تقارير

الاتحاد

باكستان: الكهرباء توقف قطاع النسيج!

يتوسد العمال في كسل واضح أكواماً من خيوط القطن فيما أيديهم تطرد الذباب الذي يحوم حولهم، ويكتفي صاحب المكان ورب العمل، عبداللطيف، بالهرولة وهو يذرع المصنع جيئة وذهاباً بعدما توقفت آلات النسيج عن العمل وتعطل كل شيء. ويعرف مالك مصنع النسيج أن هذا التوقف ليس سوى واحد من عدة انقطاعات كهربائية ظلت تتكرر يوميّاً على مدى السنوات الأربع الأخيرة. وقد دفع هذا الوضع العديد من معامل النسيج الباكستانية إلى إغلاق أبوابها، أو بيع آلات النسيج إلى أصحاب الخردة بعدما طفح بأصحابها الكيل وفقدوا الأمل في إمكانية تحسن إمدادات الطاقة. وعلى رغم إصرار البعض على الاستمرار مثل عبداللطيف، إلا أن الانقطاعات المتكررة أجبرته على تقليص إنتاجه إلى النصف.
وعن هذه المأساة التي يعاني منها قطاع النسيج الباكستاني يقول عبداللطيف "إن الوضع سيئ للغاية، ونحن نخسر عقودنا بسبب انقطاع الكهرباء وعجزنا عن الوفاء بالتزاماتنا ولو ظل الوضع على حاله فسنكون مجبرين على إقفال أبوابنا". والحقيقة أن إحدى المشكلات الكبرى التي تواجهها باكستان لا تمت بصلة للانتحاريين، أو المسلحين الذين يلوحون بأسلحتهم ضد النظام، بل تكمن المعضلة الأساسية في عجز البلاد عن إنتاج ما يكفي من الكهرباء لتلبية احتياجات السكان البالغ عددهم 117 مليون نسمة، وهو ما يضطر الحكومة إلى قطع التيار الكهربائي لساعات طويلة خلال اليوم لتخفيف الضغط على محطات توليد الطاقة.
وتصل المشكلة إلى ذروتها خلال فصل الصيف عندما تشتد الحرارة ويرتفع الطلب على المكيفات التي تستخدم بكثافة في باكستان، وفيما عدا بعض الأحياء الحساسة ذات الطبيعة العسكرية، أو الحكومية، يعاني جل الأحياء تقريباً من انقطاعات متوالية للكهرباء تتركها في ظلام دامس وحرارة مفرطة. وبالطبع تلقي سياسة الحكومة بتقليص إمداد الكهرباء لبعض الوقت بأعباء إضافية على اقتصاد البلاد، وهو ما يكرس الصعوبات الاجتماعية مثل الفقر والبطالة ويترك الشباب العاطل نهباً للجماعات المتشددة لاستقطابه واستغلال حالة الإحباط التي يعاني منها. ولم تترك حكومة الرئيس "زرداري"، أي مجال للباكستانيين لانتظار حل قريب بعدما أعلنت أن الأمر سيستغرق من الحكومة سبع سنوات على الأقل لبناء قدرتها على إنتاج ما يكفي من الكهرباء لتلبية احتياجات السكان والاقتصاد وإنهاء حالة الانقطاعات الكهربائية المستمرة التي تشهدها أغلب المدن الباكستانية الكبرى.
وترجع مشكلة العجز الباكستاني في توليد الكهرباء إلى مجموعة عوامل أهمها فشل الحكومة في الفترة بين 1999 و2008 التي تولى فيها برويز مشرف الحكم في ضخ استثمارات كافية لتعزيز إنتاج الكهرباء وبناء محطات إضافية لتوليد الطاقة. فعلى رغم النمو الاقتصادي الذي سجلته البلاد في تلك الفترة وارتفاع الاستهلاك المحلي وما نجم عنه من إقبال الباكستانيين على الآلات الكهربائية المختلفة فقد ظلت شبكة الإنتاج والتوزيع على حالها دون توسع، ولم تواكب الازدهار الاقتصادي للسكان. ولكن هذا الاختلال بين العرض والطلب في إنتاج الكهرباء لم يدفع حكومة "زرداري" إلى الإسراع في تعزيز القدرة الإنتاجية للبلد في ظل الأزمة المالية والوقت الطويل الذي يتطلبه بناء السدود والاستفادة من الطاقة المائية وغيرها من المشاريع المولدة للطاقة.
وتضاف إلى التركة السابقة للحكومات المتلاحقة في باكستان عوامل أخرى تفسر العجز في الكهرباء مثل سرقته من قبل بعض الشركات، وعجز الحكومة عن تسديد فواتير الكهرباء للمحطات الخاصة، وهو ما يعني أن هذه المحطات لن تكون قادرة على شراء الوقود لتشغيل المولدات، ما يضطرها في بعض الأحيان إلى قطع الكهرباء عن مكاتب حكومية تدين لها بالمال.
ويبقى المتضرر الأكبر من الانقطاعات الكهربائية هو الاقتصاد الباكستاني، لاسيما قطاع النسيج الذي يحتل مكانة مهمة ضمن النشاط الاقتصادي للبلاد، فقد شهدت "فيصل آباد"، وهي ثالث أكبر مدينة باكستانية ومركز صناعة النسيج، إغلاق 200 معمل للنسيج من بين 4000 معمل موجودة في المدينة على مدى الثلاث سنوات الأخيرة بسبب ارتباك إمدادات الكهرباء غير الكافية، ويضيف "وحيد رامي"، رئيس مجلس قطاع النسيج في المدينة أن ما لا يقل عن 100 ألف عامل تم تسريحهم من القطاع، أي ما نسبته 10 في المئة من القوة العاملة في هذا القطاع.
وبالنسبة لأصحاب المعامل الذين واجهوا الإفلاس فهم يواجهون أيضاً مستقبلاً قاتماً، بسبب التضحيات التي بذلوها لإنشاء وحداتهم الإنتاجية، إذ نظراً لانعدام الثقة في البنوك غالباً ما يتحاشى الباكستانيون القروض ويلجؤون إلى بيع كل ما يملكون من ذهب ومقتنيات وعقار لتمويل مشاريعهم وعندما يتعرضون لأزمات يفقدون كل شيء دفعة واحدة. ومن هؤلاء الضحايا "مالك محمد كاشف" الذي اضطر قبل خمسة أشهر إلى إغلاق مصنعه وتسريح ثمانين عاملاً وبيع آلاته لتجار الخردة، وبكثير من الحسرة والمرارة يقول "مالك" وهو يتجول فيما بقي من مصنعه القديم "بالنسبة لي لقد انتهيت، فبإغلاق المصنع خسرت 350 ألف دولار، وهي كل ما كنت أملك".
وفي مدينة "ميانوالي" بمحافظة البنجاب تطور غضب السكان من الانقطاعات الكهربائية إلى احتجاجات عارمة جابت الشوارع ودخلت في مواجهات مع الشرطة أسفرت عن مقتل شخصين وجرح 22 آخرين، وامتد الاستياء الشعبي أيضاً إلى أكبر المدن الباكستانية، كراتشي، حيث خلفت المواجهات مع رجال الأمن أربعة قتلى مطلع شهر يونيو الماضي.

أليكس رودريجيز
باكستان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. إنترناشونال»

اقرأ أيضا