء في (بابا عزيز)، مفترضة وجوها دائبة الحركة، دائمة التغيّر في السّماء وعلى الأرض، فذلك لأنّ الأمر حسب خمير كان دوما كذلك. (...).

الهامش والتّخوم
في حكايات النّاصر خمير، تبدو الأحداث والشّخصيّات وكأنّها تدور حول نفسها، وفق حركة مدّ وجزر دوّارة.. لا نهاية لها، داخلها نتحرّك جيئة وذهابا، انطلاقا من نقطة ثابتة ومكان تجمّع أوحد. والخطّ البياني للدّرويش، كما نشاهد ذلك في عديد اللّقطات من الشّريط، هو إمعانه في الدوران حول ذاته. وتلك هي طريقته الصارمة في تحديده للمكان والزّمان. وما يكسب سينما خمير أسباب القوّة، أنّ كتابته ومساره و ترنيمته، تحمل علامة تلك الحركة اللّولبيّة التي تنتظم بها مصائر الأشياء. فلكلّ تجميع مركّب وغير متجانس، ولكلّ جغرافيا متعدّدة الاتّجاهات، ولكلّ سَرْد مُحَلَّى بالنّجوم ومتعدّد الأصوات، لا بدّ من هندسة صائبة ومنزّهة عن الخطإ. وعلى هذا المستوى، يعتبر شريطا (الهائمون في الصّحراء) و(طوق الحمامة المفقود) من الأعمال السينمائيّة الاِستثنائيّة، التي بلغت درجة من الإجادة والتمكّن، تجعلها أفلاما بديعة رائعة، بل أيقونات متلألئة في المشهد السّينمائيّ العربي. فنحن نلمس فيها نَفْسَ العمق..في لحظات المدّ كما في لحظات السّكون والتراجع. وبالمقابل، يبدو تسلسل الأحداث في (بابا عزيز) مفتقرا إلى الِانسيابيّة والتناغم ليغدو أحيانا متقطّعا. ففي هذا الشّريط ينتابنا الإحساس بأن الحكاية تميل إلى التمطّط، وأنّ نسق السّرد فيها يفقد أحيانا خيط الرّبط، بل إنّ الشّخصيّات ذاتها كانت تتميّع في لغز مغوٍ بتراكباته وتشابكاته، المفتقرة لدقّة الرّتق الذي يجيده المخرج. أمّا الحوار، فلم يعد له نفس التّأثير الآسر الذي كان له في الشّريطين السّابقين. ففي شريط (الهائمون في الصّحراء ) كما في شريط (طوق الحمامة المفقود) كان الخطاب ينبسط ويتمدّد، منطويا على إيقاع ممتع وتأرجح سريّ للقوافي وذبذباتها، ومشحون بأصوات بالغة الفصاحة، تمنحها جوهرا آخر مختلفا عن نثر الحوار المألوف. ومن ناحية أخرى نلاحظ في (بابا عزيز) تسطّحا للخطاب، لا شكّ في أنّه لا يعود إلى تباين اللّغات واختلاف اللّهجات.
كراوٍ محنّك، غالبا ما توفّق النّاصر خمير في التّأليف بين قصصه وفق لعبة التّركيب والانتقالات التي تسمح بها القصّة، وذلك ببالغ الجدارة والإحكام، فتبدو أفلامه مَحيكة بطريقة سليمة لا عيوب في نقاط ارتكازها. ومثال ذلك، المشهد الافتتاحيّ، الذي نرى فيه من زاوية صعوديّة درويشا في حفرة.. يدور حول نفسه، وكأنّه معذّب غادر عالم الأحياء، مشهد رائع حقّا، لأنّه أعلن عن الإيقاع الدّائري الذي سوف يحكم نبض الشّريط برمّته.
كما كان اندماج عشتار وزايد في حفل الدّراويش في نهاية الشّريط أقرب إلى الفرجة الفولكلوريّة المتماهية مع إيقاع العصر. ولكن، ثمّة في نهاية الشّريط مشهد ممضّ كان من الممكن أن يشكّل خلاصة رائعة: يدفن الأمير بابا عزيز، فيرتدي ثيابه، ثمّ يمضي في سبيله.
سينما النّاصر خمير هي سينما الهامش، سينما تتموقع عند التّخوم. ففي شريطه الأوّل، الذي استغرق خمسين دقيقة، (حكاية بلاد ملك ربّي)، والذي أخرجه سنة 1975، يروي لنا النّاصر خمير حكاية رجل كان يسأل كلّ من يصادفه في الطّريق: أين تراها تكون حدود البلد المجهول؟ من المحتمل أنّ تلك (البلاد التي هي ملك ربّي) هي الوطن الأصليّ، وطن هو في آن قصيّ وقريب، مألوف وغريب، متاح ومتمنّع. وإن كان النّاصر خمير قد غادر هذا الوطن مخترقا الحدود، فذلك كي يحدّق فيه ويحاصره على نحو أفضل، وحتّى يعيد ثانية إعادة بناء خارطته المتخيّلة، عبر انعطافة طويلة.. مديدة: الثّقافة العربيّة الإسلاميّة. وبإمكاننا قراءة مجمل أعمال خمير على ضوء فيلمه الاِفتتاحيّ ذاك، وشغفه بهامش الحدود الذي لا يني يحدو به.

الإسلام الحقيقي
حين سئل النّاصر خمير عن سبب اختياره لموضوع التصوّف في زمننا الرّاهن، كانت له هذه الإجابة: «قد يحلو لي استعمال الاِستعارة التّالية: إذا كنت تمشي بجوار والدك ووقع هذا الأخير فجأة على أرضٍ موحلةٍ، وتعفّر وجهه بالطّين، فما عساك تفعل حينها؟ ستساعده طبعاً على النّهوض، وسوف تسارع لمسح وجهه بسترتك أو بقميصك. ووجه أبي هو الإسلام، أي الإسلام الذي عملت في هذا الشّريط على مسح ما علق بملمحه من أدران.. وتنظيفه، وذلك بلفت الاِنتباه إلى أنّ الأصل في الثقافة الإسلاميّة هو أنّها ثقافة سمحة ومعطاء، وأنّها تنضح حبّاً وحكمة، فحاولت حينئذ تقديم صورة عن الإسلام مخالفة لتلك التي عملت على إشاعتها وسائل الإعلام في أجواء الهيستيريا التي خلّفتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وبالمقابل كنت أنشد من وراء ذلك، تقديم الأصوليّة وما تثيره من تطرّف دينيّ وتفرّخه من إرهاب، على أنّها لا تعدو كونها مرآة مشوّهة لقيم هذا الدّين.

نفَس إبداعي
النّاصر خمير ليس غريباً عن عالم الكتابة، إذ بعد إخراجه شريطه الأوّل «حكاية أرض اللّه الطيّب» سنة 1972 كتب روايتين: «الغولة» التي صدرت في منتصف السّبعينات، و«ألف ليلة وليلة» التي نشرت في الثّمانينات، وقد ترجمت الرّوايتان مدى مهارة الرّجل في القصّ وحذقه لصياغة الخرافات، وتلك خبرة سوف تغذّي نَفَسَهُ الإبداعي عند إنجازه لثلاثيّته، فيما ساهمت معرفته بفنون الرّسم والنّحت والتّخطيط في تحويل المشاهد في الأفلام الثّلاثة إلى لوحات فنيّة بديعة، غاية في الرّشاقة والأناقة والإبهار.

أجراس التنوُّع

اقرأ أيضا