الأحد 29 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
قابيل وهابيل
قابيل وهابيل
29 أغسطس 2013 20:24
كانت الصدمة كبيرة عندما أخبرنا الأطباء بأن زوجي مصاب بمرض خبيث، وقد كان بعضهم قاسيا في إعلامنا بالخبر الأكثر قسوة وقال لنا إنه ربما لا يعيش اكثر من ستة أشهر، وجاء ذلك بعد أكثر من ثلاثة أعوام من التردد على المستشفيات والعيادات ولم تأت الأدوية بأي نتيجة، ودخلنا دوامة كبيرة، فنحن أسرة فقيرة، لنا أربع بنات وولدان، الفتيات تزوجن إلا الصغرى نعد لها بعد أن تمت خطبتها في ظل هذه الظروف الصعبة، ولم تطرق الأفراح أبواب قلوبنا ولم تحرك أوتار نفوسنا كما يحدث في هذه المناسبات. تكاليف العلاج كانت أكبر من إمكاناتنا بكثير لكن ما كان لنا أن نتوانى أو نقصر، ما زلنا نتمسك بالأمل، ليس لدينا أي مدخرات ولا ممتلكات سوى ما يعود علينا في بداية كل شهر من معاش زوجي الذي تقاعد مبكرا من وظيفته كعامل نظافة بسبب مرضه، وقطعة أرض زراعية صغيرة، مع ذلك سخرت كل ما يقع في يدي من أموال لعلاجه، فهو الذي قضى حياته كلها يعمل ويكد ويجتهد من أجلنا ومن أجل أن يكفينا ويوفر احتياجاتنا، وقد كانت رحلة العلاج أيضا قاسية، نسافر به هنا وهناك، وتزايدت الأعباء والتكاليف، المرارة التي في حلقي لا يشعر بها احد غيري، أحيانا يمد لي إخوتي يد المساعدة بالجهد والمال، بينما أقارب زوجي تخلوا عنا كأننا لا تربطنا أي علاقة، بل وصل الأمر إلى درجة أنهم قاطعونا ولم يعده أحد منهم في فترة مرضه وخاصة بعد أن علموا بتطوره واعتبروه في عداد الأموات. تزوجت ابنتي في ظل هذه الأجواء التي لا يمكن أن توصف إلا بأنها شديدة الحزن، بكيت يومها كما لم أبك في حياتي، فقد كان عرس ابنتي الصغيرة أشبه بمشهد جنائزي، لا علاقة له بالفرح والأعراس، حتى هي كان لديها هذا الشعور، وغلبها البكاء مثلي ولم تكن سعيدة بليلة العمر التي لا تتكرر في الحياة إلا مرة واحدة، حملوها بلا زفة وساروا في هدوء مثل الذي يحدث عند السير خلف الأموات تماما، ولم يكن لدينا اختيار للتأجيل أو فعل شيء آخر، فزواج البنات مطلوب، وأيضا كان هناك شيء في نفسي، فمع توقع وفاة زوجي في أي وقت فإنه لو حدث ذلك ما استطعنا تزويجها قبل مرو عام على الأقل، حسب عاداتنا وتقاليدنا. حياتنا كانت كلها متوقفة ومتجمدة، في انتظار المجهول، وزوجي يتألم ولا نستطيع أن نفعل له شيئا، حتى الأدوية لم تعد تؤثر وقد فقدت فاعليتها من كثرة ما تناول منها فقد اعتادها الجسم وتكيف معها المرض، وينام قليلا من الوقت ولا أملك إلا الدموع وفي ظل هذه الظروف خرج ابني الأصغر من الدراسة وتوجه للعمل بما لا يناسب عمره فلم يتجاوز الثانية عشرة بعد، وهو الذي كان يحاول أن يخفف عني ما أنا فيه، وقد تحمل فلذة كبدي الصغير المسؤولية مبكرا وظهر «رجلا» مع حداثة سنه، بينما ابني الأكبر الذي تخطى الثامنة عشرة وانتهى من دراسته وحصل على مؤهل متوسط لا يهتم بشيء في حياتنا، ولكن الطلب الذي أثار دهشتي هو أن زوجي يريد أن يزوج هذا الولد الذي لا يعرف معنى الحياة والأسرة والمسؤولية، فوجدت عنده فلسفة خاصة لهذا الأمر إذ يرى أن بناتنا تزوجن، وبعد وفاته سأكون وحيدة في البيت فأراد أن يأتي لي بزوجة الابن كي تؤنس وحدتي في الأيام القادمة ولا أظل في الوحدة القاتلة. فشلت في إقناع زوجي بعدم تنفيذ وجهة نظره هذه لكنه أكد لي أنه سيكون غاضبا مني حتى بعد مماته لو لم أنفذ رغبته فاضطررت للخضوع حتى لا أكون مخالفة لأوامره، وأنا لم أخالفه في حياتنا الزوجية التي استمرت أكثر من ربع قرن، فلا يجوز أن أخالفه الآن، وإن كان منطقه مقبولا ورأيه سديدا، فإنني غير قادرة على تزويج ابني وزوجي في رقدته تلك تحزن له القلوب، حتى لو تم الزواج مثل أخته بلا أفراح أو حفل، ومع إلحاحه، وافقت وخطبنا لابني فتاة من معارفنا، هادئة وديعة، وقد كانت وجهة نظر زوجي صائبة فعلا، فقد رحل عن الدنيا، وتركني وحدي فيها، لم يكن معي إلا زوجة ابني التي تؤنس وحدتي القاسية، بعد أن يعود بناتي إلى بيوت أزواجهن، وهن لا يقصرن في السؤال عني والاطمئنان عليّ. كل تلك المعاناة لم تكن هي المشكلة التي أواجهها، فمن هن مثلي اعتدن ذلك ولا تعجزهن هذه الملمات، فقد كانت عندي مناعة ضد الصعوبات ومنحني الله قدرة على مواجهة المصائب، ولكن المشكلة التي أعجزتني وأقعدتني وأصابت تفكيري بالشلل وليس لي قدرة على مواجهتها هي هذا الولد ابني الأكبر الذي أذاقني الأمرين وفشلت في إصلاحه، سنوات طويلة مضت منذ أن فقدت زوجي وشريك حياتي، كانت كلها عذابا في عذاب بسبب هذا الولد العاق المنحرف الذي يختلف تماما عن أخيه الأصغر، فهما على خطي نقيض في كل شيء، ودعوني أتحدث أولاً عن الولد الأصغر، إنه هو الذي يشاركني همومي ويناقشني في متطلبات الحياة والاحتياجات اليومية، يخفف عني الآلام، ويحمل معي المسؤوليات، ويحنو على أخواته البنات. هذا الصغير لم يبلع الخامسة عشرة من العمر، في غياب مستمر يعمل ويكد ويكدح ليوفر لنا ما يكفينا بجانب المبلغ الزهيد الذي نتقاضاه من معاش زوجي، وقلبي يتمزق من غيابه وهو يحمل الهموم التي لا تناسب سنه والمسؤوليات التي لا ذنب له فيها، فقد جعله الله عوضا لي عن بعض ما افتقدته بفقد أبيه، ويطالبني بألا أفكر في شيء وأنه كفء لكل الاحتياجات، كانت كل تصرفاته أكبر منه، أخشى عليه الحسد، يأتيني في المناسبات والأعياد ليكون بجانبي حتى لا أشعر بالوحدة. أما تلك المصيبة العظمى، الابن الأكبر فقد انجب طفلين وصار أبا، لكنه لا يستحق أن يكون كذلك، فهو شخص معدوم الإحساس، لا يتحمل مسؤولية نفسه ولا زوجته ولا طفليه، يسهر حتى الفجر، وينام حتى العصر، ويتعامل مع كل الأمور بلا مبالاة، لا يعنيه شيء من أمر أسرته الصغيرة، ترك لي ولأخيه كل تلك المسؤوليات، وأنا لا أطالبه بأي مساعدة لنا، كل ما أريده أن يعرف كيف تسير الأحوال في الحياة، وإذا تحدثت معه لأنصحه هاج وماج وثار، وينفجر في وجهي مثل القنبلة، وإذا أردت أن ألفت نظره إلى زوجته وطفليه لا يبالي، يشيح بوجهه ويتركني بلا رد لكن في حركاته أبلغ رد، وهو عدم الاهتمام وأيضا يتحدى ولسان حاله يقول لي افعلي ما تشاءين. ابني الأصغر لا يكف عن السعي وراء الرزق، وها هو قد وجد فرصة عمل في الخارج في أعمال حرفية لا يفهم فيها لكنه كافح ليتقنها ويتفوق فيها، يرسل لي كل ما يقع بين يديه من أموال، ويوصيني بألا اقصر مع أخيه وزوجته وطفليه، وألا احرم نفسي من أي شيء وأن أهتم بشقيقاته، ولكن لم أكن مسرفة لأنني أعرف أن هذا لا يأتي إلا من عرقه وكده، فأحاول أن أحافظ على أموال ابني وأدخر له ما أستطيع كي يتزوج هو الآخر وعساه أن يكون سببا لعودة السعادة التي خرجت من بيتي منذ سنين، كل هذا وابني الأكبر على ما هو عليه، يرفض أن يعمل، ويريد أن يستولي على قطعة الأرض التي تركها لنا أبوه، ليته يريدها كي يزرعها ويعمل فيها وإنما كي يبيعها وينفق ثمنها، فوقفت له بالمرصاد ولم استجب لطلبه. الحياة تسير وأنا أتحمل كل هذه السخافات من ابني، لكن الطامة الكبرى أنه اتجه إلى تعاطي المخدرات ويتدرج في أنواعها التي لا أعرفها، وكعادته لا يسمع نصيحة ولا يستجيب، بل زادت عصبيته وعنفوانه حتى مع زوجته وابنيه، ليس له كلام إلا عن طلب المال ليشتري تلك السموم التي يقتل بها نفسه، ليس لي حيلة ولا وسيلة لإيقافه عن غيه وجنونه، وبعد تفكير ومعاناة وحسب حدود تفكيري وثقافتي وجدت أن الحل المناسب هو أن يعتزلنا ويتولى شؤون زوجته وطفليه، حتى يشعر بالمسؤولية ويعود إلى رشده وعساه أن يفيق، ولعله يعلم أن وراءه أسرة في حاجة لجهده ورعايته، لكن هذا لم يحرك عنده ساكنا بل تركهم بلا أدنى اهتمام، مازال مستمرا في أنانيته والغيبوبة التي يضع فيها نفسه. بعد خمس سنوات من غيبته، لا بد لابني الأصغر أن يتزوج وكفاه تحملاً لمسؤوليات أخيه وأسرته، وهو لا يتحمل مسؤولية نفسه ولا إحساس عنده ولا شعور، وليس هذا نوعاً من التحريض فلا يجوز أن يظل واحد يكد ويكدح والآخر ينفق ويلهو ويعبث، وعلى الرغم من هذا فقد ظل ولدي الصغير يتحمل مسؤولية الجميع بمن فيهم أخوه، ولكن ما زاد الطين بلة، أن هذا الولد العاق أصبح يجلب لنا المشكلات مع كل الناس بسبب عدم تركيزه، ويبدو أنه فقد عقله وأصيب بالجنون، تحول إلى بلطجي يفرض سيطرته بالقوة على كل من حوله ليحصل على المال الذي لم أعد قادرة على توفيره له كما يريد لينفق على مزاجه وهواه. صدقوني كل ما عانيته في حياتي من قبل لا يمثل واحداً في الألف مما أعانيه من ابني، لا أبيت ليلة بلا دموع، لا أملك إلا الدعاء، ولا حيلة لي ولا حل عندي، ادعوا معي وأرشدوني إلى مخرج من هذه الأزمة. نورا محمد (القاهرة)
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©