أرشيف دنيا

الاتحاد

كن ربانياً طوال العام ولا تكن رمضانياً خلال شهر فقط

استقبل المسلمون قبل أيام عيد الفطر السعيد بعد أن وفقهم الله لطاعته خلال شهر رمضان المبارك، حيث صاموا نهاره، وقاموا ليله، طاعة لله سبحانه وتعالى، فقد ودع المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها شهر الخير والبركة، شهر رمضان المبارك، بعد قيامهم بالصيام والقيام خلال هذا الشهر الفضيل، حيث حزنوا على فراقه كما قال الشاعر:
ودعوا يا إخوتي شهر الصيام
بدموع فائضـــات كالغمــام
وسلوا الله قبـولاً في الختـام
فالكريم من رجــاه لا يضــام
منذ أيام غادركم رمضان، شهر القرآن والإيمان، فودعه المؤمنون بقلوب يملؤها الحزن العميق، ونفوسٍ يعتصرها الألم على فقده، وفراقه وبعده، والمؤمنون يتمنون أن يكون رمضان العام كله، لما يعلمون فيه من الخير والبركة، وغفران الذنوب والرحمة، وصلاح القلب والأعمال.
لقد رحل شهر رمضان إما شاهداً لنا أو علينا، فقد انفض موسم التجارة مع الله في شهر الصوم، موسم مضاعفة الأجر والثواب، ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر، ونسأل الله أن يكون شاهداً وشفيعاً لنا، للحديث: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام:
أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه:
قال: فيشفعان» (أخرجه أحمد).
إن لربنا في دهرنا نفحات، تأتينا نفحة بعد نفحة، تذكرنا كلما نسينا، وتنبهنا كلما غفلنا، فهي مواسم للخيرات والطاعات، يتزود منها المسلمون بما يعينهم على طاعة الله سبحانه وتعالى: (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ)، «سورة البقرة، الآية 197».
ومن هنا كان على المسلم بعد رمضان أن يقف وقفات يحاسب فيها نفسه، ويراجع فيها سجله، وينظر فيما قدم، هل أدى الواجب أو قصر؟ أما من أدى الواجب فمن حقه أن يفرح، وهذا معنى: «وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقى ربه فرح بصومه» (أخرجه البخاري).
إن الواجب علينا أن نواظب على طاعة الله ورسوله في كل وقت، فان الله يحب من العمل أدومه وإن قل، فإياك يا أخي القاريء أن تنقطع عن العبادة بعد رمضان، فهذا ما لا ينبغي،
أما أن يكون لك في رمضان حظ من التلاوة، ثم بعد ذلك تهجر المصحف إلى رمضان القادم فهذا ما لا يليق، أما أن يكون لك حظ من المسجد، ثم بعد ذلك تنقطع عنه إلى رمضان القادم فهذا لا يليق.
تنبيهات
ننصح أحباءنا وإخوتنا إلى ضرورة الابتعاد عن الأخطاء المنتشرة بين بعض المسلمين بعد انقضاء شهر رمضان المبارك ومنها:-
- ترك الصلاة ومعاودة المعاصي بعد رمضان، فهذا لا يجوز فالمسلم يجب أن يكون ربانياً وليس رمضانياً، وعبادة الله واجبة في كل وقت، (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ)، «سورة الذاريات، الآية 56»، فالواجب علينا أن نواظب على طاعة الله ورسوله في كل وقت، فان الله يحب من العمل أدومه وإن قل، فإياك يا أخي أن تنقطع عن العبادة بعد رمضان، فهذا ما لا ينبغي، أما أن يكون لك في رمضان حظ من العبادة والتلاوة، ثم بعد ذلك تهجر العبادة والمصحف إلى رمضان القادم فهذا ما لا يليق بمسلم.
- هجر المساجد بعد رمضان، فهذا خطأ كبير، فرب رمضان هو رب شوال، ومن المؤسف أن يحصل عقب رمضان لكثير من المسلمين ضعف في الخير وشغل عن الطاعة وانصراف للَّعب والراحة، فلقد وهنت الهمم وفترت العزائم وقلّ رُوّاد المساجد، وليعلم الجميع بأن الطاعات والمسارعة فيها ليست مقصورة على رمضان ومواسم الخير فحسب، بل عامة في جميع الأوقاف، لذلك يجب على المسلمين أن يحرصوا على الصلاة في المساجد في كل زمان ومكان.
صيام ستة أيام من شوال
أعلم أخي المسلم بأن العبادة والطاعة لا تنقطع وتنتهي بانتهاء شهر رمضان المبارك، فلئن انقضى صيام شهر رمضان فإن المؤمن لن ينقطع عن عبادة الصيام، فالصيام لا يزال مشروعاً
كما روي عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال، كان كصيام الدهر» (أخرجه مسلم)، كما روي عن ثوبان أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «من صام ستة أيام بعد الفطر، كان تمام السنة، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها» (أخرجه ابن ماجه)، وبيانه أن الحسنة بعشر أمثالها، فصيام رمضان بعشرة أشهر وصيام الستة بستين يوماً وهذا تمام السنة فإذا استمر على ذلك فكأنه صام دهره كله، وفي الحديثين دليل على استحباب صوم الأيام الستة بعد اليوم الذي يفطر فيه الصائم وجوباً وهو يوم عيد الفطر والمتبادر في الاتباع أن يكون صومها بلا فاصل بينه وبين صوم رمضان سوى هذا اليوم الذي يحرم فيه الصوم وإن كان اللفظ يحتمل أن تكون الستة من أيام شوال. وعلى ذلك يجوز صيامها متتابعة من اليوم الثاني إلى آخر السابع فمن يفعل ذلك فقد أتى بالأفضل.
وإذا صام المسلم الأيام الستة مجتمعة أو متفرقة في شوال في غير هذه المدة كان آتياً بأصل السنة، وخلاصة القول إذاً: صوم الستة من شوال مستحب بعد اليوم الأول منه، ومن الأفضل أن يكون الصوم لها متتابعاً في شوال، ويجوز أن يكون متفرقاً فيه.
إن نفحات الخير تأتينا نفحة بعد نفحة، فإذا ما انتهينا من أداء الصلوات المفروضة، تأتي النوافل المتعددة المذكورة في كتب الفقه، ولئن أدينا الزكاة المفروضة، فإن أبواب الصدقات النوافل مفتوحة طيلة العام، ولئن أدينا فريضة الحج فإن أداء العمرة ميسر طيلة العام، وهكذا الخير لا ينقطع وهذا فضل من الله ونعمة.
إن آخر يوم من رمضان يعقبه أول يوم من أشهر الحج! وهذا معناه أننا نخرج من فريضة الصوم لندخل في فريضة الحج، فنحن ننتقل من عبادة إلى عبادة، وإن شئت فقل: نتقلب في العبادات، وذلك علامة واضحة على عبوديتنا الكاملة لله عز وجل، وهو أمر يحتاج إلى تدبر وتفكر!
والناس صنفان: عبيد لله وهم العاملون بطاعته والحافظون لحدوده، وهؤلاء قد بلغوا الغاية في العز والرفعة وعلو القدر والمنزلة، وعبيد للناس أو للشهوات، وهم الضالون المنحرفون عن الصراط، الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم! وهؤلاء قد بلغوا الغاية في الذل والمهانة وإن كانوا من الذين إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم!
فاختر لنفسك مع من تكون، وتدبر دائماً قول الحق سبحانه وتعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، «سورة القصص، الآية 83».
وعلينا أن نتذكر دائماً قول الله تعالى: (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)، «سورة إبراهيم، الآية 7»، وقوله أيضاً: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ)، «سورة البقرة، الآية 152»، فأين هذا من أولئك الذين ينسون الله سائر العام، ولا يذكرونه إلا في شهر رمضان، ويعصونه ويكفرون نعمه، ويجحدون فضله أحد عشر شهراً، ثم يمنون على ربهم أن عبدوه شهراً واحداً، هذا جهل وتفريط، جهل بحق الله على عباده، وتفريط بواجبهم نحوه سبحانه وتعالى.
تقبل الله منا ومنكم الطاعات، وكل عام وأنتم بخير، وشعبنا وأمتنا العربية والإسلامية بخير، وإن شاء الله يأتي العيد القادم وقد تحررت بلادنا وطهرت مقدساتنا إنه سميع قريب.



الشيخ الدكتور يوسف جمعة سلامة
خطيـب المسـجد الأقصـى المبـارك
www.yousefsalama.com

اقرأ أيضا