أرشيف دنيا

الاتحاد

زوج على الورق

انشغلت بجمع المال بعدما عرفت كيف أتحصل عليه من خلال التجارة، وقد عانيت كثيرا واجتهدت الى ان وصلت الى ما أريد، وتغيرت أحوالي او انقلبت من العوز والفقر الى اللعب بأوراق البنكنوت ورصيد كبير في البنك يزداد كل يوم، وتعاملات كبيرة بالشيكات التي أصبحت أحمل دفاترها في حقيبتي، لم أكن عبدا للمال أو مريضا باكتنازه وتكاثره، وانما هي عقدة نقص بعد معاناة الطفولة والظروف الصعبة التي نشأت فيها.
حصلت على مؤهل متوسط بشق الأنفس وانا أعمل صيفا لأنفق على نفسي شتاء كي أساعد أبي في كفاحه من أجل توفير احتياجات أسرتنا، لذلك خضت غمار العمل في اي مجال يمكن ان يقبل صاحبه أن يلحقني به، وتنقلت بين العديد من الأعمال والحرف البعيدة عن الوظائف الرسمية الحكومية، وعن تخصصي الدراسي الذي اعتبرته لاغيا مؤقتا او خارج نطاق الخدمة في حياتي، انتقلت من مسقط رأسي الى مدينة بعيدة فيما يشبه الهجرة لأنني انقطعت عن زيارة بلدتي بلا قصد القطيعة ولكن للانشغال في أمور الحياة، تعرضت لنجاحات وانتكاسات وخسائر وأرباح ونكبات وسقطات بين الحين والآخر فلم تكن حياتي تسير على وتيرة واحدة.
لم تكن التجربة بسيطة ، لقد كانت قاسية بكل ما تعني الكلمة، لأنني أضعف من كل المواقف التي كنت أتعرض لها ولم يكن أمامي اي اختيارات أخرى غير الثبات والاستمرار.
وبعد سنوات طوال، جاءت اللحظة التي استقرت فيها سفينتي على مرسى التجارة وانطلقت أحمل البضائع أجوب بها على الزبائن وأصحاب المحال لتوزيعها، وبدأت اعرف المكسب المستمر، وتوسعت في تجارتي الى ان استطعت ان امتلك محلا خاصا بي وتوقفت عن التجوال واصبح الزبائن يأتون اليّ، وتوسعت تجارتي وجرت الأموال بين يدي فقررت إضافة نشاط جديد لأعمالي واقتحمت مجال المعمار والبناء والمقاولات، ووجدت أرباحها خيالية فالأموال تتضاعف أضعافا كل عدة أشهر، ومن خلال هذا العمل اخترت شقة فاخرة واسعة في منطقة راقية لتكون مسكنا لي، ولكن أغلقتها الى حين.
بلغت الأربعين من عمري ولم افكر في الزواج، اولا لانني كنت ابحث عن العمل وتأمين المستقبل، ثم انشغلت بعد اتساع أعمالي في كيفية تسييرها وتنميتها، وقد تغيرت طموحاتي وامنياتي وخريطة تفكيري، خاصة بعد ان تمكنت من مساعدة اخوتي جميعا في إكمال تعليمهم وزواج الأخوات، وتوفير حياة كريمة لابي وامي، الغريب ان من هم في مثل ظروفي دائما يتلقون تساؤلات حول موعد زواجهم ومتى يتم ذلك، لكن لم يحدث ذلك معي إلا من دعوات أمي لي بالصحة والستر وامنياتها ان ترى أبنائي، وتراني مستقرا في حياتي الزوجية، ولم أكن يوما مطلوبا من النساء، وحتى الآن لم أكن مطمعا رغم ثرائي وظروفي الميسرة، وربما يكون ذلك لأنني دائما أبدو مهموما مشغولا، وايضا ليس من طبيعتي اختلاق الحوار مع النساء وقد يكون الأهم من ذلك انني لست رقيقا في كلامي وكذلك لست فظا وانما أضع الحوار في نطاقه وحدوده.
كأنني أفقت فجأة على ما مر من العمر الذي بدأ في العد التنازلي، وان الشباب بدأ يولي وخطرت على بالي فكرة الزواج بإلحاح لشعوري بأن حياتي ستدخل في الوقت الضائع واردت ان استمتع بأموالي التي جمعتها بالعرق والجهد وان أعيش حياتي بشكل طبيعي مثل أقراني الذين استقروا في بيوتهم الزوجية وأنجبوا أطفالا منهم من بلغ سن الالتحاق بالمدرسة، مع اختلاف ظروف كل واحد، لكن المشكلة الآن بالنسبة لي هي الاختيار، فالمعايير والمواصفات التي أرجوها تغيرت بعد تغير أحوالي وظروفي، الآن اريد زوجة متميزة في كل شيء، خارقة الجمال، في وظيفة مرموقة ووضع اجتماعي راق، سيدة مجتمع افتخر بها بين الناس، وبين الذين أتعامل معهم من علية القوم.
لم يكن العثور على فتاة بهذه المواصفات أمرا سهلا والتقيت بكثيرات في أماكن ومناسبات مختلفة لكن لم يحدث اي توافق مع اي منهن، ولا اريد ان أتسرع في اتخاذ القرار لأن الأمر مصيري وليس مجرد تجربة يمكن ان يتم تفادي أي سلبيات فيما بعد، والخطأ سيكون جسيما وإصلاحه سيكون في قمة الصعوبة ويكلف نفسيا وماديا، والعمر لا يحتمل تجارب من هذا النوع، وشاء القدر ان يصاب أحد أصدقائي بمغص مفاجئ وصحبته الى المستشفى وهناك التقيت بطبيبة رقيقة يبدو من أول وهلة أنها سليلة عائلة كريمة، ودودة عذبة الحديث، كلامها نفسه دواء، لأول مرة في حياتي أجد هذه المشاعر، أحسست بانني أحببتها من أول نظرة، شعرت بالضعف أمامها، ولأول مرة أجدني اختلق معها حوارا وأوجه اليها أسئلة.
رغم انشغالي بأعمالي لكن بعد عدة أيام اصطحبت صديقي الى المستشفى مرة أخرى بحجة الاطمئنان عليه، والتقيت بمن استطاعت ان تتسلل الى قلبي وأظنها من البداية فطنت الى سبب مجيئي، وحتى لا تسيء فهمي قررت ان أدخل في الموضوع مباشرة، وايضا حتى لا أضيع الفرصة التي جاءت بعد صبر وطول انتظار، صارحتها بشرف المقصد وعرفتها بنفسي وطلبت منها ان لم يكن عندها مانع ان يكون بيننا لقاء لمناقشة الأمر، وتم لي ما أردت وانا لا أصدق نفسي، التقينا في مكان يليق بها وبمكانتها، وحدث بيننا توافق كبير خاصة وانني وضعت كل امكاناتي بين يديها وابديت استعدادي لتلبية كل مطالبها، وأمهلتها اسبوعا للرد واتخاذ القرار، وكان أسبوعا طويلا طويلا وانا انتظر على أحر من الجمر واتمنى ان تستجيب ولأول مرة أجدني ملهوفا مترقبا وعندما عاودت الاتصال في الموعد المحدد كانت ضربات قلبي تسبقني وتتسارع، كدت اسقط عندما جاء الرد بالإيجاب وتوقفت عن الكلام كما لو كنت أصبت بخرس.
لم أتوقف أمام أي شرط أو مطلب من مطالبها ومطالب أبيها بل زدت عليها، وجعلت من الشقة التي اخترتها من قبل قصرا، وتم الزفاف في فندق خمسة نجوم، وبعدها سافرنا الى جزيرة عالمية مشهورة قضينا فيها شهر العسل، فندمت على ما فات من عمري من دون ان استمتع به واستغربت من الذين يشوهون الزواج ولا يكفون عن الشكوى.
عند العودة أصابني الاكتئاب لأنني سأترك المكان الذي شهد ولادة حبي وسعادتي، لكن خفف عني ان سبب السعادة أي زوجتي ستكون معي فالمهم هي وليس المكان، وعدنا الى عشنا والى الحياة والعمل، ورويدا رويدا سرقتنا الانشغالات وأمور الحياة، وسريعا تسللت السعادة الى خارج بيتنا، لانني وزوجتي لا نلتقي الا قليلا بسبب عملها وخاصة بعد ان اصبح لديها عيادة، ولم يعد لديها اي وقت للبيت، فالنهار كله من نصيب المستشفى والليل في العيادة الى وقت متأخر، بجانب النوبتجيات التي تضطرها الى ان تبيت في العمل، ولم يعد من المستغرب ان تمر عدة أيام من غير ان نلتقي.
اصبحت كالمعلق، لا انا متزوج ولا مطلق ولا حتى أعزب، انا حالة خاصة لا وصف لها افتقد الاستقرار متزوج على الورق، اضاف اليَّ الزواج عبئا جديدا بدلا من ان اجد زوجتي بجواري تناقشني وتحاورني واستنير برأيها واستأنس بها بجانبي، فعلا أصبحنا غريبين لا علاقة بيننا الا بالاتصال الهاتفي الذي لا تصل مدته الى دقيقة كل عدة أيام، ولا يوجد يوم إجازة أسبوعية لنلتقي فيه مثل كل الخلق لنتنزه او نتزاور مع أهلينا وأقاربنا وكانت الطامة الكبرى ان زوجتي لم تكن تؤمن بشيء من ذلك، عملها مقدم عندها عني وعن اي اهتمام آخر في الحياة كلها، المهم عندها ان تنجح واذا تبقى وقت يمكن ان تمنحه، وفي الحقيقة هي تحتاج لذلك ضعف ساعات اليوم، فالليل والنهار لا يكفيانها، وأقدر انها تتعب كثيرا، لكني في النهاية ضحية كل هذا وما قدمت لها أحدث الأجهزة الطبية الا لتكون طبيبة مشهورة، ولكن ليس لتنشغل بها عني.
كانت صدمتي فيها كبيرة وهي تصر على موقفها مهما كانت الظروف، وان كانت تعترف بأنها ليست زوجة بالمعنى التقليدي او كما يجب ان تكون في بيتها، وفي نفس الوقت تحاول ان توصل لي رسالة بأنها معذورة في هذا، وما باليد حيلة ويجب ان أتذكر انني التقيت بها في العمل وأيضا هي ليست ربة منزل لتجلس في البيت تغسل ملابسي وتعد لي الطعام.
وصلنا الى طريق مسدود، اكتشفت انني كنت مخطئا عندما اصدرت حكمي على الزواج بأنه شهر العسل، لم أفكر فيما احتاج اليه فعلا من زوجتي، لم يكن اختياري صحيحا لأن تلك الزوجة لا تناسبني، وما أريده من زوجتي مختلف تماما، وعندما فكرت في تطليقها وجدت انني أحبها وغير قادر على الاستغناء عنها فرغم ذلك فهي ودودة رقيقة، أصبحت بين نارين، إما الاستغناء عنها، وإما ان اتحمل هذا الوضع، وكلاهما مستحيل، فهل يكون الزواج من أخرى حلا للأزمة، وهل ستكون الزوجة الثانية كما أريد؟ ام أنني أكرر الخطأ؟.

اقرأ أيضا