الاتحاد

الملحق الثقافي

التنميط.. القاتل الصامت

لو تأملنا في ما حولنا برهة.. لا أحد سينكر أن الفرد منا بات يشعر بالأمان أكثر عندما يكون وسط مجموعة تمنحه قوى نفسية واجتماعية بطريقة دينامية فاعلة، تُعلي من شعوره الانفعالي والحماسي ومن روحه المعنوية، وقد تساعده على زيادة ثقته بنفسه وتفجير طاقاته وإمكاناته خصوصاً في ظروف لا يستطيع فيها المجتمع استيعاب طاقته وإعطاءه الفرصة المناسبة لإظهار إمكاناته ومواهبه، وهذا ما ذكره تماماً لوين كورت (1980-1947) عندما عرّف دينامية الجماعات بأنها: مجموع القوى النفسية والاجتماعية المتعددة والمتحركة والفاعلة التي تحكم تطور الجماعة، وتتميز الجماعة بعدة خصائص كالانسجام والتلاحم، بالإضافة إلى أن عدد أفرادها يزيد على ثلاثة، فضلاً عن خاصية الولاء والانتماء من أجل تحقيق أهداف مشتركة عامة

ومن الحقائق الاجتماعية التي أجمع عليها علماء النفس أن البشر لا يميلون إلا إلى جماعة تُشبع حاجاتهم كالشعور بالانتماء والمساهمة في تحقيق تطلعات الفرد وأحلامه.
فالجماعة إذن لها خواص سيكولوجية تضمن للفرد تفاعله بطريقة إيجابية ونظامية أكثر، خصوصاً عندما تكون لهذه المجموعة قيم حيوية وأهداف واضحة ومبادئ إيجابية مع ضرورة عدم التخلي عن الثوابت وعدم إلغاء الأنا الفردية أو تجاهلها.
من ذلك نقول إن مفهوم الانتماء أشبه بالعمود الفقري وهو من أهم المفاهيم المركزية التي تحدد طبيعة علاقة الفرد بالجماعة، والأهم من ذلك هو شعور الفرد بذاته وعدم تخليه عن مبادئه الثابتة، ما دامت الجماعة تحقق حاجات الفرد فإن بإمكانها أن تؤثر على أفكاره وسلوكياته المكتسبة، فالفرد بإمكانه عن طريق انتمائه إلى الجماعة أن يكتسب ميراثاً ثقافياً يمكّنه من التفاعل إيجاباً أو سلباً مع محيطه.

استنساخ عقلي
نعم.. فعندما يكون شعار بعض الجماعات هو الانغلاق الثقافي والمعرفي والإبداعي أو السعي لخلق نسخ من القالب القدوة.. القالب الفرعون! حيث يتم صب عقول الأفراد في قالب واحد يصبح الأمر في غاية الخطورة حتى لو اختلفت الأماكن، فهناك -على سبيل المثال- التّنميط الأسري الذي يسعى إلى قولبة الأبناء بطريقة الوالد مع تنميط رؤيتهم للأشياء والأحداث والأشخاص. وهناك التنميط المؤسسي الذي يسعى فيه المدير المسؤول إلى تنميط موظفيه اعتماداً على أسلوب معيّن في الإدارة، ومن الطبيعي أن تختلف وتتباين ردود أفعال الأفراد تجاه هذا الموقف بين معارض للفكرة ومؤيد لها دون الخوض في المبررات، ومحايد يرفض هذه الأساليب لكنه لا يتجرأ لإظهار شخصيته بحجة أن خروجه عن قالب تلك المجموعة سيجعله شاذاً.
إذن فالتفكير النمطي هو التفكير الذي يتّبعه الأشخاص اعتماداً على الأفكار الجاهزة المقولبة (ويمكن إرجاع هذا التفكير إلى الموروث من العادات والتقاليد أو الأفكار المعرفية والثقافية المكتسبة والمتأثرة بالخلفيات الأيديولوجية).. يقابله التفكير اللا نمطي أو التفكير الإبداعي الذي يعتمد على النشاط العقل، المركب، الهادف، الذي توجّهه رغبة قوية في البحث عن السلوك أو التوصل إلى نواتج أصلية لم تكن معروفة سابقاً.
عندما يتردد تعبير التفكير الإبداعي أو الإبداع على مسامعنا يتبادر إلى أذهاننا مباشرة أن هناك إنجازاً خارقاً، وهذا ليس بالضرورة أن يكون صحيحاً، لأننا نعلم أن الإبداع أنواع ومستويات مختلفة: (كالإبداع الابتكاري الذي يعتمد على استخدام مواد مختلفة -قد تكون مألوفة- لإيجاد منتج جديد، والإبداع التعبيري الذي يقوم على تطوير فكرة أو نواتج فريدة بغض النظر عن نوعيتها أو جودتها كما في رسومات الأطفال العفوية التي تعبر عن شخصيتهم المستقلة، والإبداع المنتج وهو البراعة في التوصل إلى نواتج مقصودة -دون عفوية- مثل تطوير آلة موسيقية... وغيرها من الإبداعات كالإبداع التجديدي والإبداع التخيّلي وهو نادر الحدوث ويُقصد به التوصل إلى مبدأ أو نظرية أو فرضية جديدة.
نحن -لا شعورياً- نولّد القناعات داخلنا ونضخّمها بتتبعنا الحرفي لها لدرجة إلغاء الذات، أنا لا أنكر أهمية التفكير النّمطي في بعض الحالات كحالة التّعلم، فعلى سبيل المثال الطبيب يتّبع تفكيراً نمطياً في تشخيصه لحالات المرضى بغرض التوصل إلى العلاج المناسب لكل حالة، والميكانيكي يتبع تفكيراً نمطياً لحل مشكلة في السيارة، والكاتب يتبع تفكيراً نمطياً لعرض موضوعه، فالنّمطية في التفكير حالة أساسية مهمة وغير معيبة خصوصاً في الأمور العلمية، متى تصبح خطرة؟ عندما تتحوّل إلى قوالب تُرَوَّج عن طريقها الأفكار والعقول، أحياناً يجد البعض منا نفسه مضطراً إلى الوجود والعمل في بيئة تتبع نظام القوالب المستنسخَة، ذلك أن القالب الأكبر لا يزال موجوداً ولا يسمح بالخروج عن تلك النمطية، هنا يجب علينا أن نتحصّن لمواجهة كل سيئ مُقولب يعرض باسم التجديد ومواكبة العصر والتطور تحت مظلة التلقين الثقافي بعيداً عن العمق، فالمعيار الأساس لأمثال هؤلاء والهدف المنشود هو تشكيل أفراد لا يبحثون ولا يحلّلون ولا يناقشون ولا يعرفون سوى السّمع والطاعة الدائمة.

ثقافة قطيعيّة
إن عملية التنميط والقولبة تسهم وبشكل مباشر في تهميش خاصية التفكير بصورة كاملة أو جزئية تصل إلى المستوى الثقافي المنغلق لدى الأفراد، فلا تثني على التفكير الحر والنقد البنّاء ولا تؤمن بثقافة تعدد الرأي، وهكذا تربَّى الأجيال منذ الصغر على قناعة تجميل مبدأ التقليد وعدم الإكثار من الأسئلة أو الاعتراض.. وهذا ما لا نريد، فنحن لا نبحث عن ثقافة القطيع المنساقة وراء الزعيم، ولو لاحظنا ما دوّنه المهتمون بعلم النفس الاجتماعي وعلماء الأنثروبولوجيا لوجدنا أنهم يكادون يتفقون على أن عقلية القطيع تنتظر دائماً من الآخرين أن يفكروا عنها، وهي في الإجمال نتاج ثقافة السّماع أو الثقافة الشفهية التي تعتمد على ما يقوله الغير دون فحص أو اختبار أو حتى محاولة للبحث والتأكد من المعلومات.. وبهذا المعنى تكون ثقافة القطيع هي ثقافة مَن لا ثقافة له، ثقافة مَن يقبل التخلي عن عضوٍ كرّمه الله به وميّزه عن بقية المخلوقات ألا وهو العقل، وقَبِل أن يخضع لما يقال له تماشياً مع القطيع المنساق خلف مرشده.

عقول على الرفّ
رغم نمو الثقافة وتطور الوعي وازدهار التعليم والتكنولوجيا ووسائل الاتصال والتواصل ما زالت هذه العقليات المستنسخَة باقية وموجودة كتراث ثقافي يتوارثه الناس طواعية، يقبلون بوضع عقولهم على الرّف بعيداً عن الابتكار حتى في أبسط الأمور كحق التفكير والتعبير عن الرأي، وهو حق مقدس للفرد لا يقبل المقايضة في مجتمع تطمح قيادته إلى خلق قادة يجعلون الإبداع ديدنهم وأسلوب حياتهم في كل شيء حتى يسهموا في تطوّر البشرية وتحَقُّقِ إنسانية الإنسان، والمتتبع للسّيرة النبوية يجد أن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يُكثرون من سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- ويناقشونه بعد تفكير ثم يتّبعونه يقيناً وعلى بصيرة، فبذلك يكون الشخص فيهم: لم يلغِ فرديته، ولم يؤْثِر الانصهار، ولم يقتل ملكة النقد بداخله.. وهذا سلوك نبويّ وتربوي حكيم نمّى نزعة التّفرد في روح الصحابة.
إن الوضع الطبيعيّ والصحيّ في أي مجتمع أو مؤسسة هو أن يكون أفرادها متعددي الآراء والأفكار والأساليب والرؤى والقدرات، وأن تكون لقاءاتهم عامرة بالحوارات الفكرية وزاخرة بالنقد والمناقشات، إذن فظاهرة الصوت الواحد في المجتمعات ظاهرة غير صحية، وظهورنا جميعا كطبعةٍ واحدةٍ لن يعكس أبداً تماسكنا أمام الآخرين بل على العكس تماماً سنكون عُرضة للانتقاد، وبالتالي يكون الاستقرار الذي عشناه وعكسناه هو استقرار متوهَّم.. هو استقرار زائف مخالف لما جبلنا الله تعالى عليه من تفاوت في القدرات والمهارات الشخصية، فالاستقرار الحقيقي لا يكون بإسكات الرأي الآخر وقولبة المجتمع في إطار واحد، ذلك أن كل إنسان يفكر بطريقة حرة يحقق ذاته من خلالها بتفرّد دون أن يكون مجبراً على اعتناق أيديولوجيات جامدة وجاهزة، وهذا هو الفرق بين إطلاق العنان للتنوع الثقافي وتعدد الآراء الذي سيجعل المؤسسة نابضة بالحياة والإبداع، وبين حمل الناس على رأي واحد مقولب يحوّل المؤسسة إلى حالة من الجمود ويقضي على مساحات التفكير، فالتنميط قاتل صامت! يزهق ملكات الإبداع ويصادر ميزة الفردية والهوية ويؤدي إلى حالة من الفتور والتراخي وبذلك تصبح حركة المؤسسة أكثر بطئاً وأقل تميزاً ومرونةً.
فالاختلاف إذن سنّة كونية والنفس البشرية بطبيعتها لا ترتاح ولا تجد رغبة في قولبتها بما يخالف إرادتها، وتباين الآراء يجعل للحياة أبعاداً متعددة لا تقف عند رأي المجموعة أو المؤسسة أو ما شابهه في المجتمع حتى في الأُسر، فتصبُّغ جميع الأفراد بذات اللون معناه وجود قوالب مفروضة أو سيطرة فكرية من شخص أو أكثر، وهو نتاج للتخلف والتراجع والضعف، لأن ضررها أكبر من نفعها خصوصاً إذا علقنا نتاجاتها ببناء ثقافة المجتمع.

صناعة الطاعة
النّمطية في التفكير غير معيبة خاصة في الأمور العلمية لكنها تصبح خطرة عندما تتحوّل إلى قوالب تُرَوَّج عن طريقها الأفكار والعقول، أحيانا يجد بعضنا نفسه مضطرا للتواجد والعمل في بيئة تتبع نظام القوالب المستنسخة، ذلك أن القالب الأكبر لا يزال موجودا ولا يسمح بالخروج عن تلك النمطية، هنا يجب علينا أن نتحصّن لمواجهة كل سيئ مُقولب يعرض باسم التجديد ومواكبة العصر والتطور تحت مظلة التلقين الثقافي بعيدا عن العمق، فالمعيار الأساس لأمثال هؤلاء والهدف المنشود هو تشكيل أفراد لا يبحثون ولا يحلّلون ولا يناقشون ولا يعرفون سوى السّمع والطاعة الدائمة.


تنميط مؤسساتي
ثمة نوع من التنميط المؤسسي الذي يسعى فيه المدير المسؤول إلى تنميط موظفيه اعتمادا على أسلوب معيّن في الإدارة، ومن الطبيعي أن تختلف وتتباين ردود أفعال الأفراد تجاه هذا الموقف بين معارض للفكرة، ومؤيد لها دون الخوض في المبررات، ومحايد يرفض هذه الأساليب.. لكنه لا يتجرأ على إظهار شخصيته بحجة أن خروجه عن قالب تلك المجموعة سيجعله شاذاً.



..........................................
* باحثة وناقدة إماراتية

اقرأ أيضا