الثلاثاء 28 يونيو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
قاتل بالمصادفة
قاتل بالمصادفة
29 أغسطس 2013 20:24
كانت عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشرة والربع مساء تقريبا عندما عاد الصديقان «داسر» و»احمد» إلى شقة الأول التي تقع في المنطقة الراقية المعروفة بالهدوء الشديد خاصة ليلا، وتكاد شوارعها تخلو تماما شتاءً، دخل داسر غرفة النوم لتبديل ملابسه، بينما ظل الآخر ممدا ساقيه على الأريكة الوثيرة في الصالة، كان شاردا في أشياء وأفكار كثيرة تزاحمت بها رأسه، لم يخلع حذاءه ولم يخرج من هذه الحال إلا على سؤال من صديقه، لماذا انت على هذه الحال من الاستغراق في التفكير الذي يصل إلى حد الهم الكبير، تنهد وهو يمسح وجهه بكلتا يديه محاولا أن ينفي وجود أي شيء يكدر عليه الصفو، وقف وهو يهز يده ويحرك المفاتيح التي كانت بين أصابعه، بما يشير إلى أنه يعتزم الانصراف وقد غير رأيه. كان الحوار بينهما سريعا مثل لاعبين يتبادلان الكرة بين إقدامهما واستغرق ما يقرب من خمس دقائق، وفي النهاية اتفقا على أن يتناولا العشاء معا ثم يقرر ما يحدث بعد ذلك، وامسك بهاتفه المحمول وأجرى اتصالا بالمطعم المشهور الذي يتعامل معه ويعرفه العاملون به وطلب وجبتين سريعتين، المسافة بين البيت والمطعم قريبة حيث يقعان في نفس الشارع، فجاء عامل «الدليفري» خلال ربع ساعة حاملا الطعام وحصل على «البقشيش» الكبير وانصرف شاكرا. بدأ الصديقان تناول الطعام وهما يتحدثان في موضوعات شتى، قام داسر بإحضار زجاجة خمر عتيقة من النوع الفاخر المستورد التي لا يعرف صديقه حتى اسمها وأن ثمنها ربما يكون كفيلا ليحل له بعضا من مشاكله، وبدآ الشراب مع الطعام، هذه المرة لم يمانع احمد ولم يجادل مثل ذي قبل، حيث كان يرفض تناول الخمور ولكن مرة بعد مرة اصبح يشاركه الشراب، خاصة عندما يكون معهما أشخاص آخرون، ولعبت الخمر برأس داسر لأنه أفرط في الشراب ظهر عليه السكر على الرغم من أنه يعتاد هذه الأنواع، بدأ يضحك بشكل هستيري، ثم يلقي بكل الأشياء التي حوله على الأرض، ولم يستطع أحمد أن يوقفه، وتطور الأمر إلى قيامه بتكسير الأكواب والزجاجات الفارغة والمملوءة أيضاً يقذف بها على الأرض، وهو يواصل الضحك، وكذلك البكاء فهو لا يدري ما يفعل. حاول أحمد أن يترك المكان بعدما رفض صديقه النوم أو الكف عما يفعل، فأمسك به داسر محاولا التعدي عليه، فدفعه دفعة قوية أسقطته على الأرض، فأصيب بجرح في يده من الزجاج المتناثر، وأمسك بقطعة من الزجاج، وهو يقلد أفعال البلطجية في المشاجرات الشعبية واندفع نحوه فأصابه في يده بجرح عميق، لكن احمد بعد إصابته حاول أن يسيطر عليه، وينهي الأمر لكنه لم يستطع، إذ قام داسر وواصل التعدي عليه بقطعة أخرى من الزجاج، فتفاداها وأراد أن يمسك به ويأخذها منه فأصيب في رقبته، يبدو أن الإصابة قطعت احد الشرايين الرئيسية، حيث إن الدماء سالت غزيرة منه جعلته يفقد القدرة على الحركة ويسقط في مكانه ثم شهق شهقة عالية ولفظ آخر أنفاسه، ولم يدر احمد ماذا يفعل فقد اصبح قاتلا رغم انفه، تحجرت دموعه، ارتعش، وهو مازال واقفا ينظر إلى مشهد الدم وأمامه الجثة. لم يبتعد عن مسرح الجريمة ما زالت في زجاجة الخمر بقية باقية، فملأ كأسا وتناولها وهو يزفر، ثم اشعل سيجارة من علبة صديقه التي كانت فوق المنضدة، الساعة تجاوزت الثانية عشرة والثلث بعد منتصف الليل، لا يدري ماذا يفعل ولا كيف يتصرف في المصيبة التي حلت به، ملابسه ملطخة بالدماء وازدادت تلوثا بعد أن قام بسحب الجثة ووضعها في الحمام، ولا يدري لماذا فعل ذلك إلا إذا كان يتوهم أنه يخفيها، خلع ملابسه الملوثة وأخذ قميصا وبنطالا من خزانة الملابس في غرفة النوم وارتداهما، لكنه غير قادر حتى الآن على السيطرة على أعصابه، لا يدري كيف يعود إلى منزله وهو في هذه الحال، التقط مفاتيح سيارة داسر الفاخرة، وخرج مهرولا يريد أن يتخلص من الموقف، في المدخل كان الناطور ما زال مستيقظا يغالبه النوم، لم يلق عليه التحية كما اعتاد من قبل، واسرع الخطى، أدار محرك السيارة وانطلق بها بسرعة على الرغم من أنه لا يجيد القيادة بشكل كبير، يشعر أن تركه للمكان هو النجاة وفيه الخلاص من الجريمة التي ارتكبها بلا قصد ولا سابق نية، ساعده هدوء الشارع على قيادة السيارة بسلام حتى وصل بالقرب من منزله، فأوقف السيارة لأن الشارع ضيق وترجل إلى أن وصل إلى بيته، صعد السلم وفتح الباب، سألته أخته عن سبب تأخره فلم يجبها، سألته إن كان يريد أن يتناول العشاء، فرد عليها باقتضاب بانه مجهد ويريد أن ينام ولا يريد لأحد أن يوقظه مهما حدث حتى يستيقظ من تلقاء نفسه، فاحترمت رغبته ولاحظت مؤخرا أن الملابس التي يرتديها ليست ملابسه، فسألته عن ذلك أيضا، فرد عليها بعصبية شديدة بأن تخرس وراح يغط في نوم عميق. في الصباح اتصلت ماجدة بشقيقها داسر لتحصل منه على مفاتيح «الاتيليه» الذي يملكه وتديره له، فلم يرد لا على الهاتف المحمول ولا على تليفون المنزل، وفي الحقيقة فإن الهاتف المحمول كان مع احمد أخذه مع مفاتيح السيارة، أصابها القلق فتوجهت إليه، وفتحت الباب فهي تحتفظ بنسخة من مفتاح الشقة، في البداية وقعت عيناها على الدماء في الصالة وقد كانت متناثرة على الأرض وعلى قطع الأثاث، أسقط في يدها قبل أن تدخل بسرعة وتتبع الدماء حتى وجدت شقيقها جثة هامدة في الحمام، صرخت بأعلى صوتها وحضر بعض الجيران الذين في الغالب لا يغيثون مستغيثا ولا يستجيبون لمستنجد، ولا يردون على ملهوف، حسب طبيعتهم وثقافتهم في تلك المنطقة الراقية، واتصلت بالشرطة لتبلغ عن الواقعة. تم رسم مسرح الجريمة الغامضة، لم يكن هناك شاهد عيان ولا دليل، حتى الناطور لم يتعرف إلى الشخص الذي كان آخر واحد مع القتيل، لأنه كان بين النوم واليقظة، ومما يزيد الموقف صعوبة أن الضحية شاب له علاقات واسعة ومتعددة وكثيرة جدا ومنهم نجوم مجتمع ومشاهير وفنانون ولاعبو كرة وغير ذلك، ولم تشر أصابع الاتهام إلى احد، وخلال اقل من ساعة كان هناك العشرات بل المئات من أصدقاء القتيل من الرجال والنساء والشباب من الجنسين وكثير منهم من المعروفين ولم يكن عند أي منهم جواب عن السؤال الملح الآن من الذي ارتكب الجريمة؟ لكن الطريق المسدود لا يعني الوقوف بلا بحث، وإنما يعني جمع الأدلة مهما كانت ضعيفة وقليلة، وفي الحقيقة هي شبه معدومة. وجاءت بداية الخيط باكتشاف وجود بقايا طعام لشخصين في مسرح الجريمة، مما يدل على أن القاتل معروف للقتيل وليس غريبا عنه، وكذلك عدم وجود الهاتف المحمول للقتيل، ثم اختفاء السيارة، وهنا يتجه البحث بين أصدقاء القتيل، ومضت ساعات عدة، ولم تأت بجديد يذكر حتى استيقظ احمد من النوم،و وبدأ يستخدم الهاتف المحمول الخاص بالقتيل وتم رصده وعلى الفور توجهت قوة إلى حيث يقيم فعثرت على السيارة أولا، ثم توجهت إلى منزله، طرقوا الباب وجدوه في الداخل في غرفته عاجلهم بالخروج اليهم ومد يديه إلى القيود الحديدية فهو يعرف سبب مجيئهم وعلى الرغم من انه كان يتمنى ألا يتم التوصل إليه، فإن الأمر الآن انتهى ووقع الفأس في الرأس وانكشف المستور. كانت تلك الجريمة والنهاية، لكن كيف كانت البداية، وما سبب الصداقة بين هذين الشابين اللذين كانا عل طرفي نقيض في كل شيء، في التحقيقات كانت الإجابات عن كل التساؤلات، فهذا القتيل تجاوز الخامسة والثلاثين من عمره ولم يتزوج بعد على الرغم من أنه يملك كل الإمكانات بل هو اكثر من مليونير، ولديه الشقة والسيارة والمشاريع التي تدر عليه الكثير بجانب ما ورثه هو وأخته عن أبيهما، وقد تلقى تعليمه في الخارج ومازال يواصل الزيارات العلمية والترفيهية إلى معظم العواصم الأوروبية، بينما في الجانب الآخر شاب فقير لا يجد قوت يومه، لم يكمل تعليمه بعد أن حصل على الشهادة الإعدادية، واضطر لذلك لضيق ذات اليد، خرج للعمل في حرف متدنية ومع ذلك لم تكن متوافرة أمامه، يقيم في منطقة شعبية معدومة الخدمات، تجاوز الخامسة والعشرين من عمره ولم يفكر في الزواج، ليس زهدا ولكن لأنه لا يملك من حطام الدنيا شيئا. وتأتي الإجابة عن السؤال الأهم كيف كانت البداية بينهما، يعترف احمد في التحقيقات انه كان يسير في المول التجاري الكبير، وفجأة وجد من يضع يده على كتفه ويرحب به ويقول «كيف حالك يا حمادة»، استدار ليجد نفسه أمام شخص لا يعرفه فاعتذر له وقال له أنا لست حمادة، لكن داسر واصل حديثه قائلا لكنك تشبه صديقي حمادة تماما، فقال له «يخلق من الشبه أربعين»، وأصر على التعارف واستمرار التعامل لأنه لا يصدق أن يكون الشبه إلى هذا الحد، وتبادلا أرقام الهواتف وكانت اللقاءات بعد ذلك، وانبهر بهذا العالم من المشاهير والنجوم، وقررت النيابة حبس أحمد بتهمة القتل والسرقة. أحمد محمد (القاهرة)
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©