الاتحاد

ثقافة

ديلان توماس.. شاعر الحمم الحميم

ديلان توماس

ديلان توماس

جيل براسّنيتزار
ترجمة: حمد حميدة

«نحو المدينة الجوهرية أسير.. طالما دامت أبديتنا»
(توماس ديلان)

يعد ديلان توماس في بلاد ما وراء المانش، واحداً من أكبر شعراء القرن العشرين؛ وقد جعل مترجمه، الشاعر آلان سويد، شعره يتوهج وينبض باللغة الفرنسية. لقد كان من تلك الأرواح المتمردة التي اقتربت كثيراً من الشمس، فتحللت في الكحول واحترقت؛ وكان يبدو، وكأن نبضه الداخلي، تنتظمه حالة من الانتشاء والغيبوبة في اللغة. كان راوياً مبهراً، ومن الأوائل الذين سجلوا قصائدهم وعاشوا من إلقاء المحاضرات واللعب بصوته المؤثر.
ديلان توماس المولود في 27 أكتوبر سنة 1914 في «سوانسيا»، المدينة الساحلية ببلاد الغال، كان يعرف القليل من تلك اللغة، ولكنه كان يعرف الكثير عن كل لغات العالم، وعن لغة الأموات الذين يأتون كل ليلة للتحدث إلى الأحياء. كان ابنا لأب مدرس، قاس وشديد، لا يريد سماع غير اللغة الإنجلـيزية في بيته؛ ودفعه ذلك إلى الانغمار في حلم اليقظة وتجميل شبابه بوحي من ألوان الخيال، وسيظل محتفظا في ذاكرته دوما بالأيام التي قضاها بمزرعة كرمنتان، التي كانت تمتلكها عائلة أمه، وبأيام الشباب في سوانسيا.

 

سيرة متوهجة ومحترقة
في نوفمبر 1914 سافر إلى لندن ليقبل هناك على الحياة الأدبية، مدركاً تماماً رحابة مواهبه في الكتابة ونظم الشعر. وفي سن العشرين أصدر ديوانه «ثمانية عشر قصيدا» الذي جعل صيته ينتشر بين الناس؛ ثم نشر بعد ذلك «ستة وعشرون قصيدا» سنة 1936، ثم «خارطة الحب» سنة 1939، ثم «مداخل ومنايا» سنة 1946، ثم أنطولوجيا شعره، وهي «القصائد المختارة» التي ستكرسه «أميراً للشعر». كتب أيضا الرواية وسيناريوهات للأفلام، كما أنتج عديد البرامج الإذاعية والمسرحيات.
التقى بكاتلين مكنامرا سنة 1936، لتصبح هذه المرأة شريكة حياته؛ وبعد زواجهما في تموز 1937، لن تفرّق بينهما الأيام؛ ولكن ديلان كما زوجته أيضا، كانت لهما علاقات أخرى، وفي سنة 1938، عاد ديلان إلى مسقط ٍرأسه ببلاد الغال ليعيش هناك.
ستلقى أعمال ديلان رواجاً شبيهاً برواج موسيقى نجوم الروك، قبل أن يقبل على تدمير نفسه في الحانات وبيوت الدعارة، ثم في نيويورك سنة 1953. وسيفاجئه الموت في غمرة جولته الرابعة بنيويورك لقراءة شعره، وقبل أن يختم التاسعة والثلاثين؛ سينهار في النزل الذي يقيم فيه، نزل كلزيا المحبب إليه؛ وكان ذلك في 3 نوفمبر 1953.
أعيد جثمانه إلى بلاد الغال، حيث دفن بلوغهارن في الجنوب الغربي من هذا الإقليم، يحرسه ظل صليب.
في سن العشرين كان قد ختم تقريباً أعماله، ولكنه لم يعرف مادة الأبسنت المخدرة، فعاش متأرجحاً بين انفلاتاته الشعرية وانفلاتاته الكحولية. وذاك الذي كتب مثل ذلك الشعر العميق، لا يمكن أن يكون إلا شخص دمث الأخلاق ومتهلل. بشَعره المتجعد وقامته المربوعة، كان يفتح عينيه على العالم، ولا شك أنه كان يزدريه. مصاباً بمرض الربو وبالتهاب الرئة، كانت أمه تعالجه بحكايات تسردها على مسامعه، وقد ترسبت تلك الكلمات في رأسه كنغمة طويلة المدى.

مرح.. صاخب وسكّير
كان ديلان محرضاً بلا حدود، ووحش سيرك شعري، يلقي أشعاره في منتديات النخبة الأميركية والإنجليزية. وكان جمهور الحاضرين يلقي له بقطع من السكر فيلتقطها وهو يلقي قصائده بصوته القوي، فيجعل عجائز الأرستقراطية يرتجفن. ومنذ فبراير 1952 شرع بنجاح كبير في تسجيل أشعاره. وما إن أتم قول ما كان يضج بداخله، حدد وجهته في ما سيتبقى من عمره: مغازلة النساء، والسكر حد الإغماء، لينسى أنه كان في يوم ما.. الشاعر المدهش.. جذاب ومغناطيسي الحضور، كان يلقي كلماته بمهارة قاذف الكرات، ممثلاً ومسرحياً. بملمحه الوسيم وأنفه الخانس وصوته الأجش، كان يمر بين الناس وهو في حالة شرود، لا يبدي مرارة أو قسوة.
مفتون بتجليات الضياء في الليل وبإشراقة بشرة النساء، كان يترنح متحذلقا، ليعيش حالات إشراقية عندما يغدو وحيدا أمام ورقة بيضاء. كان صورة لفنان شبيه بكلب يافع؛ وككلب يافع وهائج سيعرف كيف ينتفض، كيف يصرخ للقمر، وكيف يعض البرجوازيين من سيقان يقينياتهم الرخوة.
كلماته كانت تزيد في درجة سكره وانتشائه: «بعد الموتة الأولى.. لا شيء آخر ننتظره». كان يدرك أنه على وشك السقوط، ويذكر بأنه كان يدقق النظر نهارا، في قوة الشرر الأخضر المنبعث من آلة اللحام كي تولد الزهرة.
لقد ألصق أذنه على بطن الأرض فأدرك حدة العنف الذي يصطخب فيها وما تولده من خراب، كما خبر أسرار الحياة. وكان عالم الطفولة هو الذي يستهويه ويوحي إليه أعذب أهازيجه وأغانيه؛ وتنطوي في هذه الأهازيج، المسيرة الحيوية للطبيعة، البراءة المفقودة، نفسُُ البدايات، ونفس الخلق: «في البدء كانت الكلمة/‏‏‏ الكلمة التي من معين النور/‏‏‏ اختلست كل حروف الخواء».
كان ديلان توماس طاقة جامحة، هذيان في حالة حركة، مسعور، كان مرحاً وصاخباً، كما كان مفجوعاً أيضا. وكانت لا تستهويه الرومنطيقية المتأخرة وابتعادها عن المشاغل الاجتماعية والسياسية. ولم يكن له تأثير على شعراء آخرين باستثناء سيلفيا بلاث التي كانت تدمن قراءته.

شاعر العطش الأكبر
كان توماس ديلان رجل العطش الأكبر الذي لا يرتوي؛ تعطش للمشاعر القوية والعميقة؛ تعطش لشرب الأرض المنصهرة، حممها ومحيطاتها؛ فشعره كوني ومزلزل، ينبثق من اصطخاب عالمه الداخلي، الضاج بالصور والعنف.
ولكن نبض نشيده الحسي والعاطفي تنضاف إليه انفلاتات صوفية وأحيانا ميتافيزيقية. فالإنجيل الذي كان ينصت إليه في طفولته وهو يرتل، كان يسقيه، ناقلا إليه صورا عن الخير والشر وعن الشياطين وغوايتهم. ويحمل ديلان عبء ذلك الطفل الميت، والذي سيظل يلاحقه كالشبح: «إنني شبح لذاك الصديق المجهول وبدون اسم والذي يكتب كلمات هي كلماتي..».
لا شك بأن بحثه عن الفردوس المفقود كان بحثا عن الذات، ولكن أيضا عودة إلى بداية التكوين.. إلى البراءة الأولى. بنبرات متنبئ، كان هذا «الصانع المبارك»، قد استطاع، بخيمياء كلماته، والجمالية الغامضة والملغزة لصوره الشعرية، تغيير مسار الشعر الإنجليزي. كان شاهد عيان للقصف المدمر على لندن، ولكنه كان أحرص على وصف القصف الذي كان يطال حياته. مدركا أن «الظلام هو الذي يشكل الإنسان»، وبهذا الظلام كان ديلان قد امتلأ.
كتب ديلان قصائد عديدة بمناسبة أعياد ميلاده، ولكن لا ليحتفي بنفسه مثل وولت ويتمن، ولا للحديث عن سن الريح الذي كان سنه، ولكن ليهزج رعبه ويذكر بأنه في كل لحظة يزداد قرباً من الموت.
كان يدرك بأن الحب ليس سوى «ذرتا رمل في فراش/‏‏‏ رأسان يسند أحدهما الآخر بجوار القمر»، ومع ذلك لن تكون له سوى امرأة وحيدة في حياته، صديقة طفولته كايتلين مكنامرا.
كان يريد أن يستقر كجلمود صخر، فاستقر بيننا كمنارة، كشمس مغمغمة في عالم لا يزال مظلما. كان يقول عن نفسه بأنه «الشاعر الذي يقف أمام باب الجحيم»، وبأنه يمثُل ومعه «براءته» أي تجواله الطليق في مروج الكلمات. إنه ينط ما بين عزلته الداخلية التي لا تُسكنها غير الكحول، ووضعه كشاعر «ملعون» متمرد على الحال الذي يتردى فيه العالم. كان دائما منشغلا بخربشة قصيدة رائعة على فاتورة خلاص.
مندهشاً مع كل عيد من أعياد ميلاده من أنه لا يزال على قيد الحياة، كان ـ وهو يحدوه الفرح ـ يمعن في تدمير نفسه. كما كان يدرك رقة المرآة الفاصلة بين الوهم والواقع، فيحلو له التأرجح بينهما دون التفكير بجد في الأبدية.
توماس ديلان شاعر رائع وجذاب، بل هو من أكثر الشعراء جدارة بالمحبة، وهو الذي عرف كيف يتحول إلى أسطورة، فيما أن آخرين ممن هزهم الزهو بفنهم، كان مآلهم التواري في ليل النسيان. وهذا المهرج المغتبط تحت ضوء القمر، هذا المهرج الرائع، استطاع أن ينفخ في الواقع ما يجعله أكثر إشراقا. كان يحاول فقط «إطفاء الكلمات المجنونة» التي كان يخربشها تمجيدا للخطأ القاتل ما بين الولادة والموت؛ فكان لا يقوى على النوم دون جروح، ولا على الحلم دون الرفض المطلق للبكاء على الموت، وهو الإنسان المقبل بكليته على الحياة، وهو اللاهث في مسيرة حياته.

 

اقرأ أيضا

100 فيلم في «كرامة لأفلام حقوق الإنسان»