أرشيف دنيا

الاتحاد

الأطباق التراثية تحافظ على مكانتها في «فوالة» العيد

الأكلات الشعبية حاضرة ضمن فوالة العيد

الأكلات الشعبية حاضرة ضمن فوالة العيد

للضيافة قيمة اجتماعية ونفسية تبدو آثارها على المضيف والضيف، لاسيما في الأعياد والمناسبات، حتى وإن كانت فنجان قهوة، وتختلف أشكال الضيافة من بلد إلى آخر حسب الموروث والوضع الاقتصادي، ومحليا اشتهرت فوالة العيد بأطباقها وقيمتها ورغم التغيرات التي طرأت على مكوناتها، إلا أنها لا تزال تحافظ على أطباقها التراثية وتدخل عليها بعضاً من الأصناف الأخرى إمعانا في إكرام ضيوف العيد.

(دبي) - قديماً كان الرجال يعودون من المدينة بعد جولة في الأسواق، محملين بالقهوة والقماش والعطور والقمح والسكر، وبأشياء أخرى ثمينة بالنسبة لمن يملك المال من أجل استقبال عيد الفطر، واليوم وقبل العيد لم يعد الرجال وحدهم يخرجون للتسوق، لأن النساء أصبحن يتسوقن أيضا لتوفير الاحتياجات والمستلزمات لاستقبال العيد، فيما هم مشغولون بساعات طويلة من العمل الوظيفي أو التجاري.
ضيافة الزوار
تستعد الأسر الإماراتية لتحضير ضيافة العيد، حيث يتم صنع بعض الحلويات البسيطة مثل القرص المفروك والبلاليط للإفطار وللضيوف، وربما في الماضي لم تكن تتوافر الفواكه مثلما عليه السوق اليوم، ولكن دخلت بعض المعلبات التي تحوي الأناناس والكرز وكانت باهظة الثمن لذا كانت تخبأ للعيد، واليوم تعود الأطباق الشعبية لتتصدر سفرة العيد.
إلى ذلك، تقول خديجة الشحي، من أم القيوين، إن من صور التعبير عن استقبال عيد الفطر، تحري رؤية هلال شوال فيتجمع الرجال من قبل أذان المغرب، لأن الهلال لا يبقى إلا لحظات، وعند رؤيته يتم إطلاق الأعيرة النارية ابتهاجا، وهو إعلان لكل الناس الذين ينتظرون سماع تلك الطلقات، وتعد صلاة العيد أهم مظهر وشعيرة دينية، وهي فرصة لأول لقاء بين الناس عند المصليات، وبعد الصلاة يذهب المصلون لتهنئة أهلهم أولا ومن ثم يذهب الرجال في مجموعات وأفواج لكبير القوم، ويكون من الأعيان أو الشيوخ في الإمارة، أو من الأجلاء وعندما يخرجون تكون قد تمت دعوتهم من أحد الحضور للتفضل لتناول القهوة في بيته، ويعني ذلك الفوالة أو الضيافة وهي الحلويات أو الهريس، وربما يكون بعضهم ذبح وأولم لهم بالأرز واللحم، وفي منزل آخر الثريد على لحم أو دجاج حسب حالة أهل البيت.
وتضيف «عادة في أول أيام العيد لا يتم طبخ وجبة الغداء لأن الناس تمتلئ بطونهم حتى الشبع خلال الزيارات الكثيرة، وفي الماضي كان الناس يهنئون بعضهم بالدخول والخروج من البيوت سيرا على الأقدام، حيث لم تكن هناك سيارات، ويبقى الصغار يلعبون ويعدون النقود التي أعطيت لهم كعيدية، وبعد صلاة العصر قد تقام حلقات للفلكلور الشعبي مثل اليولة والرزفة وغيرها حسب القبائل ومكان وجودهم وهي تمارس من الرجال ويحضرها الناس من كل مكان».
التفاؤل بالضيف
من جانبها، تقول أم عبدالله النقبي، من رأس الخيمة، إن النساء يجتمعن بعد أن يهنئن رجال الأسرة، وقد تجلس المرأة مع الجارات والقريبات عند باب البيت أو داخل فناء المنزل، وتترك الباب الرئيسي مفتوحا. وعن ضيافة العيد تقول «الجميع متفقون على أن للضيافة قيمة اجتماعية ونفسية تبدو آثارها على المضيف والضيف، حتى وإن كانت فنجان قهوة، وتختلف أشكال الضيافة من بلد إلى آخر حسب الموروث والوضع الاقتصادي».
وتضيف أن الإمارات منذ عهد قديم من الدول التي تعتز بالضيافة ويعتبر مواطنو الإمارات الضيافة واجبا ضروريا يعبر عن الكرم، ومن أوجه الضيافة الأساسية تقديم الفوالة، ويقال إن اللفظ مشتق من الفال أو الفأل وهو تفاؤل أهل الدار بالضيف، وهي تمنح الضيف الإحساس بأنه مرحب به، ولو بحبات من التمر أو الرطب البلح وفنجان من القهوة.
وتتابع «في العيد تتصدر الضيافة أفسح الأماكن في البيوت، وركيزتها الداعي الذي يجب أن يكون مبتهجا وفرحا بالضيافة وباستقباله للضيوف، وبعد تحضير الأطعمة تغطى بالمكبة السعفية هرمية الشكل في انتظار الناس كي يتفاءلوا»، مشيرة إلى أنه من أهم واجبات الضيافة في العيد أن يكون الداعي بشوش.
وتشرح النقبي أن البعض يفتح منزله للاستقبال ولكن ملامح وجهه وتعابيره تنم عن الضيق، والناس لا تأتي من أجل الطعام، فكل بيت فيه الخير الكثير، ومن الخيرات أشهى الحلويات والأطباق الشعبية، وقد وصلت الفوالة إلى أرقى صورها في يومنا هذا، حتى أصبحت تقدم على شكل بوفيه أوسفرة في منتهى الأناقة من حيث التنسيق والأكسسوارات وشكل الأطباق المقدمة».
إعداد السفرة
عن إعداد سفرة العيد أو الفوالة منذ قديم الزمان إلى اليوم، تقول شيخة عبيد إن الفوالة والضيافة في الماضي كانت بسيطة جدا مقارنة باليوم، ومن الأطباق التي تقدم الهريس والبعض يذبح ذبيحة ليطبخ العيش واللحم، وهي وجبة تدل على محتوياتها ولكن نكهتها خاصة جدا، ويعرفها الناس من رائحتها المميزة حيث تقدم في الأعراس والأعياد والمناسبات، والبعض كان يصنع الساقو والبلاليط، أو إحداهما حسب إمكانياته المادية، ويضع مع الطبق التمور والكامي وهو إنتاج من الألبان. ومن يملك المال من الأثرياء كان يقدم الساقو والبلاليط والخبيص والبثيث والعصيدة وخبز الرقاق الذي يصب عليه العسل.
وتضيف «من مظاهر التطور دخول الفواكه المعلبة التي لم تكن تزرع، مثل الأناناس ويطلق عليه محليا عنص والكرز المعلب المحلى والخوخ المعلب، فكان من يستطيع أن يشتري من تلك المنتجات ويضعها على سفرة العيد فوالة العيد يعتبر ممن يملكون الثمين من الطعام، ثم عرفت النساء في تلك الفترة البسكوت والكسترد ويسمى العراروت وهو من أفضل الحلويات محليا».
وتتابع عبيد «من الأطباق النادرة التي تظهر في العيد قرص العقيلي الذي يؤتى به أحياناً من الكويت والخنفروش، ولكن ليس كل البيوت كانت تخبزها فهي تحتاج للكثير من المكونات الغذائية، التي كان البعض يحب توفيرها لأهل بيته لحاجتهم إليها، وليس من أجل إدخالها للضيوف، حيث يحتاج الخنفروش مثلا إلى عشرات الحبات من البيض الطازج الذي لم يكن متوافرا في السوق كاليوم، كما أنها أطباق تحتاج إلى الزعفران وهو ثمين ويباع بالجرام قديما وحاليا بالتولة».
تطور «الفوالة»
منذ أن انتشر التعليم ودخلت الجاليات العربية والأجنبية إلى الإمارات، بدأت المرأة في تطوير ذاتها، وسارعت إلى تطوير وتحديث أساليب أخرى ضمن إطار الأسرة فمن تطويرها لأساليب التربية إلى العلاقة الزوجية ودبلوماسية التعامل مع الآخرين، إلى فن اختيار ملابسها إلى تنويع الوجبات وتطوير الأطباق الغريبة التي دخلت للمطبخ الإماراتي، فأصبحت تتقن معظم وجبات الشعوب الأخرى وتدخلها بشكل يومي ضمن الوجبات أو ما يقدم بين الوجبات، ومنها الحلويات والعصائر، ومن بين السيدات اللاتي اشتهرن بطيب ما يعددن من أطباق أم حمد، وهي معروفة في إمارة الشارقة بالبهارات وطهيها الشهي.
تقول أم حمد إن السيدات يعددن أطباقاً مبتكرة للضيافة في الأعياد، وقد قامت البيوت الإماراتية بإضافة العشرات من الأطباق التي تم تجديدها إلى سفرة العيد، وبالأخص للحلويات ولكن تبقى فوالة العيد في معظم البيوت على هيئتها التقليدية، وذلك يبدأ من مد سفرة دائرية أو مستطيلة تعرف بصماط أو صرود تراثي، وقد تم تطويره بتغليفه بحياكة مادة بلاستيكية عازلة، والبعض استبدل الصماط بالطاولات الضخمة لتصف عليها عشرات الأطباق من أروع الحلويات الحديثة والقديمة.
وتكمل أم حمد قائلة إن «الأطباق التراثية تبقى المتصدرة، حتى أصبحت الجاليات تحب تذوقها، مثل الهريس والعيش واللحم، والكثيرون يفضلون العرسية بالإضافة إلى أنواع عديدة من الحلويات التراثية، ويفضل البعض طبخ اللوبيا البيضاء الصغيرة حيث تسلق وتملح، ويضع البعض الآخر باجلة ودنجو وهنو فول عريض وحمص الشام مسلوقا ومبهرا بالشطة الحمراء». لكنها تشير إلى دخول البان كيك الفرنسي وكيكة الجبن وأصابع الفيمتو وحلوى الفيمتو وهي أطباق من تأليف ربات البيوت، ويحرص الناس على شراء البتي فور والبقلاوة والبلورية وأنواع الشوكولاته الراقية لإضافتها إلى فوالة العيد.

اقرأ أيضا