أرشيف دنيا

الاتحاد

الإسلام تعامل مع الإنسان باعتبار أن الله فضله على سائر خلقه

استيقظ الضمير الإنساني ذات يوم وجد العديد من علماء الاجتماع الغربيين وقد بحثوا الإنسان ذاتاً وكياناً، وانتهوا في مجموعهم إلى تكريس سلطة المجتمع أمام ذاتية الفرد والإنسان، معتبرين إياه كماً مهملاً لا قيمة له إلا بمقدار مساندته للمجتمع، كما هو الحال في النظرية الاجتماعية الماركسية، بينما أتى الإسلام ليهتم بالإنسان، من حيث هو إنسان، وبحث عنه باستفاضة ليحدد مطالبه، ويقوم علاقته بنفسه قبل أن يحدد علاقته بمجتمعه، مراعياً ما يصلح عقله وروحه وأشواقه وعواطفه.
والإسلام في نظرته تلك لا ينظر إلى الإنسان الفرد من حيث جوهره المادي فحسب لا فرق بينه وبين سائر الجمادات اللهم إلا فرق التطور الزمني فقط كما ذهب الوضعيين من علماء الاجتماع، إنما نظر إليه على أنه كائن فضله الله سبحانه على سائر خلقه، فجمع له في كينونته بين المادة والروح، يقول سبحانه (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ )السجدة 7-8-9 . بل أضاف هذه الروح إلى نفسه تفضيلاً وتشريفاً فقال سبحانه (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) ص 71-72-73 .
واقعه محورية
والقرآن حين يقرر هذه الحقائق إنما يحدد في واقعه محورية مركز الإنسان في الكون، فهو ليس كما زعم الدروينيون حيوان تطور عن أنواع أخر فامتد بنسبه إلى القرود، وإنما هو في حقيقته أكرم مخلوق في الوجود خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته ، يقول سبحانه (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) الإسراء 70 .
ولعل مرجعية هذا التكريم تعود إلى تلكم المنحة الإلهية واللطيفة الربانية التي ميز بها الإنسان عن سائر الكائنات ألا وهى العقل الذي ورد في الأثر في شأنه ما يفيد فهمه لأوامر الله وتميزه بين المختارات والبدائل، إذ ورد في شأنه أن الحق سبحانه وتعالى عندما خلقه قال له سبحانه ( أقبل فأقبل ) ثم قال له (أدبر فأدبر ) فقال له الله سبحانه: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أعز على منك . ولأجل هذه المنحة الإلهية واللطيفة الربانية كان تحمل الإنسان للتبعة والمسؤولية دون سائر المخلوقات و الكائنات يقول سبحانه (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا ) الأحزاب 72 .
وهكذا كرم الإنسان وفضل بكيانه وجوهره الذي جمع له فيه بين قبضة الطين الممتزجة بنفخة الروح. وبهذا تميز الإنسان عن سائر المخلوقات في هذا الكون والوجود، وإذا كان علماء الاجتماع الغربيون قد نظروا إلى الوجود الإنساني على أنه وجود عبثي عارض يعيشه الإنسان فترة ثم تنتهي به الحياة ليكون تراباً، وتلك هي النهاية والمصير، فإن الإسلام قد نظر إلى الوجود الإنساني في ضوء فكرة الخلود والامتداد، تلك الفكرة التي تجعل لحياة الإنسان بداية تعقبها مسيرة تقوم فيها أعماله، فإذا ما حانت لحظة النهاية فإنها في الحقيقة تمثل زمن البداية لحياة أخرى يحاسب فيها الإنسان على ما قدم في حياته الأولى ثم ينادى: يا أهل الجنة خلود بلا موت ، ويا أهل النار خلود بلا موت . ومما لا شك فيه أن هذا التصور لرحلة الإنسان في الحياة يعطى الوجود الإنساني في حياته الدنيا قيمته، وينفى عن وجوده صور اللامبالاة والعبثية.
التشريع الإسلامي
يقول سبحانه (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) الملك 2 . ويقول سبحانه (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) المؤمنون 115-116. وبجانب ذلك نلمح في التشريع الإسلامي محاولات خلق التوازن النفسي لدى الإنسان من خلال الاستجابة لنوازع الفطرة لديه، وأول هذه النوازع مراعاة الفطرة الإنسانية التي نسجت فيها معرفة الله بخيوط من حرير يصعب أن يجد الإنسان عنها تحولاً أو انفصالا. يقول سبحانه (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) الأعراف 172. ويقول سبحانه (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) الروم 30 .
وهذا يقودنا إلى أنه عند سبر أغوار النفس الإنسانية يجد الإنسان شعوراً قوياً بالخضوع لقوة عليا هي مصدر الخلق والإحسان والإبداع والتصوير، نعم قد يفتر الوحي الإلهي بين نبي ونبي، فتنحرف تصورات الإنسان لهذه القوة العليا، لذلك اهتم الإسلام في رسالته الخاتمة والخالدة أول ما اهتم بتحديد صفات ذلك الإله الخالق الذي يستحق العبادة والخضوع ، وكي لا ينحرف الإنسان في تصوراته، أو يفقد اتزانه حين يشعر بفراغ الفطرة من خلال تأثيرات الوراثة أو البيئة، ومع فقدان هذا الشعور تبدأ رحلة الإنسان مع البؤس والتعاسة والقلق والنفور، ولعل هذا ما عبر عنه الحق سبحانه وتعالى بقوله( نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) التوبة 67. وقوله (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) الحشر 19 .
حجر الزاوية
بهذا ندرك أن الإسلام جعل من العقيدة حجر الزاوية في الاهتمام بالكيان الداخلي للإنسان، وما ذلك إلا لأنها هي مصدر القوة لديه أولاً، وسر التماسك للمجتمع ثانياً، إذ المجتمع الذي يتحلل من عقيدة الإيمان بالله، في حقيقته مجتمع محكوم عليه بالفناء مهما أوتى من قوة مادية، فهذه سنة الله تعالى (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا ) الأحزاب 62 .
إذا الإيمان ضاع فلا أمــان
ولا دنيا لمن لم يحـيى دينا
ومن رضى الحياة بغـير دين
فقد رضى الهوان له سبيلا
وبهذا تكون المحافظة على الإنسان عقلاً وكيانا من الانحراف والضلال ، ومن ثم أعطى الإسلام الإنسان التصور الكامل عن جوهر ما يجب عليه أن يملأ به فطرته من إيمان بالله واليوم الآخر بطريقة سهلة لا لبس فيها ولا التواء تسطع في وضوحها كنور الشمس في كبد السماء.


د. محمد عبد الرحيم البيومي
كلية الشريعة والقانون - جامعة الإمارات

اقرأ أيضا