تقارير

الاتحاد

ليبيا الجديدة وخطر الانقسامات القبلية

خلف الأسوار العالية لأحد المجمعات العائلية بعاصمة الثوار، بنغازي، تبرز صورة كبيرة للجنرال عبد الفتاح يونس الذي اغتيل في وقت سباق وهو يبتسم إلى عشرات الرجال من قبيلته الذين جاؤوا إلى الخيمة المنصوبة في المجمع بعد إفطار رمضان لقضاء الليل والاستمتاع بالأجواء الرمضانية، ومن بين هؤلاء الرجال، علي السنوسي، زعيم قبيلة "العبيدي"، التي ينتمي إليها عبد الفتاح، الذي ارتدى ملابسه التقليدية وجلس إلى جانب الآخرين يحتسي كوباً من الشاي، ورغم هدوئه الظاهر لا يتردد عند الحديث عن الظروف الغامضة لمقتل عبد الفتاح يونس في الرد بتأكيده أن القبيلة ستعطي لقيادة الثوار فرصة للتحقيق في اغتيال عبد الفتاح وكشف ملابسات ما جرى لتقديم المسؤولين للمحاكمة، لكن ماذا لو لم يحصل ذلك؟
يجيب زعيم القبيلة إن "قبيلة العبيدي تتعهد بألا يمر هذا الأمر دون عقاب، نحن نأمل أن يكون هذا البلد دولة قانون وإنصاف تضمن للجميع حقوقهم دون أن نضطر لأخذها بأنفسنا، لكن إذا اضطررنا لأخذها بيدنا فإننا سنفعل ذلك"، وهو ما يؤكده رجل آخر يجلس إلى جوار السنوسي قائلاً: "قانون القبيلة أقوى من قانون الحكومة"، والحقيقة أن تهديدات قبيلة العبيدي بتولي الأمور إذا لم تحصل على حقوقها يوضح حجم التحديات التي ستواجهها الحكومة الليبية، والمتمثلة ليس فقط في منع اندلاع الاقتتال الداخلي والصراعات الجانبية، بل بفرض حكم القانون وضمان سيادته على الجميع دون تمييز.
فعلى مدى السنوات الطويلة التي قضاها القذافي في الحكم عمل على تقويض مؤسسات الدولة، مركزاً السلطة كلها في شخصه باعتباره الزعيم الأوحد في البلاد.
وفي غضون ذلك تشكل فراغ ساهم في انتعاش الهوية القبلية لليبيين على حساب الدولة، كما تنامت الانقسامات بين القبائل المختلفة بتحريض من القذافي نفسه ليبقى الامتحان الحقيقي أمام ليبيا الحالية، التي تخلصت لتوها من حكم القذافي، في حيازة ما يكفي من الشرعية التي تمكنها من توحيد القبائل المتعددة في إطار دولة متجانسة يسود فيها القانون، هذا الاختبار الصعب يؤكده "باراك بارفي"، الباحث في مؤسسة "نيو أميركا" الذي عكف على دراسة ليبيا طيلة الخمسة أشهر الماضية "إن ما يواجه قادة ليبيا الجدد هو مدى قدرتهم على التحرر من القبلية التي هيمنت تاريخياً على البلاد والتوجه نحو حكومة تمثيلية تُشرك جميع المناطق الجغرافية"، مضيفاً "إذا أخفقوا في القيام بذلك وأمعنوا في تكريس النظام السياسي التقليدي فإن ليبيا ستفشل"، والواقع أن القبلية متجذرة في ليبيا إذ لا يكف قادة القبائل على تمجيد دورهم في محاربة الاستعمار الإيطالي، ورغم دورها في الماضي ما زالت القبيلة حاضرة حتى اليوم في حياة الليبيين من خلال الخدمات التي تسديها لأبنائها إذ عادة ما يتم اللجوء إلى شيخ القبيلة لحل النزاعات والمشاكل، أو ضمان خروج أحد أبنائها من السجن.
كما أن العلاقات القبلية تعد ضرورية للبعض كي يتقدم مهنياً، وقد استغل القذافي هذا النظام لصالحه حيث كافأ القبائل الموالية وعاقب الأخرى المعارضة، مولداً عداوات بين القبائل الليبية، لذا تتعاظم المخاوف بعد سقوطه من اندلاع حرب بين القبائل، أو سعيها للانتقام، لا سيما بعد تقرير "هيومان رايتس ووتش" الذي أشار إلى سرقة بعض عناصر الثوار في الشرق للبيوت وإحراقها انتقاماً ممن يعتبرونهم مؤيدي القذافي.
لكن زعماء القبائل يطمئنون من أن بعض التجاوزات قد تطال أشخاصاً ارتبطوا بالقذافي دون أن تمتد إلى نطاق واسع.
وفي هذا السياق يقول "خليل محمد الديب"، أحد أعيان قبيلة "أجوري" التي ينتمي إليها معظم سكان شرق ليبيا: "لم يحدث هناك اقتتال لأن الناس كلها تدعم شيئاً واحدًا وهو الثورة". ويدلل على ذلك بقوله: إن محمود جبريل الذي يرأس المجلس التنفيذي ينتسب إلى قبيلة "ورفلة"، وهي "من القبائل التي لعبت دوراً سلبياً تحت حكم القذافي، لكننا ننظر إلى الشخص وليس إلى القبيلة".
ويعتقد البعض الآخر أن الثورة التي أطاحت بالقذافي عززت الشعور الوطني الضعيف تاريخياً في ليبيا، وهو ما قد يخفف من النظام القبلي، بحيث يقول "الديب" في توضيح هذا الأمر "لاثنين وأربعين عاماً زرع القذافي العداوة بين القبائل، غير أن هذه المرة الأولى التي يشعر فيها الليبيون بأنهم يتعاونون فيما بينهم من أجل هدف موحد هو القضاء على نظام القذافي وبناء ليبيا حديثة".
ومن جهتها حثت حكومة الثوار المواطنين بنبذ الانتقام والصراعات والتركيز على بناء الدولة، كاشفة عن برنامج للمصالحة الوطنية لمنع تطور الصراعات القبلية وخروجها عن السيطرة.
لكن يبقى التحدي الأكبر بالنسبة للحكومة قدرتها على استبدال القانون القبلي الذي يلجأ إليه البعض في غياب الحكومة بقانون دولة المؤسسات، بحيث تكتفي القبيلة بلعب أدوار اجتماعية بعيدة عن السياسة ويُختار أعضاء الحكومة اعتماداً على كفاءتهم وليس انتمائهم القبلي.
وبالطبع ستكون قضية الجنرال عبد الفتاح يونس المحك الحقيقي في قدرة الليبيين على تجاوز انتماءاتهم القبلية وتغليب مصلحة الوطن، بحيث ينتظر الجميع مباشرة تحقيق سريع في القضية وتقديم الجناة إلى المحكمة لتهدئة النفوس ومنع قبيلة "العبيدي" من تطبيق قانونها الخاص.

كريستين تشيك
بنغازي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان سيانس مونيتور»

اقرأ أيضا