هل تتذكرون ما كان يُشاع في أروقة البيت الأبيض من أن الصفقة النووية مع إيران تنطوي على فرصة مهمة لدعم القوى المعتدلة؟ ثم ألا تلاحظون اليوم أننا لم نعد نسمع أي شيء عن هذا الزعم من إدارة الرئيس أوباما؟ وحتى نفهم السبب، يمكن أن نعود إلى انتخابات يوم الجمعة الماضي في إيران. فمن الناحية النظرية البحتة، كان على الإيرانيين أن ينتخبوا أعضاء البرلمان و«مجلس الخبراء»، وهو هيئة تتألف من ملالي الشيعة المكلفين اختيار المرشد الأعلى المقبل الذي يتحكم بسياسة إيران الخارجية وبرنامجها النووي. ومع رفع معظم العقوبات التي كانت مفروضة على طهران، أصبحت الصفقة النووية تحظى بشعبية في أوساط الإيرانيين. ويمكن لهذه الظروف أن تمثل فرصة ذهبية أمام الرئيس المعتدل نسبياً حسن روحاني لإظهار قوّته لولا أن الأمر يتعلق بإيران بالذات. ومنذ شهر يناير الماضي، أطلق «مجلس تشخيص مصلحة النظام» عملية تطهير واسعة في صفوف كل المرشحين الذين حادوا حتى بأقل تصريح عن تعاليم المرشد الأعلى علي خامنئي الذي يعيش في العقد السابع من عمره. وعمدت السلطات إلى إلغاء ترشيح كل من أعلنوا رغبتهم في إطلاق السجناء السياسيين بمن فيهم قادة «الحركة الخضراء» الذين يعتقد بعض الإيرانيين أنهم كانوا الفائزين الحقيقيين في الانتخابات الرئاسية لعام 2009. وحتى بعض أعضاء «مجلس الخبراء» السابقين الذين نجحوا في عملية الفرز، تم استبعادهم لأسباب مشابهة. وهذا ما حدث لحفيد الخميني الذي كان أول مرشد لما يسمى الثورة الإيرانية. ويمكنني تلخيص ما يحدث بعبارة قالها المفاوض الأميركي السابق في المحادثات الإيرانية «ويندي شيرمان» في معرض تعليقه على الانتخابات الأخيرة: «كان على الناخبين الإيرانيين أن يختاروا في انتخابات يوم الجمعة الماضي بين خطّين اثنين: المتشددون، والمفرطون جداً في تشددهم». ويبدو أن هذه الوقائع تمثل فشلاً لسياسة الولايات المتحدة. وحتى نتأكد من هذا الحكم، يمكننا أن نتذكر أن أوباما قد كرر مراراً قوله بأن الصفقة الإيرانية لا تعتمد على التغيرات التي يمكن أن تطرأ على طبيعة النظام، بل تهدف إلى تقوية جناح روحاني المعتدل في مواجهة المرشد الأعلى وخطّه المتشدد. وقد بدأ تنفيذ سياسة الإدارة الأميركية هذه منذ تم انتخاب حسن روحاني. وبعد فوزه في الانتخابات الرئاسية مباشرة في شهر يونيو 2013، أوقفت وزارة الخزانة الأميركية عملية ضم المزيد من الشركات والأشخاص الإيرانيين إلى القائمة السوداء التي تستهدفها العقوبات. وآخر ما حُرّر حول هذا الموضوع، هو أن الدبلوماسيين الأميركيين والأوروبيين يعملون الآن بجهد جهيد لتسريع عملية تنفيذ الاتفاقية النووية التي تم التوصل إليها. وخلال الصيف الماضي، عبر أوباما عن تفاؤل حذر بأن تفتح الصفقة النووية آفاقاً جديدة أمام الإيرانيين من ذوي الخط المعتدل. وكان قد عبر عن أمله في أن تتضمن نتائج المحادثات النووية تبني الإيرانيين قرارات مختلفة أقل ميلاً للعداء والاستفزاز لجيرانهم. وقال أيضاً في مناسبة أخرى: «آمل بأن تمثل هذه الصفقة محاولة لتحسين العلاقات بمرور الزمن». لكن الأمور سارت بغير هذا الاتجاه. وذلك لأن المتعصبين المتطرفين الذين يتولون إدارة الأمور في إيران، أصبحوا أكثر ميلًا للعداء من أي وقت مضى. ومن ذلك أنهم قد احتجزوا مواطنين أميركيين من أصل إيراني، واعتقلوا وأهانوا بعض جنود البحرية الأميركية، وعمدوا إلى إجراء تجارب على صواريخ جديدة، واعتقلوا المزيد من النشطاء المدافعين عن حقوق الإنسان. وعلى رغم كل الممارسات الاستفزازية الإيرانية قبل عقد الصفقة النووية، بقيت إيران ما بعد الصفقة على حالها أيضاً. ومن ذلك أن روحاني تنصّل من وعود قطعها قبل انتخابه بالعمل على إطلاق السجناء السياسيين أو الإعلان عن إعادة الالتزام بحقوق الإنسان. ولو كان روحاني محظوظاً، لما كان في وسعه أن ينافس إلا بتأييد أوساط المتشددين داخل البرلمان، لأن «متشددي الخط المتشدد» يرفضونه. ولكن الإشارة المهمة في هذا الصدد تكمن في أن وعوده بتحقيق التغيرات السياسية التي كان يأملها أوباما قد تبخرت. وتعيدنا كل هذه الحقائق إلى محدودية جدوى الصفقة النووية مع إيران، والتي سينتهي مفعولها بعد 10 أو 20 عاماً، بعد أن تكتسب إيران الفرصة لإعادة بناء اقتصادها وتحديث وتطوير قدراتها العسكرية. محلل أميركي متخصص في السياسات والعلاقات الخارجية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»