أرشيف دنيا

الاتحاد

العيد ينشر بهجته في لبنان ويضيء مآذنه

اقبال كبير على شراء حلوى العيد

اقبال كبير على شراء حلوى العيد

تزدان الشوارع والطرقات وشرفات البيوت في المدن اللبنانية بالزينة والإنارة، وتزداد التحضيرات لاستقبال عيد الفطر السعيد، وتضاء مآذن المساجد احتفالاً بحلول عيد الفطر، وما أن يبدأ العد العكسي لختام أيام الشهر الفضيل، وتحديداً في الأيام الثلاثة الأخيرة التي يسمونها “ليالي الجبر”، أي جبر الخواطر والنفوس للناس الفقراء والمحتاجين والأيتام، بإخراج زكاة الفطر لمساعدتهم في تأمين ابسط متطلبات وحاجات العيد المبارك. حتى تنهمك النسوة في ليلة العيد في تنظيف البيوت وبعضهن يشترين مفروشات جديدة احتفاء بحلوله، بعد ذلك تعكف ربات البيوت على صنع الحلويات مثل المعمول وأقراص العيد التي تقدم للضيوف مع القهوة والشاي.
أجواء البهجة
يستقبل اللبنانيون عيد الفطر السعيد بتقاليد متوارثة تبدأ بإثبات حلوله، وتلتزم هذه المسألة أسس علمية فقهية. ففي الماضي وعندما يثبّت العيد، كان يصعد بضعة رجال من الأئمة والخطباء ورجال الدين إلى المآذن للتهليل والتكبير، معلنين حلول عيد الفطر السعيد، فيفرح الناس ويبدأ العيد، فيتزيّن الرجال والنساء والأولاد قبل شروق فجر أول أيامه، بأحسن ما عندهم، ويذهب الرجال جماعات لأداء صلاة العيد في الجوامع والمساجد، ثم يذهبون بعدها لزيارة موتاهم، حيث يوزع كل واحد صدقة على أرواحهم، ويعطي كل واحد الفطرة المفروضة عليه للفقراء، ثم يعودون لتهنئة الأئمة والخطباء.
أما اليوم، فيتهيأ الأهل والأقارب والجيران للعيد، بتوجههم إلى المحال لشراء الألبسة الجديدة لأولادهم، لأن اللباس الجديد جزء من العيد، ويبدأ الاحتفال به فور الإعلان عنه رسمياً، فيهنئ الأهل بعضهم، ويقومون بزيارة كبار العائلة، ويحصل الأولاد على العيدية من جدهم وجدتهم، يعودون بعدها إلى المنزل حيث يبدأ المهنئون بزيارتهم في بيوتهم، فتقدم الحلوى والقهوة والمعمول إلى المهنئين إضافة إلى “الشوكولاته” و”الملبس”.
الأطفال بدورهم وبعد نيلهم العيدية، يخرجون إلى الحدائق العامة والى “حرش العيد” ومدينة الألعاب لقضاء الأوقات في التسلية واللعب على الأراجيح والسيارات الصغيرة والزحافات. وهناك من يحب أن يشتري “المفرقعات” لزيادة الجو بهجة حسب اعتقادهم، وللدلالة على أن أيام عيد الفطر هي ليست كغيرها، مع العلم أن هذه الظاهرة “المفرقعات” أصبحت شائعة في لبنان بمناسبة وغيرها.
وفي بعض المدن اللبنانية والقرى، تقسم الزيارات في عيد الفطر السعيد على عدد أيام العيد، فأول يوم منه، تتم الزيارات المكثفة للوالدين والأقارب والجيران والأصدقاء، وتقدم العيدية للأطفال. وفي ثاني أيام العيد تعقد الاجتماعات العائلية، وتتم معايدة الأصدقاء في آخر أيام العيد، من دون الأطفال الذين يقضون أوقاتهم وهم يلهون في المراجيح، على غناء:
“اليوم عيدي يا لا لا
والبيت جديدي يا لا لا
فستان مكشكش يا لا لا
عالصدر مرشرش يا لا لا”.
تقاليد وعادات
في الأرياف النائية، يتبع الأهالي تقاليد يحرصون عليها في العيد المبارك، فبعد صلاة العيد يتناول أهالي “الضيعة” طعام الفطور في البيت الكبير أو الديوان، وتكون مائدة الغداء مخصصة للمناسف المؤلفة من الأرز ولحم الغنم أو الدجاج باللبن. وفي عيد الفطر السعيد تزدحم الأفران والمخابز بـ”كعك العيد”، وهو سمة من سمات مظاهر العيد في لبنان، حيث تتفنن ربات البيوت في عمله مع الفطائر الأخرى والمعجنات والحلويات التي تقدم للضيوف في الأسبوع الأخير من رمضان.
في هذا السياق، يقول أستاذ التاريخ حسان الحلاق عن خصائص شهر رمضان المبارك وعيد الفطر السعيد، إن لقاءات العائلة في هذين المناسبتين كان لهما ميزة ترسخت في أذهان اللبنانيين، فما زال كبار السن يتذكرون هذا الحنين بشوق، لا سيما عندما كانت هذه اللقاءات والاجتماعات العائلية تحمل كل معاني الخير والبركة، حيث تجتمع العائلة الكبيرة والصغيرة مع الحرص على تبادل الزيارات وأحياء السهرات الجماعية يومياً، من دون الإغفال عن الشعائر الدينية التي باتت اليوم مقتصرة على فئات محددة، بعدما اهملها الآخرون، لا سيما إقامة صلاة التراويح في المساجد بعد صلاة المغرب، وصلاة العيد يوم تثبيت قدومه، وأيضاً زكاة الفطر التي هي فرض على المسلمين جميعاً، رجال ونساء، كبار وصغار، بشرط أن يمتلك الفرد قوت يوم وليلة العيد، ويجب إخراجها قبل صلاة العيد، فلو اخرجها شخص بعد الصلاة، فلا تعتبر زكاة فطر بل صدقة من الصدقات ويجوز إخراجها قبل يوم او يومين من العيد حسب التشريع الإسلامي.
ثمة مذاق خاص ومتميز للشهر الفضيل في لبنان، ولعيد الفطر السعيد، فمع طول المناسبتين يمكنك أن تشعر وكأن حياة من نوع آخر دبّت في أوصال المدن والقرى اللبنانية، فكل المناطق ارتدت حلة جديدة من الزينة التي تعود إلى التراث العربي والإسلامي القديم، فتتلون الحارات والساحات بالمصابيح المتلألئة التي تزيد الأجواء بشائر بهجة، وتصدح المآذن بالتكبير والتهليل مما يضفي عبقاً أيمانياً خاصاً، نراه ونشعر فيه اكثر من بقية شهور السنة.


الظهور الأخير

يقول أستاذ التاريخ حسان الحلاق “في عيد الفطر السعيد، يظهر (المسحراتي) الذي كان يطوف ليلاً بالبيوت ليوقظ الناس، لتناول وجبة السحور قبيل أذان الفجر، ليهنئ أبناء حارته بالعيد المبارك، ولينال حصة تعبه من المؤمنين مع تبادل عبارات التهنئة والوعد بلقاء جامع في رمضان المقبل”.
ويضيف “يشارك المسحراتي الناس وداع شهر الصيام، وبقدر ما يحمل عيد الفطر سعادة وبهجة، بقدر ما تشعر بغصة لانتهاء شهر الخير والفرح والدعاء، فالوداع أمر صعب، فكيف إذا كان وداعاً لرمضان، واستقبالاً للعيد السعيد، وما يعزي المسلم انه كلما ازداد الإنسان طاعة لله عز وجل، ازداد فضاء حريته وتضاعف إحساس القوة في داخله، وكلما ازداد عبودية لله، ازداد تحرراً أمام خلقه، كائناً من كان، فمن الإبداع يتولد الخير، وشهر رمضان هو من أجل النعم، لانه موسم الخير الذي يتميز بانحيازه للفقراء والمساكين والأيتام”.

اقرأ أيضا