الاتحاد

الملحق الثقافي

الآخر.. مرويّاً بنبض إنسانيّ

حضر «الآخر» في السردية القصصية والروائية الخليجية منذ نشأتها. واطّرد هذا الحضور مع ازدهار هذه السردية، وتركّزها في الرواية، وحيث غلب أن يكون «الآخر» من العمالة عامة، ومن العمالة المنزلية الشرق آسيوية، خاصة. وتحضرني هنا باقة من القصص تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، لكتّاب وكاتبات من الإمارات، ومن كل قصة سكنتني شخصية، أنّى لي أن أنساها: من قصة مريم جمعة الفرج «عبار»، حيث تُدفع الطفلة الشرق آسيوية نرجس إلى الزواج من بلال العبار، ثم تكون الدفعة الثانية إلى أرصفة البغاء. وللكاتبة نفسها قصة «فيروز»، التي تقدم شخصية العامل «فيروز»، الذي يتلبسه الجنون تحت وطأة طبيعة العمل والشيخ الهاشمي. ومن قصة أمينة أبو شهاب «ظهيرة حامية» يجوب خميس المدينة بحكم عمله، فتتبأر القصة حول المدينة أيضاً، وليس فقط حول سائق «التاكسي»، الذي تعري القصة من خلاله عورات الذكورة. وتلك هي شخصية مريش من قصة عبد الحميد أحمد «البيدار»، التي ترسم مشهداً جحيمياً بشمسه الحارقة والرمل الذي كالرماد تحت الجمر، والخيمة والرائحة الكريهة التي تنبعث منها، وبتكتل النساء والأطفال والرجال، والجريمة، التي ستتكشف عن جثة مريش في الخيمة، الذي بلغ به الأمر أن انتحر وربما قُتِل. وللكاتب نفسه قصة «أشياء كويا الصغيرة»، التي أبدعت في رسم شخصية كويا، كما أبدعت قصة ناصر الظاهري «بائع الجريدة» في رسم شخصية ذلك الذي منح القصة عنوانها، وهو ينادي بـ«العربية» المكسرة بأسماء الصحف التي يبيعها.

في الملتقى الثاني للكتابات القصصية والروائية في دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1989، قدم محمد عبدالله المطوع بحثه «العمالة الوافدة دراسة سوسيولوجية للقصة القصيرة في الإمارات». وبفضله، تنبهت وآخرون من المشاركين، منهم فيما أذكر جبرا إبراهيم جبرا وجمال الغيطاني وصلاح فضل، إلى إشكالية العمالة - الآخر، التي ستنمو في الرواية، كما في رواية علي أبو الريش «السيف والزهرة» حيث صور النقيضين: رفض الآخر، والقبول به. فشخصية خلفان صياد السمك من الجيل القديم ضد هذا الآخر، بينما يتعاطف سلطان مع العمال الضعفاء المحتاجين المطيعين. وتضيء الرواية بشدة من أفعال الأغراب: القتل والاغتصاب والاحتيال والاختطاف وما ماثل مما كانت الصحف تنشره واستثمرته الرواية. وفي رواية «سلايم» للكاتب نفسه، يزور بطلها عبد الله الشديد مسقط رأسه في «المعيريض» ويمضّه زحف اللكنات الغربية على اللسان واجتياحها الجدران، وإحالتها الإنسان إلى كائن ممسوخ الهوية: «آه يا عبدالله! إن ما يجري يشبه الكارثة الكونية». وفي رواية أمنيات سالم «حلم كزرقة البحر» يسلب هندي عقد فتاة من عنقها، وفي الرواية تبدو الحسرة أيضاً بعدما صار الفريج خليطاً من هنود وباتان وإيرانيين و.. والملحوظ أن اللقاء المعقد بسلبه وإيجابه مع الآخر في كل هذه الأمثلة، إنما يتم في موطن النحن / الذات والآخر أن كان اللقاء في موطن الآخر.
في هذا السياق الروائي المتنامي في الخليج، ربما يغني عن كثيرٍ أن يشار إلى رواية الكويتي سعود السنوسي «ساق البامبو» ذائعة الصيت. ومن أحدث ما ظهر في هذا السياق هاتان الروايتان: «أيام الزغنبوت» و«التي تعد السلالم».

أيام الزغنبوت
تشرح الروائية الإماراتية مريم الغفلي في هامش لروايتها أن الزغنبوت هو بسكويت ناعم مدعم بالمواد الغذائية، كان يوزع على الناس في ساحل عُمان لمواجهة بلوى الجوع أثناء الحرب العالمية الثانية. ويقال أيضاً إنه الذرة الحمراء التي كانت صعبة الإعداد والهضم. والرواية التي يتركز زمنها في الحاضر تعود إذن عقوداً إلى تلك الفترة. وعبر ذلك، تستحضر إلغاء الرق بموجب البرنامج الإصلاحي للملك فيصل، الذي صدر في 6 /11 /1962.
ولكن قبل المتابعة، سيكون من المفيد أن يشار إلى أن الحاضر الروائي في «أيام الزغنبوت» يقوم في رحاب الحرم المكي، حيث تؤدي العمرة الشخصياتُ المحورية في الرواية: موزة بنت عبيد التي اقترح زوجها أداء العمرة بعدما تبدل من المرأة ما تبدل، جراء السر الذي تكشّف لها إبان موت حماتها، في مطلع الرواية البوليسي، وهو ما أشرع للرواية أبواب الماضي، فجاء بناؤها بالتالي في مناوبة بين استرجاع ذلك الماضي، وبين وقائع العمرة، وفي رأسها حديث الساردة عما سمته «الرق الجديد»، الذي تراه قد حل محل الرق القديم «يتغير الرق بتغير العصور». ويبدو ذلك كأنما يمهد لشخصية «هيا» الشابة الناشطة في منظمات حقوقية وفي السعي من أجل حقوق المرأة ومن أجل حقوق الإنسان.

شجاعة التناول
بعد صلاة العشاء، تحاضر هيا على المعتمرات في حقوق الإنسان من منظور إسلامي. وهنا يبدأ حديثها في العمالة المنزلية ولا ينتهي. فهي ترى هذه العمالة شكلاً من أشكال الرق الجديد الذي «بات يغزو حياتنا ويسيء لنا في المحافل الدولية». وبالشجاعة القصوى على وعي الذات بالنقد الصارم، ترى هيا أن بيننا من يتحايل على القوانين الشرعية والموضوعة. فللخدم والعمال حقوق كما عليهم واجبات «لو تحريناها لفتحنا الباب على مصراعيه لنشر هذا الدين العظيم». وتضرب هيا مثلاً بالعمالة التي تأتي من دول إسلامية. فالخدم القادمون ينظرون للعرب بإكبار لأنهم في أرض الوحي، ولأن الإسلام نزل باللسان العربي، ونقرأ في الرواية: «ولكن عندما تحل الخادمة في منزلنا نعاملها بقسوة، نكبلها بقيود ما أنزل الله بها من سلطان، وبيننا من يعذبها ومن تمارس عليها سيدتها الجديدة أنواع وصنوف العذاب، حتى إذا ما أكملت عقدها، ستعود كارهة لكل ما يذكرها بالعرب، ولو وضع الله في طريقها من يحاول تغييرها لدين آخر، فربما سترتمي في أحضانه لأنها خذلت. أما إذا حبست أو رحِّلت لبلدها، وأسيئت معاملتها، وعادت دون مال، وبحالة يرثى لها، فالكارثة ستكون أكبر. لن نخسر بذلك مسلمة فقط، ولكن في بعض الأحيان نخسر ملايين المسلمين». وتدعو هيا إلى مراعاة الله وتقواه في هذه الفئة من البشر، في هذا الرق الجديد والعبودية الجديدة، حتى لو كان الأمر يتم عبر مكاتب، وبرضى الدولة المصدرة: «وهذا كله باب خطر للألم، كما هو باب للأجر والتبليغ بدين الله».
على الرغم من نبالة الغاية، تبهظ هيا على الرواية بمحاضرتها، إذ تتابع القول بأن العمالة المنزلية رق مقنن ومأساة جديدة، علينا أن نعمل على محاربتها بالوسائل كافة، لكن بعض النفوس يظل الشر يفسدها. وتخص هيا والدتها بشرح سيرورة الفقراء الذين يساقون من أنحاء العالم كافة، تكبلهم الحاجة، وتتم في بلدانهم وفي الطريق مساومتهم على أبسط الحقوق، إلى أن تتلقفه الأيدي هنا، فمنهم من يكون سيئ الحظ، وهم جميعاً يبيعون ما يملكون ليحصلوا على العمل. ومن جديد، في مواجهة نقدية للذات، تتحدث هيا فيما علينا أن نفعله: توعية هؤلاء وتعليمهم ونشر الدين الصحيح بينهم وتخليصهم من الخرافات ومن الجهل المعشش في أدمغتهم. لكننا، بدلاً من ذلك نقسو تارة، وتارة نرمي بتهم السرقة أو السحر أو التخلف. إنهم بحاجة إلى الوقوف معهم على الرغم من أن بينهم من يخالف القانون ويغلب عليه الشر.

سلاسة السرد
على العكس من ثقل المحاضرة، يأتي تسريد أفكارها وسواها من الأفكار المتصلة بالآخر، كما يحسن بالرواية أن تفعل، وذلك في قصة خادمة هيا الأندونيسية سميرة، والتي باتت كواحد من الأسرة خلال ثلاثين سنة، لم تطلب السفر خلالها إلى بلدها مرة. لكنها الآن تفعل، فلماذا؟.
فيما تحكي سميرة من قصتها أن أسرتها باعت جاموستها الوحيدة، ورهنت قطعة الأرض التي تملكها، حتى تم تدبير المبلغ الذي يطلبه الوسيط كيما يوصل سميرة إلى مكتب التوظيف. والسماسرة يتقاطرون على القرى والبلدات ليختاروا الفتيات الراغبات في العمل. وترتسم في ذكريات سميرة صوراً رهيبة للاستغلال، فالنساء يتكدسن كأجولة بالية في المكاتب، ومنهن من لا تزال أثداؤهن تنقط الحليب جراء الفطم الطري لأطفالهن، ومنهن من يبكين فراق أطفالهن، ومنهن زائغات البصر خوفاً من المجهول، ومنهن عائدات من أسفارهن بعدما أخفقن في التأقلم مع بلدان مخدوميهن، ما يغرس الخوف في نفوس الأخريات من المخدومين القساة ونسائهم المرفهات المتطلبات للخدمة ليل نهار. وقد ظلت سميرة تتقاسم راتبها مع رؤساء المافيا في قريتها الذين تولوا المسؤولية عن أسرتها، فكل من يعمل في الخارج عليه أن يدفع لهؤلاء، وإلا روّعوا ذويه. وكان والد سميرة قد رهن ما يملك حتى أرسلها وشقيقتها. وقد رحل الأب، وكبر الإخوة، وتزوجوا وأنجبوا، وهي لا تزال عالقة، لا أحد يشعر بأنها كبرت وما عادت قادرة على الخدمة، بينما كبر إخوتها وكبرت مطالبهم، والأب بنى بيتاً، واشترى لإخوتها مزارع وبيوتاً. هكذا صار مكان عملها هو بلدها، وأهلوه أهليها. وهنا تبدع الرواية في سبر نفسية سميرة بتعقيداتها وتناقضاتها. ففي وعيها لعلاقتها وأمثالها بمخدوميها: «هناك حاجز بيننا وبينهم، نحن خدم، مجرد خدم، نخدمهم أكثر من أبنائهم، نحن لهم الأقرب في كل شيء. ولكن لا ننال منهم سوى الغضب والسباب، لا نشعر بحنانهم ولا بعطفهم، نحبهم لكننا لا نشعر بحبهم».
في وعي سميرة أن المأساة تختلف من مكان إلى آخر. ففي البيوت من هو شرير وفيها الطيب. لكن «علينا» تحمل الجميع، والتغاضي عن كل شيء، فالشكوى ممنوعة. ومن تشتكي تعاد إلى المكتب لتنهال عليها الصفعات، ويبدأ تدويرها على المنازل حتى تستقر، أو تدفع لصاحب المنزل كي يعيدها إلى بلدها. والكثيرات قد انتحرن خوفاً من العودة بأيد فارغة. لذلك لم تشعر سميرة يوماً بالأمان، إذ لا ضمان من ساعة غضب أو سوء ظن، وبالتالي، هو الخوف من الرحيل والترحيل. لكن سميرة تدرك أنها ألفت بيت هيا وضيوفها وأبنائها وأحزانها وأفراحها، فبيت هيا هو أهلها، لكنها تظل غريبة، تنام وتأكل وتتألم وحيدة. وتتألق حكاية سميرة عندما يتمكن منها قرار العودة، فتعلن لأم عبد الرحمن أنها تتمنى ألا تفارقهم، لكنها صارت العجوز، وأم عبد الرحمن العجوز صارت طفلة، والعجوز سميرة تحكي للطفلة كل يوم حكايتها نفسها، لكن الطفلة تؤكد أن سميرة تحكي جديداً في كل مرة، وربما إذن «صرت أتخيل ما لم يقع»، وبذا تكون الحكاية، وبهذا تألقت الرواية.

التي تعد السلالم
تتعدد أخيولات الآخر في رواية «التي تعد السلالم» للروائية العمانية هدى حمد، لكن التعدد يظل في إطار العمالة المنزلية، ابتداءً بالسيريلانكية دارشين، التي تنفتح الرواية على مغادرتها لبيت زهية وعامر بعد تسع سنوات في الخدمة المتفانية، كما تصف زهية صاحبة «نظرية المربع»، الذي ليس لأحد أن يتجاوزه معها. وبالتالي، تعيش العاملة ضمن المربع، لها غرفتها ودورة المياه، ولها المطبخ، وعليها أن تنفذ ما يطلب منها، بلا حديث مع سيدتها ولا مع الأطفال، بل تأوي إلى «المربع»، مثل دجاجة تأوي إلى القن.
تبني هدى أحمد الشخصية الروائية بحذاقة، فتأتي ثرية ودينامية أياً تكن. فهذه زهية الرسامة على الشيل والزجاج والتحف الفخارية والقمصان والجدران، تدرك أن الشغالات لا يطقن حرصها وأوامرها، لذلك لم تكن الواحدة لتمكث إلا شهوراً. وكانت زهية تحذر صديقتيها طرفة وهند من تدليل الشغالات ومن طول بقائهن، وتنفي أن تكون شريرة، فهي تقيم المعادلة بدقة: الشغالة تبيعها وقتها وخدمتها وصمتها، وزهية تدفع بسخاء، متمنية أن تتحول الشغالة إلى آلة يابانية تنفذ الأوامر وحسب. وكان زوجها عامر ينصحها «خلّيهن يتنفسن». وهو، وابناه ينفران من ازدرائها للخادمة التي تصاب بالاكتئاب، لأنها، بتحليل عامر، لا تقوم بأمر إلا ورأس زهية فوقها.
وحدها دارشين الأربعينية البدينة، ظلت تسع سنوات تتلقى الأوامر وتنفذ بصمت، لكنها قررت أخيراً أن ترحل. وزهية تقر أن خسارتها دارشين لا تعادلها خسارة، إذ كانت إسفنجة تمتص غضب سيدتها، لكنها وضعت عينيها في عيني زهية أخيراً، ولأول مرة: «مدام.. خلاص» وخرجت من المربع، لتدخله زهية، مرسلة هذه اللازمة: «من سينظف بيتي في غياب الحقيرة؟» بينما يلاحقها صوت دارشين: أطفالنا جياع وطعامكم يذهب إلى المزابل.

تكدّس مهين
مع عامر المهندس الذي يعمل في شركة للنفط، وله مجموعات قصصية عدة، تذهب زهية إلى مكتب توريد العاملات في «العين»، حيث يقابلان المديرة الفيلبينية الأنيقة التي تسأل: «تريدونها هندية، سيريلانكية، أندونيسية، فيلبينية، إثيوبية، تجيد الطبخ، العناية بالأطفال، متعلمة، غير متعلمة، سبق لها العمل في الخليج أم لم يسبق؟». وحضرت ست عاملات، ثم رافقت زهية المديرة إلى «الستور» في الطابق السفلي، حيث أحست زهية بصفعة، وصدمها المشهد: من تجلس على كرسي، على حقيبة، أو متمددة على الأرض، ألوان وأشكال وجنسيات ولغات، واحدة تعد بالعناية بالأطفال، واحدة تقسم أنها تجيد كل شيء، واحدة تساوم على الراتب... حتى أصاب زهية الدوار والهلع: «بيتي ومربعي الضيق أكثر إنسانية من هذا المكان البائس». ولم تحتمل العاملات اللزجة، ولا تدافعهن حولها، ولا الرذاذ القذر الذي خرج متسارعاً من أفواههن في وجهها، بينما تبحث هي عن وجه كوجه دارشين إلى أن يقع الاختيار على فانيش الإثيوبية التي تتكلم الإنجليزية. وفي الطريق إلى مسقط تحدّث فانيش أنها إثيوبية، عملت في السعودية خمس سنوات، حيث أسلمت وهي المسيحية. وكانت عكس دارشين تحدق في زهية التي خشيت أن تكسر الحواجز أمام فانيش، فيصعب اقتيادها إلى المربع، بينما يتبسّط عامر معها فتهجس زهية: «أكرهك الآن يا عامر»، وتسخر في سرها منه: «كم أنت هش ومضحوك عليك» بينما تحكي فانيش حكايتها: دراستها، والعمل في مزرعة القهوة، والانتقال من الجامعة إلى الخليج.. وزهية خارج لعبة الكلام بين فانيش وعامر، تتساءل عما إن كان بإمكان فانيش أن تكون كالهواء، بلا كلام فائض، وكالكهرباء، تشعر بنتيجتها ولا تراها. والخدم - كما ترى زهية - كالعجينة الطرية القابلة للتشكيل: «فقط علينا أن نقول بجرأة كل ما نريد، وألاّ نتغافل عن الترغيب والترهيب».
بنت الكاتبة روايتها من اشتباك قصص دارشين وفانيش بقصة زهية وقصة عامر، والرواية التي يكتبها عامر، وهي ليست غير سيرة والده في زنجبار، وما يجر ذلك من التأرخة لانقلاب زنجبار من بر الزنوج والمكان الآمن للعرب إلى مذبحتهم.. حيث يتبين وجه وحشي آخر للتعامل مع الآخر، إذ يخطف الأب ابنه عامر من صدر أمه ويفرّ إلى نزوى.
ترى زهية التي لا ترسم لوحات واقعية أن قصص الشغالات مضجرة، ليس فيها غير الآلام والفقر والحاجة التي جاءت بهؤلاء الحسودات ذوات القلوب السوداء. وزهية تنزع لصاقة السعر عن مشترياتها، لتخفف عن الشغالة عناء الحسرة، فالخدم هم الخدم: «لا يمكننا أن نستأصل رغبتهم في زوال نعمنا». لكن «طفلي الصغير» كما تصف زهية زوجها، يصدق الشغالات ويقلق عليهن، على الرغم من أنها تكرر عليه النصح: لا يمكن لعلاقة سوية أن تنشأ بين السيد والخادم.؟ ورغم ذلك، تبدل فانيش من زهية تبديلاً. فزهية سوف تأكل من طبخات فانيش، وصارتا تأكلان معاً. وبداية ذلك تكون بحديث فانيش عما تحلم به: امرأة منتحرة، حتى باتت تشك بوجود المنتحرة في البيت. وتصيب زهية العدوى، وهي ترى فانيش تخرج من المربع، ولكن بإرادة السيدة. ويبلغ الأمر أن فانيش ترى أقدام المرأة التي ترسمها زهية على الجدار، شبيهة بأقدام المنتحرة في الحلم الذي ينقطع عن فانيش ويسكن السيدة التي ترسم على الجدار امرأة بلا رأس.
تتخلص زهية من المنتحرة بالرسم. وتشك في أن فانيش التي تكتب مذكراتها، قد تكون تجعل سيدتها مادة دسمة لحكاياتها، وتصورها شريرة. لذلك تفتش في غرفة فانيش عن الدفتر، وتقرأ فيه ذكريات صاحبته عن عملها في السعودية عند الحاجّة موضي التي سمتها سارة، وجعلتها تتحجب وتتنقب، وعن غيرة الخادمة ميري من تدليل الحاجّة لفانيش التي صارت تتعلم العربية والقرآن نهاراً، وتبكي بين يدي العذراء ليلاً، وما عادت تعرف نفسها؛ إذ تصوم صيام المسلمين وصيام المسيحيين، إلى أن يتحرش بها شقيق الحاجّة، فتضربه، وتجازى بالطرد.
لكن زهية تقع في الدفتر على ما هو أكبر. ففانيش تتحدث عن حبها لعامر، وتتغزل بلونه الغامق الذي يذكرها بكل شيء في قارتها السوداء. ويغيظ زهية أن هذه «القذرة» تتجاهلها، وتكتب كل شيء عن عامر. وعلى الرغم من ذلك، سوف يستيقظ «ضمير اللصة» فيها، وتأتي لفانيش بدفتر بديل، فترفضه، وأخيراً: تعيد الدفتر لصاحبته فيرتاح ضمير اللصة.

منظور آخر
تقدم الرواية منظوراً آخر للآخر، عنوانه هند صديقة زهية التي ترى أن عقد الصداقة مع الشغالة أفضل طريقة لكسب ودها. لكن هند تتراجع، وتتخلى عن «نظريتها» بأن الشغالة جزء من العائلة، فشغّالتها نتالي تهددها يومياً بالسفر، ونظرية زهية إذن هي الصحيحة: «لازم نرص عليهنّ». أما زهية التي ترى نفسها مرة أنها السيدة المنتحرة، وترى أمها مرة هي تلك السيدة، فتواصل تبدلاتها. وهذه التي لم تكن تدرك أن لخادمتها صوتاً، ها هو الصوت يغدو ذا لون وطعم ورائحة حين سمعت السيدة خادمتها فانيش تكلم أهلها. وزهية تقترب من الهندي الذي ينظف سيارتها، وتكتشف أن رائحته ليست نتنة، وفجأة تكتشف أن كثيرين مثله: هذا يحمل خرطوم البنزين، وهذا يحمل جوال الرز للسيارة و..، وهي التي كانت لا تنتبه لوجود أولاء، تتساءل أين كانوا يختبئون؟
في نهاية الرواية، وفي دعوة لهند إلى الغداء عند زهية، تفقد المدعوة خاتم الألماس، وتشك في فانيش، لكن زهية تكذب الشك وتصدق براءة فانيش. ويتتوج تبدل زهية برغبتها في أن ترسم فانيش مقابل أجر، تدفعه لها، وبدعوتها لفانيش إلى أن تلبس كمسيحية، ثم تخرجان معاً، فترى زهية نفسها أقل خوفاً وأكثر استمتاعاً، وتتساءل: «هل كنت بحاجة إلى يد خادمتي لأجرؤ على مواجهة الحياة؟».
هكذا تتعدد صور الآخر في رواية «التي تعد السلالم»، ومن ذلك أيضاً الفيلبينيات في صالون التجميل.. وتتكامل هذه الصو ر مع صورة الإندونيسيّة في رواية «أيام الزغنبوت»، فيكون للروايتين نبضهما الإنساني الحار والعميق، سواء عبر الموقف من الآخر، أم عبر نقد الذات الفردية والجماعية. ويغتني كل ذلك في رواية «التي تعد السلالم» في قصة عامر ونشأته محروماً - مخطوفاً من أمه، وعودته رجلاً إلى البحث عنها، وتقديم صور أخرى للآخر الإنكليزي أو الإفريقي في زنجبار. كما يغتني كل ذلك بما رسمت «أيام الزغنبوت» في استرجاعاتها الحارة من زمن العبودية، وهو ما سبقت إليه رواية ميسون صقر «ريحانة» وسواها. وكانت مريم الغفلي قد رسمت نمطاً مختلفاً من الآخر، وذلك في روايتها «بنت المطر»، حيث مضت بعدد من الشخصيات إلى لندن. وفي المدونة السردية الخليجية تتنامى أخيولات هذا الآخر الأوروبي أو الأميركي. وبالنظر في هذه الأخيولات، وما تقدم هنا من النظر في روايتين هما أحدث أخيولات الآخر الشرق آسيوي، يغتني ويتبلور وعي الآخر كجزء صميمي من وعي الذات والعالم، سوف يظل شاغلاً بامتياز للسرد الخليجي، بما للآخر من تنوع وتفاعل وحضور.

خسارة وخذلان
تضرب هيا مثلاً بالعمالة التي تأتي من دول إسلامية. فالخدم القادمون ينظرون للعرب بإكبار لأنهم في أرض الوحي، ولأن الإسلام نزل باللسان العربي، ونقرأ في الرواية: «ولكن عندما تحل الخادمة في منزلنا نعاملها بقسوة، نكبلها بقيود ما أنزل الله بها من سلطان، وبيننا من يعذبها ومن تمارس عليها سيدتها الجديدة أنواع وصنوف العذاب، حتى إذا ما أكملت عقدها، ستعود كارهة لكل ما يذكرها بالعرب، ولو وضع الله في طريقها من يحاول تغييرها لدين آخر، فربما سترتمي في أحضانه لأنها خذلت. أما إذا حبست أو رحِّلت لبلدها، وأسيئت معاملتها، وعادت دون مال، وبحالة يرثى لها، فالكارثة ستكون أكبر. لن نخسر بذلك مسلمة فقط، ولكن في بعض الأحيان نخسر ملايين المسلمين».

دجاجة في القنّ
تتعدد أخيولات الآخر في رواية التي تعد السلالم، لكنه التعدد يظل في إطار العمالة المنزلية، ابتداءً بالسيريلانكية دارشين، التي تنفتح الرواية على مغادرتها لبيت زهية وعامر بعد تسع سنوات في الخدمة المتفانية، كما تصف زهية صاحبة (نظرية المربع)، الذي ليس لأحد أن يتجاوزه معها. وبالتالي، تعيش العاملة ضمن المربع، لها غرفتها ودورة المياه، ولها المطبخ، وعليها أن تنفذ ما يطلب منها، بلا حديث مع سيدتها ولا مع الأطفال، بل تأوي إلى (المربع) مثل دجاجة تأوي إلى القن.

اقرأ أيضا