أرشيف دنيا

الاتحاد

دية المرأة نصف الرجل بسبب اختلاف المسؤوليات والتكاليف

اتخذ البعض من مسألة دية المرأة في الفقه الإسلامي ذريعة لتشويه الدين الحنيف والهجوم على أحكامه، واعتبروا أن القول إنها نصف دية الرجل في النفس، وفيما دون النفس انتقاصا من قيمة المرأة وكرامتها.
ويقول الدكتور عبد الرحمن عميرة عميد كلية أصول الدين الأسبق بجامعة الأزهر إن الدية شرعا هي المال الواجب في النفس أو فيما دونها، والمقصود بها المال الذي يدفع بدل النفس المقتولة حتى يسقط القصاص عن الجاني بأسبابه، وقد يسمى أرش ما دون النفس، والأصل في وجوبها قوله تعالى:» وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما» سورة النساء- الآية 92 .
السنة النبوية
وأوضح أن الله تعالى لم يعين في كتابه قدر الدية والذي يفهم من الآية هو إيجابها مطلقا، وليس فيها إيجابها على العاقلة أو القاتل، وإنما ذلك كله من السنة النبوية المشرفة، وقد أجمع أهل العلم على وجوب الدية، والمصادر الفقهية احتوت على العديد من الأدلة الشرعية التي تؤصل الدية وأحكامها منها ما رواه النسائي عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- كتب كتابا إلى أهل اليمن جاء فيه:» أن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فانه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدية»، إلى أن قال- صلى الله عليه وسلم:» وإن الرجل يقتل بالمرأة وعلى أهل الذهب ألف دينار»، كما روى أبو داود وغيره عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما:» أن رجلا من بني عدي قتل فجعل النبي- صلى الله عليه وسلم- ديته أثنى عشر ألفا».
وأضاف أن من الأدلة الفقهية أيضا ما روى أبو داود أيضا من حديث عمرو بن شعيب عن أَبيه عن جده قال: كانت قيمة الدية على عهد الرسول- صلى الله عليه وسلم- ثمانمئة دينار أو ثمانية آلاف درهم، ودية أَهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين. قال: فكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر- رضي الله عنه- فقام خطيبا فقال: أَلا إن الإبل قد غلت. قال: ففرضها عمر على أَهل الذهب ألف دينار، وعلى أَهل الورق اثني عشر أَلفا، وعلى أَهل البقر مئتي بقرة، وعلى أَهل الشاء ألفي شاة، وعلى أَهل الحلل مئتي حلة، قال: وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية. وقال ابن عبد البر في هذا الحديث ما يدل على أن الدنانير والدراهم صنف من أصناف الدية لا على وجه البدل والقيمة.
نفس واحدة
ويقول الدكتور منتصر مجاهد أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة قناة السويس إن الإسلام يقرر أن الناس جميعا رجالا ونساء قد خلقوا من نفس واحدة، ويقول الله تعالى:»يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة» النساء 1، فالرجل والمرأة متساويان تماما في الاعتبار الإنساني وليس لأي منهما ميزة على الآخر والكرامة التي منحها الله سبحانه في قوله: «ولقد كرمنا بني ادم» الإسراء 70، هي كرامة للرجل والمرأة على السواء.
ويوضح أن كتب الفقه الإسلامي واجتهادات العلماء تكاد تجتمع على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، مضيفا أن جمهور العلماء ذهب إلى أن دية المرأة في النفس هي النصف من قيمة دية الرجل لما روى البيهقي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي- صلى الله وسلم- قال:»دية المرأة نصف دية الرجل».
ويقول إن بعض الفقهاء ذهب إلى أن دية المرأة مثل دية الرجل وهذا هو ظاهر الآية حيث لم تفرق بين الرجل والمرأة، وإن جماهير أهل العلم تعتبر أن دية المرأة على النصف من دية الرجل ويؤكدون أن القول بخلاف ذلك قول شاذ لا يعول عليه ولا يلتفت إليه، وذهب الحافظ بن عبد البر إلى القول إن العلماء «أجمعوا على أن دية الـمرأة نصف دية الرجل وأن ديتها على النصف من دية الرجل بسبب أن لها نصف ميراث الرجل وشهادة امرأتين بشهادة رجل وهذا إنما هو في دية الخطأ وأما العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء لقوله عز وجل: «النفس بالنفس» المائدة الآية 45.
أهل العلم
ويضيف أن الإجماع قد انعقد على أن دية المرأة في النفس هي نصف دية الرجل ويتضح ذلك من قول الإمام القرطبي: «وأجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل»، وهذا ما أكده الشيخ ابن قدامة المقدسي والأئمة الأربعة وأتباعهم وعلماء السلف والخلف، وذكر عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي عدة روايات عن الصحابة تفيد أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، ونقل عن عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت رضي الله عنهم ولا يعرف لهم مخالف فصار إجماعا.
وبين أن بعض الأحاديث رويت عن النبي- صلى الله عليه وسلم- في ذلك ولكنها غير ثابتة، مؤكدا ثبوت تنصيف دية المرأة عن عدد من الصحابة ونقل بعض أهل العلم أن الإجماع على ذلك يكفي في إثبات هذا الحكم لأن مثل هذا الأمر لا يعرف إلا توقيفاً لأنه من المقدرات التي لا مجال للعقل فيها فيكون له حكم الرفع إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- خاصة أن عددا كبيرا من الفقهاء والأئمة قالوا بذلك كسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري وعطاء ومكحول والليث وابن شبرمة.
وأضاف أن بعض العلماء شذ عن ذلك مثل الأصم وابن علية فقالا دية المرأة كدية الرجل وتابعهما على ذلك بعض المعاصرين وقولهم مخالف لما استقر عليه عمل علماء الأمة على مر العصور والأيام.
توزيع المسؤوليات
وذكر الشيخ منصور الرفاعي عبيد وكيل وزارة الأوقاف المصرية لشؤون الدعوة سابقا أن الآراء الفردية تقول إن دية المرأة مثل دية الرجل بناء على عموميات الكتاب والسنة مما يهدم الإجماع الصحيح، مضيفا أن البعض نظر إلى المسألة من زاوية المساواة بين الرجال والنساء والتكافؤ بين المسلمين والمسلمات، ولم ينظر إلى توزيع المسؤوليات والتكاليف المالية بين الجنسين.
وأكد أن مسألة الدية من الجزئيات التي يساء فهمها ويتخذها البعض وسيلة للطعن في الإسلام والادعاء بأنه أباح ظلم النساء وما لهن من حقوق بقبول وضعهن في مكانة ومنزلة تجعلهن من الناحية الإنسانية أقل قيمة أو من نوع أو مستوى آخر غير مستوى الرجال.
وقال إن التشريع القرآني يتضمن العديد من الأوامر التي تحض على تكريم المرأة وتؤكد مبدأ المساواة وفضلها وتوقيرها وعلو شأنها، فهي تتساوى مع الرجل في أصل النشأة والحقوق الإنسانية، والرسول- صلى الله عليه وسلم- قال في مرض موته: «اتقوا الله في النساء»، ويخاف من التقصير في حق المرأة، فيقول: «استوصوا بالنساء خيرا».
التزامات الرجل
وشدد على أن القول بأن أحكام دية المرأة ليست انتقاصا للمرأة وليس معناها أو مقاصدها التحقير من مكانتها وقيمتها أو أنها أهون في الإسلام من الرجل ولا تساويه فهذا فهم مغلوط لا يعبر عن حقائق الإسلام وقيمه، ومسألة دية المرأة ينظر إليها من زاوية المسؤوليات، فالسبب في هذا النقص يرجع إلى أن الرجل ألزمه الشارع بالتزامات مالية عليه لغيره، ولم يلزم المرأة فاختلفا في الالتزام، واختلفا تبعا لذلك في العوض المدفوع لمن يخلفهما بعد وفاتهما.
ويضيف أن الأولاد إذا مات والدهم تأثروا ماديا لموت الذي ينفق عليهم، فاحتاجوا إلى التعويض عن هذه الخسارة، أما المرأة فليست ملزمة بالنفقة على أولادها. فإذا ماتت لم يفتقد أولادها بموتها نفقة أو مالا، والذي ينفق عليهم موجود وهو الأب، فكانت حاجتهم المالية لم تختل حتى يحتاجوا إلى تعويض.
وقال إن تأسيس مقدار الدية لم ينظر فيه إلى الميت بذاته، وإنما نظر إلى الالتزامات التي ألزمه الشارع بها، فإن كان عليه التزامات مالية لآخرين ألزمه بها الشارع، كالنفقة على أولاده وزوجته، فديته تبعا لذلك كبيرة، وإن كان ليس عليه التزامات مالية حتى لنفسه كالمرأة، فديتها أقل. وهذا التشريع جاء بناء على الأغلب الأعم في حياة الناس، وليس بناء على حالات فردية قد لا تجري على هذه القاعدة.

اقرأ أيضا