أرشيف دنيا

الاتحاد

مسرحية «جسوم وحيداً» تجذب الكبار قبل الصغار

جسوم خلال العرض المسرحي

جسوم خلال العرض المسرحي

مساء أمس الأول كان جمهور واسع، متنوع الأعمار، على موعد مع العرض الختامي لمسرحية «جسوم وحيداً» التي عرضت بمناسبة عيد الفطر السعيد على مسرح أبوظبي في كاسر الأمواج، بالتعاون بين نادي تراث الإمارات ومسرح دبي الشعبي. العمل من تأليف أحمد الماجد، وإخراج محمد سعيد السلطي، وتمثيل نخبة واعدة من المواهب المسرحية.


(أبوظبي) - على الرغم من كون المسرحية موجهة للأطفال أساساً إلا أن الكبار من الحضور وجدوا أنفسهم مندمجين مع أحداثها، متفاعلين مع الرسالة التي سعت لتمريرها دون افتعال، ومتحمسين لأخذ العبر التي اقترحها عليهم نص مسرحي مصاغ بعناية، وتوليفة إخراجية مراعية لشروط التناسق بين المتعة المشهدية والدلالة الإرشادية.
وفي ختام العرض بدا الحاضرون من الأهل أشد حماساً من أبنائهم لالتقاط الصور التذكارية مع الممثلين الذين تفاوتت أعمارهم فكان منهم الطفل الذي لم يتجاوز العاشرة والرجل الذي أدرك مرحلة الأبوة، وبينهما مجموعة متدرجة، في سياق تكامل متقن نحو تغطية مختلف الثغرات المحيطة بالإشكالية المثارة، وهي تدور حول انغماس الأهل في متطلبات الحياة اليومية، وإغفالهم لمهمتهم الأساسية، المتمثلة بمنح أبنائهم ما يستحقونه ويحتاجونه من رعاية ومتابعة.
حيوية جاذبة
في مقدم ما يسترعي الاهتمام في العمل المسرحي تلك الحيوية المميزة التي أبداها الممثلون، والتي تجسدت عبر حراك مستمر ومتصاعد ساهم في جذب اهتمام المشاهدين، وأنقذ المسرحية من الوقوع في فخ الرتابة، وما يعنيه ذلك من خطر تعثر التواصل بين العمل ومتابعيه، ومنذ اللحظة الأولى وحتى الختام تمكن العرض من استنفار حالة الإصغاء في صفوف المشاهدين، بل نجح أكثر من مرة في استثارة مشاركتهم عبر الإجابة على أسئلة محورية تشكل جوهر الخطاب المسرحي، هذا التفاعل العفوي، الذي ينم عن احتراف إخراجي، هو عنوان رئيسي من عناوين المسرح الناجح، لما يعكسه من توازن ضروري بين الجسد والكلمة في سياق الصياغة المسرحية. وأيضاً لا بد من التنويه بمتانة النص الذي جاء متسقاً بين هادفية المضمون وبراعة الإمتاع، فلم ينس الكاتب أنه معني بإيصال رسالة إلى الجمهور، لكن حرصه على المناخ الترفيهي كان جلياً، واعتماداً على الصيغة التوفيقية تلك، أمكن تقديم وجبة مسرحية تلبي الحاجة والرغبة في آن معاً..
هواجس طفولية
تدور تفاصيل المسرحية حول الطفل جسوم الذي يعاني إهمال ذويه، وانغماسهم في تداعيات الحياة اليومية، في حين يبقى وحيداً يعاني إشكاليات الوحدة، ونتائجها المدمرة على صبي في عمره.
مخاوف جسوم وجدت لها متنفساً عبر أحلامه الساذجة التي جعلته يعتمد على قط وقطة وفأر وببغاء في مداراة هواجسه، هذه المخلوقات الصديقة أمكنها أن تؤنس وحشة الطفل المتروك لرهاب الظلمة، والمهدد بخطر الأعداء واللصوص، حصل ذلك وسط أجواء من الإثارة المدروسة، وكانت المفارقة صارخة وسط صراع يعوزه التكافؤ: مخاطر حقيقية يمثلها لصان يحاولان سرقة منزل جسوم يجري التصدي لها عبر أحلام وادعة لطفل يستنجد بكائنات ضعيفة عاجزة عن إحداث التأثير المطلوب، وفي محاولة ناجحة لإضفاء قدر من السوريالية المطلوبة على الموقف، يتدخل القمر متوجهاً بالنصح إلى الحيوانات، يدعوها لتقديم ما أمكنها من الدعم لجسوم، لأنه يحتاجه..
تنويع ثري
وعلى هذا المنوال المتأرجح بين الخيال والواقع تعاقبت فصول المسرحية، مفسحة المجال في اللحظات المناسبة لتمرير يعض الأغاني المعبرة التي وضع كلماتها وصاغ ألحانها الفنان عبدالله صالح، فيما تولى التوزيع الموسيقي الفنان ميرزا المازم، وكان لإدراجها في سياق النص المسرحي أن منحه قدراً ملائماً من التنويع المثري، حيث ساهمت في مد النص الشفهي بفسحة من الترفيه..
رسالة عائلية
من جهته، أعرب مخرج العمل محمد سعيد السلطي عن رضاه المبدئي على الإنجاز، مثمناً قبول المشاهدين له، وتفاعلهم معه بما يستحق، ومشيراً إلى أن الهدف الذي كان يصبو إليه من خلاله قد تحقق، حيث أمكنه أن يقدم جرعة تثقيفية في قالب من التشويق. واعتبر السلطي أن مسرحيته ليست موجهة إلى الأطفال وحدهم، بل يمكن اعتبارها رسالة نحو العائلة بأكملها، حيث هي تسلط الضوء على مكامن الخلل في تعاطي بعض الأهل مع أبنائهم، وتؤكد خطورة التعامل مع الأولاد من زاوية تأمين الاكتفاء الاقتصادي فقط، ذلك أن ثمة حاجات نفسية لا بد من إشباعها، وفي مقدمها المشاركة وبث الشعور بالأمان في نفوسهم. السلطي أوضح أنه لم يهدف عبر عمله المسرحي إلى توجيه اللوم للأهل، بقدر ما حاول وضع الجميع أمام مسؤولياتهم، وتنبيههم إلى ما يمكن أن يكونوا قد غفلوا عنه في سياق الزحام اليومي، معرباً عن أمله في أن تنجح رسالته الفنية في دفع البعض للتفكير بمحاسبة ذواتهم، وتحديد ما إذا كان هناك خلل ما يعتري علاقاتهم بمن يحيط بهم، وبأبنائهم خاصة..
يقوم الممثل حسن التميمي بدورين في المسرحية، يجسد في الأول وظيفة الأب الغافل عن مخاوف ابنه الوحيد، هو يمارس حياته الاعتيادية المتوزعة بين العمل والأنشطة الاجتماعية من سهر وزيارات وسواها، مفترضاً أنه يقوم بواجبه حيال ابنه عبر تأمين احتياجاته المادية، وحتى عندما يفاجئ اللصين وهما يقيدان ابنه إلى كرسي، يتمكن هذان من إقناعه بأنهما يلعبان لعبة «شرطة وحرامية» مع جسوم، وأنه ليس من حاجة للذعر بالتالي، فيذهب إلى النوم مطمئناً!
أما الدور الثاني فهو دور القمر الذي يجسد الحكمة حيث يطل في اللحظات الحرجة موجهاً شخوص المسرحية نحو ما يجدر بهم فعله حيال التطورات المستجدة، يفعل ذلك في سياق نقاشي يتفادى الوعظ المباشر، ويستعين بالحجج والبراهين المقنعة التي تعدل من سلوكيات المعنيين، فيقرر كل من القط والقطة والفأر والببغاء الخروج عن الحياد السلبي، والانخراط في مواجهة مع اللصين رغم انعدام التكافؤ..
يوضح التميمي أن فكرة دوره تقوم على ضرورة وجود رجل حكيم يتولى توجيه الجماعة نحو ما غاب عنها من واجبات أخلاقية، مشيراً إلى أن فكرة النص تتجاوز حدود البيت العائلي لتشكل إسقاطات على تجمعات بشرية أكثر اتساعاً، وهو يركز على أن لا مجال أمام أي كان للتعاطي بحيادية مع ظاهرة تخلي الأهل عن أبنائهم أياً تكن الذريعة. التميمي يعتبر أن مهمة الفن الهادف تتمحور حول رصد الظواهر الشاذة في بيئة اجتماعية ما، وتلفت النظر إليها بنية التخلص منها، ذلك أن التغاضي عن الخطأ يساهم في جعله صواباً، ويكون على الناس دفع الضربية من حيث لا يحتسب أحد منهم..
الأم أولاً
كذاك تقوم الممثلة شروق بدور الوالدة في المسرحية، وهي عنصر الالتباس الرئيسي في مسيرة العائلة، حيث تبدي حرصاً مبالغاً فيه على حضور الحفلات والمناسبات الاجتماعية المختلفة، مصادرة دور زوجها، وقدرته على الممانعة، شروق ترى أن مهمة المسرح تتلخص في مزيج مدروس من الترفيه والتوجيه، وفي خلطة متقنة من الكوميديا والجدية، وترى في دورها سمة مفصلية، ذلك أن واجب الأم حيال أبنائها لا يقبل النقاش وهي معنية أكثر من الأب برصد الثغرات التي تعري مسارهم الحياتي، ومحاولة ردمها عبر التواصل والحماية..
انكفائية مدانة
بدوره يوضح الممثل فهد إبراهيم أن دور القط الذي لعبه في المسرحية يرمز إلى انكفائية بعض الناس عن القيام بالدور المطلوب منهم حيال المستجدات التي تعترض طريق من يحيط بهم، مشيراً إلى أن أحداً لا يسعه الادعاء ببراءة ذمته عندما يكون المجتمع أمام خطر يحيق بالجميع من أبنائه، ويتهدد الفئة الغالبة منهم.
يضيف إبراهيم: الطفل عماد المجتمع، ومن الضروري الحرص على إسعاده إذا كنا ننشد مستقبلاً مشرقاً لمجتمعاتنا، وتحقيق ذلك يستدعي العمل على تنشئته تنشئة سليمة، وتنقية حياته من الشوائب النفسية التي تعتريها أثناء الرحلة من الطفولة نحو معترك الحياة..
وجوه واعدة
من الوجوه الواعدة التي كشفت عنها المسرحية وجه طفولي يمثله خالد محمد، ابن السنوات العشر وهو لعب دور الفأر المشاغب الذي ينحاز للعبث ونصب الأفخاخ للآخرين، لكنه يعرف اللحظة المناسبة التي يتعين عليه خلالها التخلي عن شغبه، والانخراط في مهام المواجهة مع خصوم يفوقونه قدرة وزخماً.
يقول خالد الذي أدى دوره بإتقان مبشر إنه متفائل بتجربته المسرحية الأولى، وهي علمته ضرورة تقديم يد العون إلى من يحتاجه..

رسائل ضرورية
أكد عبدالله المقبالي الذي يلعب دور أحد اللصين في المسرحية أهمية المسرح في توجيه الرسائل الإيجابية إلى المجتمع، ودق أجراس الخطر عندما يكون ذلك ضرورياً للتحذير من عقبات معيقة تهدد سبل التطور الأمثل، والسير نحو مستقبل مشرق.. المقبالي الذي سبقت له المشاركة بمجموعة من الأعمال المسرحية، شدد على مسؤولية الأهل عن المشاكل التي تعترض أبناءهم، والتي لا يستطيعون التبرؤ منها بإعلان عدم معرفتهم بها، ذلك أنهم مسؤولون عن حالة التجاهل تلك، ويجدر بهم تخطيها، معتبراً أن هذه الرسالة هي في جوهر العمل المسرحي، وهي رسالة مشروعة ومن الضروري إيصالها إلى من يعنيهم الأمر.

مشاركة
توقف الممثل مروان السنهوري عند دور الببغاء الذي يقدمه، والذي لا يمنعه سجنه من القيام بما هو مطلوب منه في التصدي للصوص لدى اقتحامهم المنزل، مروان يرى أن الممثل الناجح لا بد له من الاعتماد على عوامل عدة أبرزها أساليب متجددة في الحركة، واستيعاب دقيق لطبيعة الشخصية المؤداة، موضحاً أن الهدف الأساسي الذي تسعى إليه مسرحية «جسوم وحيداً» هو دعوة الأهل للالتفات إلى متطلبات أبنائهم وإحاطتهم بما يلزم من الرعاية والاهتمام..

اقرأ أيضا