ثقافة

الاتحاد

عدنان الصائغ يكتب الآلام والأحلام والعذابات والغربة والتشرد

الغلاف

الغلاف

عنوان مجموعة الشاعر العراقي عدنان الصائغ “و” يتكلم ببلاغة.. إنه حرف العطف (و) الذي يأتي أحياناً معبراً عن الحال.. وقد خطّ بالأحمر على الغلاف وحوله الحرف نفسه بلغات عديدة.
كأن عدنان الصائغ في كتابة هذا أراد إظهار تلك العلاقات الأزلية التي تجعل الأشياء والأمور كلها مترابطة متداخلة، فلا نهايات ولا توقف حاداً. لعل هذا يصح عن الماضي والحاضر والآتي وعن هنا وهناك وكل جهة. ام لعل الشاعر من خلال احزانه العراقية لم يجد ما يفصل الامس عن اليوم، وعن المقبل الذي لا يبدو شديد الاختلاف حتى الآن.
إنه استئناف للآلام وللاحزان والعذابات والغربة والتشرد، واستئناف للاحلام تلك التي لا شفاء منها.
اشتملت المجموعة على سبعة واربعين قصيدة متفاوتة الطول وكثير منها الى القصر اقرب. وقد كتبت القصائد في بلدان ومناطق مختلفة من العالم وهي تحفل بالتشرد حتى تلك التي كتبت في العراق منها. يكتب عدنان الصائغ بقدرة على تطويع الوزن وحتى القافية المتعددين عنده على طريقة شعراء التفعيلة. هذا التطويع يجعل الانتقال الموسيقي بين وزن وآخر سهلاً منساباً لا ينوء بما تحمل الكلمات من معان او تحت وطأة الامتدادات المتباينة طولا وقصرا، إنه حاضر لـ”دمج” موسيقي ناجح خاصة في نقل حوار على رغم صعوبة فيه.
فلنقرأ في قصيدة “ما والخ”، حيث يقول: “يموسقني صوتها حين ينداح
هل تتقن الرقص؟
لا..
رقصتني القذائف
ذات الخبالل
وذات الخبب..
انا شاعر دار بي زمني
واستدار
أقول لثوبك يخفق في الريح
هل تبصرين وراء الزجاج الغيوم التي تترقرق بين قميصي
وقلبي ؟
مدي يديك الى غصنه تلمسي نبضه راعشا والعصافير.
عدنان الصائغ شاعر فياض.. فكأنه يكتب شعرا كما يتنفس.. باستمرار وحرارة حياة، العراق هو البدء اذن فالقصيدة الاولى تحمل هذا الاسم. القصيدة تختصر صورة الشاعر عن العراق وتحدده وتتبع منهج سرد صفاته بتقسيم آلي.
انها اقرب الى النثر منها الى التوهج الشعري، لكنها معبأة ومكثفة من حيث المحتوى. كتب بتعداد قام خلاله بإخفاء الواو ترك الكلمات متتبعة واحدة تنقلنا الى الاخرى. ففي قصيدة “كأس” يقول “في الحانة
كانت بغداد
خيوط دخان
تتصاعد من أنفاس الجلاس
واصابع عارية سكرى
تراقص بين الوتر المهموس
وبين الكاس
والى طاولتي يجلس قلبي
ملتحفا غصته
يرنو ولها للخصر المياس
ووراء زجاج الحانة اشباح تترصدني
تحصي حولي الانفاس
وانا محتار - ياربي - اين ادير القلب؟
واين ادير الراس؟”.
الغياب والوحدة والوحشة والحنين.. كل ذلك يملأ شعر عدنان الصائغ أحد أبرز مشردي السنوات الطويلة والكثيرة الماضية من العراقيين ومن الشعراء. في قصيدة “مطر بلندن” النثرية يقول “مطر بلندن
يعبر المارون ليلي غير ملتفتين للجرح الذي خلف الجروح ينزّ منذ خمسين عاماً.
هل أقول تعبت من نوح الحمام على غصوني جردتها الطائرات من اخضرار قصيدة
... مطر بلندن لا الطريق تدلني للبيت
لا جرس يرن باخريات الليل
لا ريح تدق الباب
اين اضعتهم!؟
اصحابك الماضين بالكلمات... مطر.
سراعا يعبر العشاق والمتسكعون فلا أرى الا ظلالي في الطريق تساءل الحانات عمن سوف تشركه في المساء بكأسها وغنائها
لا فجر يطل وراء قضبان العراق.
فكم يطول الليل يا ليل العراق...؟”
وفي قصيدة “تشكيل 4” عملية تحويل افكار. الى صور فنية ظريفة في.. كلام كتب في بلدان عديدة. يقول: “اين يختبئ النسيم اثناء العاصفة؟.. وايضا “السحب كلام ممزق على لسان الريح. ومن ذلك “السنابل التي اهتزت فرحا بالنضوج.. المناجل اكثر فرحا منها”.
وفي “تشكيل 6” افكار تتحول صورا او تصبح اشكالا فكرية اخرى، وهي أحيانا افكار مأخوذة عن كلام معروف او أمثلة معروفة.
وفي “قصائد قصيرة”، نقرأ تحت عنوان “رسائل” قول الشاعر “نثيث الثلج
على نافذة منفاي
رسائل متجمدة وصلتني من هناك
هكذا يخيل لي
بينما ساعية البريد على دراجتها الهوائية
تشير الى ان لا رسائل لي اليوم”.
وتحت عنوان هو “!؟” كتب يقول:
“وطن ام زنزانة
الحاكم اضحى سجانه
نحن المحكومون به منذ زمان
يتوارثنا سجان
عن سجان
من باب الجامع
حتى الحانة”.

اقرأ أيضا

«مثل ماسة في السماء».. رواية القاع المظلم في بنغلاديش