الاتحاد

الملحق الثقافي

ماركيز وبورخيس: نصان متشابهان عن الحياة قبل انطفائها والموت قبل وقوعه

تتدوال بعض مواقع الإنترنت رسالة منسوبة إلى الروائي غابرييل غارسيا ماركيز الذي انسحب من الحياة الاجتماعية مؤخراً لأسباب صحية، فقد أصيب بسرطان في الغدد الليمفاوية ويبدو أن حالته في تدهور مستمر· ويزعم أن ماركيز أرسل خطاب الوداع هذا إلى أصدقائه، وهو يحمل في طياته لمحات مؤثرة مما تطرأ على الذهن عندما يكون الإنسان في حالة احتضار، وخصوصاً عندما يكون في قامة ماركيز الأدبية والثقافية· المفارقة، أن رسالة شبيهة في التعبير والصياغة والمشاعر الحارة، كانت قد نشرت على لسان الأديب الأرجنتين الراحل خورخي لويس بورخيس، وقد نشرها ''الاتحاد الثقافي'' مترجمة إلى العربية في عدده رقم 11 بتاريخ 7 فبراير 2008 ضمن صفحات ''فضاءات''· والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل هذا التشابه الذي يقترب من حد التطابق، هو نوع من أنواع ''التناص'' الذي يقع بين أديبين ينتميان إلى مناخ واحد، وثقافة واحدة، وحال إنسانية واحدة هي حال الاحتضار؟ أم إن الرسالة منحولة على الأديبين الكبيرين، وهناك من يعبث بإنتاجهما -وبمختلف اللغات- في عالم الإنترنت المنفلت من قوانين الملكية والنشر؟ بانتظار الحصول على إجابة نعيد نشر النصين كما وردا على لساني ماركيز وبرخيس:

سأنام أقل·· وأحلم أكثر
غابرييل غارسيا ماركيز

لو وهبني الله حياة أطول لكان من المحتمل ألا أقول كل ما أفكر فيه،
لكنني بالقطع كنت سأفكر في كل ما أقوله·
كنت سأقيّم الأشياء ليس وفقاً لقيمتها المادية،
بل وفقاً لما تنطوي عليه من معان·
كنت سأنام أقلّ، وأحلم أكثر
في كل دقيقة نغمض فيها عيوننا نفقد ستين ثانية من النور،
كنت سأسير بينما يتوقف الآخرون·
أظل يقظاً بينما يخلد آخرون للنوم،
كنت سأستمع بينما يتكلم الآخرون·
كنت سأستمتع بآيس كريم لذيذ بطعم الشكولاتة·

لو أن الله
أهداني بعض الوقت لأعيشه كنت سأرتدي البسيط من الثياب،
كنت سأتمدد في الشمس تاركاً جسدي مكشوفاً بل وروحي أيضاً·
يا إلهي···
لو أن لي قليلاً من الوقت لكنت كتبت بعضاً
مني على الجليد وانتظرت شروق الشمس·
كنت سأرسم
على النجوم قصيدة ''بنيدتي'' وأحلام ''فان كوخ''
كنت سأنشد أغنية من أغاني ''سرات'' أهديها للقمر،
لرويت الزهر بدمعي، كي أشعر بألم أشواكه،
وبقبلات أوراقه القرمزية·
يا إلهي···
إذا كان مقدراً لي أن أعيش وقتاً أطول،
لما تركت يوماً واحداً يمر دون أن أقول للناس
إنني أحبهم، أحبهم جميعاً،
لما تركت رجلاً واحداً أو امرأة إلا وأقنعته
أنه المفضل عندي،
كنت عشت عاشقاً للحب·
كنت سأثبت
لكل البشر أنهم مخطئون لو ظنوا أنهم
يتوقفون عن الحب عندما يتقدمون في السن،
في حين أنهم في الحقيقة لا يتقدمون في السن
إلا عندما يتوقفون عن الحب·
كنت سأمنح
الطفل الصغير أجنحة وأتركه يتعلم وحده الطيران
كنت سأجعل المسنين يدركون أن تقدم
العمر ليس هو الذي يجعلنا نموت
بل: الموت الحقيقي هو النسيان·


كم من الأشياء تعلمتها منك أيها الإنسان،
تعلمت أننا جميعاً نريد أن نعيش في قمة الجبل،
دون أن ندرك أن السعادة الحقيقية تكمن
في تسلق هذا الجبل،
تعلمت أنه حين يفتح الطفل المولود كفه لأول مرة
تظل كف والده تعانق كفه إلى الأبد،
تعلمت أنه ليس من حق الإنسان أن ينظر إلى الآخر،
من أعلى إلى أسفل، إلا إذا كان يساعده على النهوض،
تعلمت منك هذه الأشياء الكثيرة،
لكنها للأسف لن تفيدني لأني عندما تعلمتها
كنت أحتضر·
عبر عما تشعر به دائماً، افعل ما تفكر فيه··
لو كنت أعرف أن هذه ستكون المرة الأخيرة
التي أراك فيها نائماً، لكنت احتضنتك بقوة،
ولطلبت من الله أن يجعلني حارساً لروحك·


لو كنت أعرف
أن هذه هي المرة الأخيرة التي أراك فيها
تخرج من الباب لكنت احتضنتك، وقبلتك،
ثم كنت أناديك لكي احتضنك وأقبلك مرة أخرى·
لو كنت أعرف
أن هذه هي آخر مرة أسمع فيها صوتك
لكنت سجلت كل كلمة من كلماتك لكي أعيد سماعها
إلى الأبد·
لو كنت أعرف أن هذه هي آخر اللحظات التي أراك فيها
لقلت لك ''إنني أحبك'' دون أن أفترض بغباء
أنك تعرف هذا فعلاً··
الغد يأتي دائماً،
والحياة تعطينا فرصة لكي نفعل
الأشياء بطريقة أفضل·
لو كنت
مخطئاً وكان اليوم هو فرصتي الأخيرة
فإنني أقول كم أحبك، ولن أنساكم أبداً·
ما من أحد، شاباً كان أو مسناً، واثقاً من مجيء الغد،
لذلك لا أقلّ من أن تتحرك، لأنه إذا لم يأت الغد،
فإنك بلا شك سوف تندم كثيراً
على اليوم الذي كان لديك فيه متسع كي تقول أحبك،
لن تبتسم لأن تأخذ حضناً أو قبلة أو تحقق رغبة أخيرة لمن تحب·

غابرييل خوسيه غارسيا ماركيز، ولد في مدينة أراكاتاكا في 6 مارس ،1927 روائي وصحفي وناشر وناشط سياسي كولمبي· عاش معظم حياته في المكسيك وأوروبا ويقضي حالياً معظم وقته في مكسيكو سيتي· نال جائزة نوبل للأدب عام 1982 وذلك تقديراً للقصص القصيرة والرويات التي كتبها· من أشهر رواياته ''مائة عام من العزلة'' 1967م، والتي بيع منها أكثر من 10 ملايين نسخة والتي تروي قصة قرية معزولة في أميركا الجنوبية تحدث فيها أحداث غريبة· دائماً ما ينظر إلى الرواية عندما تناقش على أنها تصف عصوراً من حياة عائلة كبيرة ومعقدة· وقد كتب أيضاً سيرة سيمون دو بوليفار في رواية ''الجنرال في متاهة''· ومن أعماله المشهورة الأخرى ''خريف البطريرك'' عام ،1975 و''وقائع موت معلن'' عام ،1981 و''الحب في زمن الكوليرا'' عام ·1986

سوف أكون سخيفاً

خورخي لويس بورخيس ü
ترجمة: عادل علي

لو كان بإمكاني أن أعيش حياتي مرة أخرى،
سوف أبذل جهدي لكي أرتكب المزيد من الأخطاء،
ولن أحاول أن أكون صالحاً أبداً·
سأسعى إلى مزيد من الراحة
وسوف أكون سخيفاً أكثر مما كنت،
وسوف آخذ الأشياء التافهة على محمل الجد·


لو بإمكاني أن أعيش حياتي مرة أخرى
سوف أكون أقل هوساً بالنظافة،
وسوف أواجه المزيد من الأخطار،
وأقوم بالمزيد من الرحلات،
أشاهد، أكثر وأكثر، بزوغ الشمس
وأتابع، أكثر وأكثر، غروبها،
أتسلق العديد من الجبال
وأسبح في العديد من الأنهار
وأذهب إلى تلك الأماكن التي لم أزرها قط


سوف أمتطي المزيد من الأراجيح
وألعب مع الكثيرين من الأطفال،
وآكل الكثير من المثلجات والقليل من الفاصولياء
وأواجه المشكلات الحقيقية
بدلاً من تلك المتخيلة·


لقد كنت واحداً من البشر الذين عاشوا كل لحظاتهم متعلقين ومنتجين ومؤكد، إني حصلت على لحظات من المرح، لكن إن استطعت العودة إلى الوراء
سأحاول أن أستبقي اللحظات الحلوة فقط،
وإن كنتم لا تعرفون، فإن الحياة أبدعت من أجلها فقط···
تلك اللحظات الحلوة·
لا تنسوا ذلك أبداً، الآن وهنا·


لقد كنت من الأشخاص الذين لم يذهبوا إلى أي مكان
بلا ميزان للحرارة، أو كيس من الماء الساخن، أو مظلة···
وإذا استطعت أن أعيش مرة ثانية
سأبدأ السير عاري القدمين
من أول الربيع وحتى نهاية الخريف،
إذا استطعت أن أعيش مرة ثانية···
لكن كما ترى، أنا الآن في الخامسة والثمانين،
وأعرف أني أحتضر·

ولد بورخيس في بيونس أيرس وكان والده خورخي غويلرمو بورخيس محامياً وأستاذاً لعلم النفس، وكان مصدراً للإلهام الأدبي حيث قال عنه بورخيس: ''حاول أن يصبح كاتباً ولكن محاولته فشلت''، أما والدته ليونور أسيفيدو سواريز فقد تعلمت الإنجليزية، ولذا فقد نشأ بورخيس قادراً على أن يتحدث لغتين· وكانت نشأته في ضاحية بالرمو في بيت كبير به مكتبة ضخمة·
قبل بضعة أسابيع من وفاته أعلنت مساعدته الآنسة كوداما، أنها قد تزوجت منه في الباراجواي وأنها حصلت على الحقوق الحصرية لاستعمال أعمال بورخيس تجارياً، الأمر الذي قد عملته بغزارة منذ موته·· ثم تبين أن وثيقة الزواج غير قانونية· توفي بورخيس بمرض سرطان الكبد في جنيف، المدينة التي حصل فيها تعليمه الجامعي ودفن في ''مقبرة الملوك'' فيها·

خلقت لاثنين
دانييل بولانجير
ترجمة: صلاح أحمد

خرجت وزوجتي في ذلك اليوم للتنزه عبر الريف المحيط بأطراف بايوه حبث شجر السنديان المقطوعة أغصانه والذي بدا لنا كالشجر المطرز على سجاد المدينة الشهيرة· وحوالي الساعة الرابعة سرنا على درب تناثر عليه ورق الأشجار متجهين الى كنيسة تاوون العتيقة التي تجلس وسط الأحراش مثل ضريح مفقود· ثم حدنا عن الدرب وتمددنا بجانب شاهد أحد القبور القائمة على جانبه· لم يكن ثمة عابر أو طائر··· فقط صوت الصمت الذي يشبه خرير المياه والسماء المبسوطة بلا حد مثل صفقة السوسن·
عندما عدنا الى الدرب حيث أوقفنا سيارتنا، وجدنا رجلا، بدا في ستيناته، يجلس على دكة ويضع مظلة طويلة بين ساقيه· تفحصنا طويلا من وراء أنفه المحمر المُشعِر· كان في حلة زاهية مجيدة· معطف ـ عباءة ارتفعت حواشيه، مع حذائين طويلين بكعبين ثقيلين يحتكان بعظم ساقه البيضاء·
دهشت زوجتي وهي تراه في حلته الخارجة على المكان والتي يتوجها مشبك ذهبي على ربطة العنق، فتمتمت: ''لا مانع لدي في رؤية بقية موكب الجنازة''·
كانت مخطئة وإن لم يكن بالكامل·
أمعن فينا النظر، رجلنا هذا، بعينين جاحظتين· الشعرات القليلة تلتصق بفعل العرق بصدغيه وكأنها تضربه· أمسك بيد قبعته وبالأخرى مظلته بين ساقيه·
صعدنا الى السيارة· خاطبته قائلا: ''هل لي بمساعدتك في شيء؟ أتريد الذهاب الى القرية التالية؟ هيا اصعد''·
رد عليّ: ''لدي الكثير من الوقت''·
''أوه! عفوا''·
''زوجتك؟'' سألني وهو يرفع مظلته·
''زوجتي، نعم''·
كان نورمندي اللكنة وذا صوت ''مستدير'' لا يخلو من حدة· سمر نظراته على أطراف حذاءيه الطويلين ذوي الثنيات الشبيهة بطيات الاكورديون· ثم ارتفع صوته يخاطبنا الاثنين: ''كونا سعيدين''!
''نحاول''، أجبته·
قال: ''السعادة سهلة على اثنين''·
ومضى يحكي: ''كنت أنا نفسي اثنين ذات مرة· كانت لدينا مزرعة صغيرة قرب فاليز· خمس بقرات وبنت· البنت في انجلترا الآن مع رجل يعمل في تجارة الفحم· أتانا مع آخرين عام ·44 لم يرق كثيرا للزوجة· لكن البنت راحت معه بعد عام· كان خبيرا في إبطال مفعول القنابل· كان الألمان قد زرعوا الألغام في المنطقة حولنا بأكملها· وكان ثمة درب صغير بين المنزل وغرفة غسيل الملابس· وهاهي زوجتي تدفع عليه عربة يد ذات صباح، مثلما فعلت خمسمائة مرة منذ اندلاع الحرب· لغم! كل ما عثرت عليه هو الملابس· الملابس التي كانت تحملها لغسلها وتلك التي كانت ترتديها· لم يبق منها هي شيء··· أي شيء تقريبا· وهكذا صرت وحيدا· بعت البقر أولا· ابنتي لم تستطع حضور القداس· لم تحب المكان· وأنا أتقدم في العمر ولا يمكنني الاستمرار على هذا الحال· أجوب المنطقة الآن بحثا عن أخرى· بل انني ذهبت حتى البحر·· كل المسافة الى ليغل· ودوما على قدمي· أراقب· أراقب· الدروب الصغيرة· الطرقات الكبيرة· كلما رأيت امرأة بمفردها وفي عمرى أدخل معها في محادثة ما· كدت أفلح ذات مرة· لن تصدق ذلك لكنها كانت بالجوار في الطرف الآخر من فاليز، وأنا الذي مشى على قدميه ثمانمائة أو تسعمائة كيلومتر على الأقل بحثا عنها· لكن الأمور لم تصر الى ما يرام في آخر المطاف· قالت لي إنني سأفكر على الدوام في الأخرى، زوجتي المتوفاة· وقالت إنها من جانبها ستفكر على الدوام في الآخر، زوجها المتوفى· ليس بلغم· سقط من دعامات بناء في (سيه)· وذات مرة عثرت على امرأة أخرى· كانت تدير حانة صغيرة· لكن كثرة معجبيها كانت واضحة للعيان· لهذا اسير على الدرب· لدي الكثير من الوقت وسينتهي بي الأمر بلقائها''·
ثم توقف عن الكلام· حاجباه مرتفعان·
سألته: ''ماذا عن شيء نحتسيه في المكان التالي''؟
فأخرج قنينة نصف لتر من جيبه وقال: ''لدي رفيقتي· أتريد تذوق طعمها''؟
سألته: ''كم طول المسافة التي تمشي في اليوم''؟
''أوه، لقدميّ ما يكفي من القوة· ليتهما كانا يعلمان· المجد لغويوم (نطقها المجد لغويليوم)·
سألته: ''أتقصد غويوم القاهر''؟ فرد قائلا: ''ومن البلدة نفسها· لقد أقاموا تمثالا له يجب أن تراه· كتلة حجر أسود عظيمة تحوي كل التفاصيل بما فيها ذيل الجواد· إنجاز عظيم''·
تأملنا زي هذا الرجل العجوز· كان بحق مثال الريفي الباحث عن أنثاه··· الرومانسي اللابس أروع حلة مع ذلك المشبك الذهبي، وقنينته الجاهزة للخدمة شارة تضيء رذيلته الوحيدة·
أعاد قبعته الى رأسه··· شريطها الملتف حولها أقرب الى البنفسجي بفعل الزمن·
''سأجدها· فقد خلقت لأكون اثنين''· هكذا قال·
وقف عندما غادرناه· وقبل ان يختفي من أنظارنا في أسفل الطريق وراء أنصال العشب الطويل وأسيجة الشجيرات توقفنا لنلقي اليه بتحية وداع· المسافة جعلته صغير الحجم مستديرا بفضل كرشه وهو يرفع لنا قبعته·
قالت زوجتي تخاطبه بصوت خفيض: ''كونا سعيدين''··· وأخذت يدها في يدي·

النسيج الذي تشتهر به مدينة بايوه· يعود تاريخه الى العام 1077 ويصور وقائع انتصار وليام القاهر على بريطانيا قبل ذلك بعشرة أعوام·
غويوم هو اللفظ الفرنسي لوليام·

روائي الموجة
السينمائية الجديدة

دانييل بولانجير روائي ومسرحي وشاعر وممثل فرنسي· لكنه اشتهر على نحو خاص بكتابته السيناريو لعدد ضخم من أفلام ''الموجة الجديدة'' التي أخرجها في الستينات أعمدة هذا التيار السينمائي أمثال جان لوك غودار وفرانسوا تروفو وكلود شابرول والعديد غيرهم· ولد في يناير (كانون الثاني) 1922 في كومبيين، شمال فرنسا، وتمتع عام 1983 بعضوية أكاديمية غونكور التي أسست في 1900 مضادة لسياسات الأكاديمية الفرنسية إزاء الكتاب وقتها· وتمنح الأكاديمية جائزتها الشهيرة (جائزة غونكور) في الأدب في ديسمبر (كانون الأول) من كل عام· وقد حصل بولانجير نفسه على عدد كبير من مختلف الجوائز المهمة لمساهماته الكبيرة في الآداب والفنون· ومن المفارقات انه نال إحدى هذه الجوائز من الأكاديمية الفرنسية نفسها في ·1971

تنحوا كي تعبر النساء

حمدة خميس

المدى رحب والفضاء يد الله
الأرض غب هزائم وأفول
وأنتن جالسات خلف الأساور
توشوشن الليل بالسكون
ترفعن العتبات في قيامة النهار
تأتي الشمس وتلم شرائطها في الأصيل
وأنتن ماضيات في الشراشف
لا تحبكن فتيلاً لا ترفعن منارة
ولا تشعلن عصب الكلام الجميل!
تؤسسن السلالات وتنسللن خلف المدار
وحيدات·· إلا من مجد طفولة
ورنين صلصال لم تهجسن به
لم تبتكرن هيئته ومداه
مثل إناث الكائنات تلدن
لا خيار إلا ما يختاره الماء
حين الغيم يدفق في لجة اليم
أهذا مجدكن يا نساء اللدائن
يا جواهر الأسرار وكنه الصبوات؟
أيتها الصباحات المقبلة في ديمومة الأكوان؟
انهضن·· انهضن
يا نساء الخليقة وصفوة الكائنات
انهضن إلى البياض
دورن رغيف القصائد
أشعلن قناديل الحكايا
احبكن الكلام الذي يشف كجوهرة
ويجرح كالنصال
اعبرن نهر الكتابة إلى ضفة الوجود
كل جسد كون·· كل قصيدة أنثى·
كل امرأة لغة!
انهضن·· انهضن
خذن الرجال إلى حكمة الأنثى
فقد عظمت رزاياهم
خذن الرجال والحكمة
إلى فيء الأنوثة المطمئن
خذن الأرض إلى رحاب الهدوء
خذن السلام·· إلى السلام!

حيوانات
آلان الحسيني

البوم

تحطُّ على سقف المنزل· فنفرٌّ منهك نحن الصغار، نخاف من عيونك الجحيمية المهلكة، هكذا قالت جداتنا: كلما حطّ غرابٌ على حائط أو جدار، فسيُهلَك أحدٌ ما··

العصفور

يسقطُ منْ عشِّه، فيركضُ الأطفالُ لأخذه إلى مكانه الأليف· ليتنا كنا مثله· يضمّنا بيتُ وسقفٌ هشٌّ·

الحمار

قلّ عددُهم في مدينتنا التي تقعُ في الشمال، لماذا؟ سألتُ أبي:
هربوا منا· قال والدي·

الأرنب

لماذا لا يبكي الأرنبُ يا أبي؟
نحن نبكي بدلاً عنه· أجاب أبي·

الديك

ياسليلَ المؤذّن القديم· كمْ مرّ عليك من أزمنةٍ، وأنتَ تصيحُ· ولا أحدَ يهتدي·

الطاووس

أيها الريشُ يا غابةً من الألوان· يا مشيةَ البهاءِ، كمْ أنتَ عالٍ· كم أنتَ لا تشبهُ طفولتَنا المغتالة·



مصباح الملائكة الأخير

عصام ترشحاني
(إلى محمود درويش)


شجرٌ·· تضيق به
القيامة في دمي
البحرُ·· لكْ
غيمٌ يطوف على المقدس
في خرائب مخملي
كم أنتَ لي··؟
وحدائق التكوين لكْ··
الشعر كان ولم يزل··
الشعرُ·· مفتوحاً
على الإدهاشِ،
مفتوحاً·· على التخييلِ والتأويلِ،
واللغةِ التي
ابتكرتْ مناسكها اللذيذة في دَمِكْ
الشعرُ·· لكْ
الزهرُ·· في صدر النساء الملهماتِ
ولذّةُ الإنشادِ·· لكْ
حتى الجبال··
بوابلٍ من حَدسكَ الأخّاذِ
تمضي·· مثلما
يمضي الغريبُ إلى الظلالِ
ومثلما تمضي الظلالُ
إلى الغيابِ··
فَهَيْتَ لكْ··
الأرضُ·· مذ نادت عليكَ
ومنذ أن رقصتْ
على إيقاع نبضكِ
تشتهيكَ·· وتتبعك··
ملكٌ·· على عرش الكلامْ··
هذا الكلام فضاؤنا الآتي
ومملكةٌ لنا ـ
والتاجُ لكْ··
ما·· من مليكٍ
سوف يأخذ مطرحكْ··
يا أيها الوطن الذي
سيظلّ في الأعلى··
ونحن هنا·· صمود التين والزيتون
ونحن هنا·· رعاة شقائق المعنى
سنحمل من جنوب الدم حتى
خاتم الشهداء نحمل كوكبك··
سنحمل مشعلك··

اقرأ أيضا