صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

هل تفقد الأرض نورها؟

قام الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، قبل شهور من مغادرته للبيت الأبيض، بوضع (أمر تنفيذي -ORDRE EXÉCUTIF 1 ) موجودة نسخة منه على الموقع الرسمي للبيت الأبيض، بتاريخ 13 أكتوبر 2016 يطلب فيه من الشعب الأميركي الاستعداد خلال المئة والعشرين يوماً المقبلة، من أجل مواجهة التغيرات التي ستحصل في الأحوال الجوية الفضائية أو ما أطلق عليه (أحداث جوية فضائية -Des événements météorologiques spatiaux).

يقول هذا الأمر التنفيذي إنه على المستوى السياسي علينا أن نستعد لهذه الظواهر الجوية الفلكية، التي يمكنها أن تلحق أضراراً جسيمة بالشبكة الكهربائية، وبالتالي سيؤثر ذلك على الخدمات المتصلة بها مثل التزود بالماء الصالح للشرب والخدمات الصحية والنقل. ويتابع أوباما في كلمته: «إن هذا الحدث يمكن أن يؤثر على الوضع الأمني في مختلف القارات، وبالتالي وجب تشكيل شراكات وتعاون دولي، من أجل مواجهة هذه الأخطار والتقليل من حجم الخسائر. وعلى الحكومة الفدرالية أن تكون قادرة على توقع مثل هكذا كوارث وكشفها، حتى يتسنى وضع المخططات اللازمة لمواجهتها».

ثم يضيف: «هذا الأمر، مؤكداً أنه على المنظمات والقطاعات الخاصة وغير الربحية والجامعات والتنظيمات السكانية المحلية، أن تتعاون مع الحكومة الفيدرالية من أجل تهيئة الأمة الأميركية كي تستعد لهذه الأحداث الجوية الفلكية».

ويمضي باراك أوباما في أمره التنفيذي هذا، مخاطباً كل الوزارات الأساسية مثل الداخلية والتجارة والطاقة كي تستعد لمثل هذا الحدث، كما يشير أيضاً إلى وزارة الدفاع الأميركية، مؤكداً أن مثل هذه الأحداث من المنتظر أن تلحق الضرر بأنظمة السلاح وبالدفاعات الأميركية. كما يخاطب وكالة الفضاء الأميركية ناسا، طالباً منها أن تضع برنامجاً يعمل على دراسة الشمس، وتفاعلها مع الكرة الأرضية، وذلك كي يتسنى لنا تطوير التقنيات التي تمكننا من توقع هذه الأحداث التي يحدد أهمها مثل العواصف الشمسية والجزيئات المشحونة طاقياً (من الطاقة) والتشويش المغناطيسي الأرضي.

نتائج

من خلال تأمل كلام باراك أوباما يمكننا أن نستنتج العناصر الآتية:

1 - الشمولية: فهو يوجه كلامه لكل القطاعات الخاصة والعامة، ولكل الوزارات الأساسية مثل الدفاع، الاقتصاد، الداخلية وغيرها، بحيث إن كل هذا يدل على الحجم الكبير للمشكلة التي يراد مواجهتها. بل إنه يتوجه بالحديث إلى المجتمع الدولي ويطالب بالعمل على تكثيف التعاون مع أطراف خارجية.

2 ـ الإنذارية: يستشف من خلال الخطاب كذلك أن المشكل يتطلب يقظة كبيرة من كل المعنيين بغرض رفع الاستعداد من أجل مواجهة الاحتمالات كافة .

3 ـ الإلزامية: واضح أيضاً من كلام أوباما الطابع الإلزامي لكلامه، فالأمر كما يحمل عنوانه تنفيذياً، فهو ليس تدريباً على أحداث افتراضية، بل كل الهيئات والمؤسسات ملزمة بإيجاد حلول لهذه المشكلة.

مع ذلك ورغم الطابع الواضح لظاهر النص، فإنه ينطوي على الكثير من الغموض. فأمام أخطار فلكية مثل هذه تهدد أمن واستقرار البلاد يبدو أن إصدار مرسوم رئاسي وتوجيه أوامر إلى جهات معينة أمر لا يكفي إلا إذا كانت هناك استعدادات أخرى تجري في الخفاء. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إذا ما قرأنا النص بتمعن نلاحظ أنه ينطوي على تناقض واضح، فهو يتحدث ـ كما سبقت الإشارة إلى ذلك ـ عن أحداث مناخية ستقع في الأرض بسبب التشويش الذي ستحدثه العواصف الشمسية. بمعنى آخر المسألة تدور بين الشمس والأرض كما يشير الأمر التنفيذي ذاته، غير أنه في الفقرات الأخيرة يتحدث أيضاً عن أضرار ستحدث في المجموعة الشمسية ككل. هنا وجب علينا أن نتساءل هل المشكلة تتعلق باضطراب مناخي بين الشمس والأرض، أم بمشكل فلكي أكبر يتعلق ببنية المجموعة الشمسية في عمومها ؟

بعض المتتبعين يرون أن الأمر ربما يتجاوز عواصف شمسية، فقد يرتبط باصطفاف فلكي سيضر بالكرة الأرضية، ودليلهم على ذلك ارتفاع عدد الزلازل التي حدثت مؤخراً. إذا كان الأمر على هذا النحو من حقنا أن نتساءل: ما طبيعة هذه المشكلة التي من المنتظر أن نواجهها وما هو حجم تأثيرها على الأرض؟

هناك شيء آخر في هذا الأمر التنفيذي لا يقل غموضاً عما سبق. إنه 120 يوماً المذكورة فيه، والتي على الأمة، كما يقول الرئيس، الاستعداد خلالها. لماذا بالضبط 120 يوماً؟ ما هو الأساس العلمي الذي بني عليه هذا التقدير؟ مرد هذا التساؤل يعود إلى أنه علمياً لا يمكن للإنسان ـ لحد الآن على الأقل ـ التنبؤ بالعواصف الشمسية. هذا الأمر ما زلنا غير قادرين عليه حالياً، حتى بالنسبة لوكالة الفضاء الأميركية ناسا، فهي قادرة فقط على مثل هكذا تنبؤ في حدود 24 ساعة فقط.

طبيعة المشكلة وأبعادها

في انتظار أن تتضح الصورة أكثر لنبقى الآن في حدود المشكلة الأولى، المرتبطة بالعلاقة بين الشمس والأرض ولنتساءل: ما المقصود بالعاصفة الشمسية؟

التوهج أو (العاصفة الشمسية - L&rsquoéruption solaire ) هي عملية تحدث داخل الشمس، فالأخيرة (الشمس) تقوم - لأسباب ما زالت لحد الآن غير معروفة - بسلوك يؤدي إلى اضطراب في ثبات الفاعلات النووية التي تقوم بها، بحيث يكون نتيجة هذا الاضطراب دفع الشمس لحزمات من اللهب بعيداً عنها، وهذا اللهب يكون محملاً بجزيئات مشحونة كهربائياً. حزمات النار هذه المرمية في الفضاء الخارجي من قبل الشمس كانت تحدث دائماً منذ فجر الخليقة، غير أن الأرض تتمكن من حماية ذاتها بوساطة الحقول المغناطيسية التي تحيط بها أو ما يسمى أيضاً بأحزمة فان هالن. المشكلة إذن هي أن التفاعلات النووية الشمسية لم تعد عادية في العقود الأخيرة، إذ بين الفترة والأخرى تفاجئنا بحزمات نارية غير متوقعة، ففي سنة 1989 تعرضت الأرض لعاصفة شمسية ضربت منطقة كيبيك بكندا، حيث عرفت انقطاعاً كبيراً للتيار الكهربائي دام لساعات.

الشمس هذا النجم الجميل الذي يضيء نهاراتنا ويمدنا بالدفء تبعد عنا بنحو 150 مليون كلم، ويصلنا إشعاعها بعد مرور 8 دقائق هي في الحقيقة مفاعل نووي هائل، إلا أنها وككل نجوم الكون تعرف دورة حياة محددة، إذ بعد مرور نحو 5 مليارات سنة سيخفت هذا التفاعل وستستهلك الشمس مخزونها من الطاقة لكي تتحول إلى عملاق أحمر، يبتلع كل ما يوجد في طريقه. لحسن الحظ هذا الأمر لن يحدث غداً، فما زال أمام الإنسان الكثير من الوقت ليستمتع بالحياة. مع ذلك هناك ما ينغص علينا هذه المتعة فهذه البقع الشمسية المخيفة، هذه البقع السوداء، التي يظهر الرصد الفلكي لها أنها تتسع سنة بعد أخرى هي سبب الرياح والعواصف الشمسية التي تصل إلى الكرة الأرضية، كما تظهر أحياناً على شكل الشفق القطبي وأحياناً أخرى تسبب في الكثير من الأضرار مثل ما ذكرنا سابقاً.

يشير موقع SDO وهو موقع القمر الصناعي الذي وضعته ناسا سنة 2010 لمراقبة نشاط الشمس ( 2 Solar Dynamics Observatory ) بهدف استباق هذه العواصف والاستعداد لها في حال حدوثها، أنه بالاعتماد على ملاحظة عدد البقع السوداء الموجودة عليها يظهر أنها ستعرف توهجاً سابقاً لموعده، فالشمس مثل بندول، ليست نجماً مستقراً، بل هي تعرف مثل هذه التذبذبات النشيطة كل 11 سنة تقريباً. كان آخر توهج لها سنة 2014، وبالتالي التوهج القادم كان من المنتظر حدوثه سنة 2025. لا أحد إذن يعرف لماذا هذا التوهج جاء سابقا لأوانه.

تجدر الإشارة أيضاً إلى أن جرس الإنذار لم تدقه أميركا وحدها، بل هناك ألمانيا أيضاً التي دخلت على الخط، من خلال موقع وزارة الداخلية الألمانية 3 على النت، حيث تحث الناس على الاستعداد لهذا الحدث عن طريق التزود بما يلزم من ماء وطعام، بل هي زادت الأمر حدة، إذ تتكلم عن أخطار شبيهة بالأخطار التي أعقبت حادثة تشرنوبيل، كما أنها تطلب من الناس الاستعداد لهذه الكارثة تماماً كما يتم الاستعداد للحرب.

الأضرار المتوقعة

درجة الأضرار المتوقعة من هذه التغيرات الجوية الفلكية المرتقبة، مرتبطة طبعاً بدرجة الشدة التي ستعرفها هذه العواصف التي سترسلها الشمس إلى الأرض، بحيث كلما زاد هذا التوهج كلما زادت الأضرار. كما ستختلف الأضرار كذلك بحسب المناطق؛ فالقطب الشمالي والجنوبي سيكون الأكثر ضرراً بحكم ضعف أحزمة فان هالن هناك. كما أن دولاً مثل روسيا والدول الإسكندينافية وكندا كلها ستعرف أضراراً ستمس كل الأجهزة الإلكترونية، وعلى رأسها الأقمار الصناعية والكمبيوترات ووحدات توليد الكهرباء. بينما الدول التي تقع في خط الاستواء فهي تقريباً لن تلحقها إلا أضرار طفيفة جداً، ماعدا الأضرار غير المباشرة التي ستنتج عن علاقتها بالدول سالفة الذكر.

عموماً يمكن للإنسان وضع فرضيات يتخيل بواسطتها شكل ودرجة هذه الأضرار. ففي حالة ما إذا كانت هذه العاصفة الشمسية قوية بشكل مضاعف وغير مسبوق لما عهدته الأرض. في هذه الحالة سيتسبب هذا التسونامي الفضائي في حرائق هائلة للغابات، وفي انقطاع كلي للتيار الكهربائي، كما ستقضي نهائياً على كل الأقمار الصناعية المحيطة بالأرض، وبالتالي ستتوقف كل الحواسيب وأنظمة الاتصال التي ننعم بها حالياً بفضل الثورة الرقمية. ليس هذا فقط بل ستعمل هذه العاصفة الشمسية الهائلة على إلحاق أضرار جسيمة بطبقة الأوزون، كما أن درجة حرارة الأرض سترتفع بشكل غير مسبوق مما سيؤثر على العديد من الكائنات الحية، والكثير من الأحداث الجسيمة الأخرى التي ستكون نتيجة طبيعية لما سبق. باختصار نقول إن حدثاً مثل هذا بإمكانه أن يعود بنا إلى عصور الظلام. ولكن لحسن الحظ هذه الفرضية ما زالت مستبعدة في الوقت الحاضر.

المسكوت عنه

ما هو المسكوت عنه إذن في هذا المرسوم الرئاسي الذي وضعه باراك أوباما ؟

بعض المتتبعين يرون أن الأمر ربما يتعلق بشيء آخر غير العواصف الشمسية، اكتشاف لكوكب غامض، الكوكب X أو ما يسميه القرآن بالنجم الطارق الذي سيحدث ظهوره اضطراباً كبيراً في المجموعة الشمسية؟

الصحيفة السويدية ميترو METRO والصحيفة البريطانية دايلي ميرور The Daily Mirror كتبتا أن النخبة العالمية تقوم ببناء مساكن تحت الأرض des bunkers لحماية نفسها. آخرون قالوا إن الخطر يتعلق بالبراكين النشطة في أميركا المسماة يالوستون yellowstone والتي في حالة حدوتها ستترك تأثيراً بالغاً ليس فقط على مناخ الكرة الأرضية، بل أيضاً على محورها المغناطيسي.

ماذا سيحدث بالضبط ؟ لا أحد يمتلك جواباً قاطعاً على هذا السؤال. ومهما يكن الأمر ليس هدفنا هنا ترويع الناس بل تنويرهم عن ما يقال حول هذا الموضوع. نعلم جميعاً كيف تم التعامل مع نبوءة المايا سنة 2012، حيث تم تضخيمها أكثر من اللازم وفي الأخير مرت الأمور بسلام. الأحداث الجوية الفلكية هذه أحداث استثنائية خصوصاً عندما يتم الحديث عنها من قبل جهة سياسية رسمية مثل الرئيس الأميركي، وكما قال جان نويل كابفيرير في كتابه الشائعات: «إن المعلومة تولد الشائعة عندما تكون نادرة واستثنائية» 4 في كل الأحوال المثل الشائع يقول إنه ثمة شيئان لا يمكن التحديق فيهما: الشمس والموت. نعتقد أنه على العكس من ذلك، يتوجب علينا اليوم أن نمعن النظر في الشمس وأن نقوم بدراستها جيداً، فالشمس التي هي رمز للحقيقة والوضوح ما زال يكتنفها الكثير من الغموض، وإذا كانت هي واحدة من العوامل الأساسية التي وهبت الحياة للأرض يمكنها في الآن ذاته أن تصبح كابوساً يزمجر فوق رؤوسنا ويعود بنا إلى العصور الحجرية.

................................................

المصادر:

1 ـ رابط الموقع الرسمي للبيض الأبيض

https:/&rlm/&rlmwww.whitehouse.gov/&rlmthe-press-office/&rlm2016/&rlm10/&rlm13/&rlmexecutive-order-coordinating-efforts-prepare-nation-space-weather-events

2 ـ موقع القمر الصناعي الذي يرصد النشاط الشمسي

https:/&rlm/&rlmsdo.gsfc.nasa.gov/&rlmgallery/&rlmpotw/&rlmitem/&rlm760

3 ـ رابط موقع وزارة الداخلية الألمانية

https:/&rlm/&rlmwww.ernaehrungsvorsorge.de/&rlm

4 ـ جان نويل كابفيرير: الشائعات، الوسيلة الإعلامية الأقدم في العالم. ترجمة تانيا ناجيا. مطبعة دار الساقي 2007 ص 41