الخميس 19 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
كتابة الوطن.. بالضوء
كتابة الوطن.. بالضوء
28 أغسطس 2013 20:02

التوثيق ذاكرة الوطن، سرّه وثراؤه، هو روح الحياة التي تتدفق في الأبيض لتمنحه اكتمال الحضور في الفعل اليومي والحياتي وتجعله أقرب إلى الحقيقة. تستحضره من البعيد النائي، المجلّل بالغموض والحكايات لتضعه في مرمى الوعي. تسبغ عليه ضوءاً ضافياً، تعرف به، تسرده، تمنطقه أحياناً، تظهر ما استتر منه أحياناً أخرى، تومئ مرة، تصرح مرات، وتبني صيغة قولية او فنية تعيد رسم الصورة، تركيبها أو صياغتها، لتبدو في حقيقتها المدركة لا المتخيلة... فكيف إذا كانت الصورة هي الوثيقة وهي السبيل الذي اعتمد في التوثيق!. هذا السؤال ليس الوحيد ولا الأخير في سلسلة الأسئلة التي يثيرها كتاب صدر حديثاً عن المركز الوطني للوثائق والبحوث حمل عنوان “ذكريات شبه جزيرة العرب: رحلة في صور”، وقدم له سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة رئيس مجلس إدارة المركز. فالكتاب الذي ضم مجموعة ضخمة من الصور - بعضها ينشر لأول مرة - عن شبه الجزيرة العربية (البحرين، الامارات، الكويت، المملكة العربية السعودية، عمان، اليمن، قطر) يحرض العقل على متابعة وتقصي الكثير من التفاصيل التي تتضمنها الصور، وربما يدفعه إلى إعادة النظر في بعض المعارف أو المعلومات التي تختزنها الذاكرة حول المنطقة، وربما يفاجئه بشخصيات هي غير ما شاع عنها تماماً . ولابد هنا من الإشارة إلى البحث القيم الذي قدمته الباحثة منيرة خمير وقراءتها التأملية في تاريخ “التصوير الشمسي في بلاد الإسلام”. وهو بحث شيق، مفيد، ثري بالمعلومات التي تتقصى موقف المسلمين من الصورة الشمسية وما طرأ عليه من تبدلات من المنع إلى الولع بالبورتريه.. لكن ما يهمنا هنا هو بوح الصورة الخاصة بالإمارات التي تفتح القلب والعقل على مشهد الإمارات في زمن مضى. ما قبل الصورة قبل كتابة تاريخ شبه الجزيرة العربية بواسطة الصور كان بعض الرحالة قد وطأوا أرض هذه البلاد من أجل وصفها وإحضار الخرائط منها. كان فعلهم يتعلق بعمل إثني، وصفي، ربما يحمل في طياته القدرة على تقبل الآخر مع اختلافه. من بين هؤلاء الذين قدموا تقارير وصفية تضاهي الصورة الشمسية في عنايتها بالتفاصيل، ودقة وصفها، عالم الرياضيات والرحالة الالماني كارستن نيبور الذي تحدث في كتابه “وصف بلاد العرب” من واقع ملاحظاته الشخصية والمعلومات التي جمعها من السكان الذين مرّ بهم عن الضيافة العربية، وطرق التحية والسلام، وغيرهما من السلوكيات اليومية والممارسات الحياتية التي يخلو منها التصوير الشمسي في مراحله المبكرة، فنحن لا نكاد نعثر على صور تظهر كيفية أداء التحية أو الاحتفال بالضيف أو الأعراس، بينما نجد الكثير من صور الصلاة أو رعاية الأغنام أو الجمال أو الصحراء. بالطبع، تراكم تراث طويل من الروايات الأدبية التي كتبها الرحالة عن مشاهداتهم في الخليج، خاصة في الأماكن المقدسة، قبل أن نصل إلى عصر الصورة الذي بدأ مع الصور السلبية الأولى للكولونيل المصري محمد صادق باي، والمستشرق الهولندي كريستيان سنوك هورخروني، ومحمد حلمي وميرزا علي في مرحلة لاحقة. وبعيداً عن المواقف الرافضة أو المؤيدة لفكرة التصوير في بقاع العالمين العربي والإسلامي، يمكن القول إننا بحاجة إلى دراسة أكثر تعمقا بشأن التاريخ لأن من شأنها ان تقودنا الى نظرة شاملة ذات صبغة أخرى تجاه موقف المسلمين من الصورة الذي كثيراً ما وصف بانعدام الثقة ورفض الصورة الشمسية. لماذا الصورة؟ ما إن تنفتح سيرة التصوير الشمسي في الخليج حتى تقفز إلى الذهن جهود الرحالة السويسري يوهان لودفيك بركهارت (1784 ـ1817) على سبيل المثال. هذا الرجل الذي أنتج مجموعة من أهم الصور حول منطقة الخليج والصحراء العربية في فترة مبكرة من تاريخ التصوير الفوتوغرافي بعد أن كان قد اعاد البتراء مدينة الانباط الى ذاكرة العالم. عرف بركهارت باسم الشيخ ابراهيم، وقضى عدة اشهر في مكة في 1814م، وشارك في الحج، وما زالت صوره إلى الآن شهادات توثق لتاريخ المنطقة. هناك أيضاً، المستشرق الهولندي كريستيان سنوك هورخروني (1857 ـ 1936) الذي أسس أول كرسي أستاذ اللغة العربية في جامعة ليدن، والذي كان، على ما يقول الذين كتبوا عن سيرته، مسحوراً ومفتوناً بجمال اللغة العربية والحضارة الاسلامية وتعقيدهما. لكن زيارته إلى شبه الجزيرة العربية في (1884 ـ 1885م) كانت في الواقع ذات غاية محددة: البحث عن إحدى أهم المخطوطات السامية المعروفة باسم “نصب تيماء التذكاري” المحفوظ في متحف اللوفر في باريس. وما زال الغموض يكتنف حقيقة الرجل، وحقيقة اعتناقه للإسلام، رغم أنه غير اسمه إلى عبد الغفار. زار هذا الرحالة مكة، ولم يتمكن من الحج، وعاد منها حاملاً مجموعة صور شمسية مهمة. ولم يكن هورخروني الوحيد الذي واجه صعاباً كانت نهايتها أحيانا مأساوية، حصل ذلك بعد بضع سنوات من هيرمان بُركهارت الذي صور اليمن بشكل خاص واغتيل عام 1909م. ومن الرحالة الفرنسيين جول جيرفيه كورتلمون (1863 ـ 1931) الذي قام برحلة الى مكة في 1894 بعد اعتناقه الاسلام، وتعتبر روايته “رحلتي الى مكة” من الأعمال الكلاسيكية، وربما تقدم حالة ديزيريه شارني، المحفوظة صوره في الجمعية الجغرافية في باريس، خير دليل على التقاء التصوير الشمسي والجغرافيا، فالتصوير يصبح وثيقة “موجبة” لجغرافيا “واقعية” وللأبحاث الإثنية الوصفية على غرار إليزي ريكلو الذي انجز ملفاً ضخماً من تسعة عشر جزءاً بين 1875 و1894. ويظهر من التعليق الذي يفسر صورة التقطها شارني في اليمن أن الأمر يتعلق فعلًا بصورة توثيقية، يقول التعليق: “لا يمكن عبور الطريق بين الحديدة وصنعاء عبر سهول شامة وجبل شبام الصحراوية إلا بقافلة مؤلفة من عدد من الرجال مع بغال وجمال لحمل الأمتعة”. وهناك المصور الفرنسي ادوارد جوزف بيدو دو جلاتينييه (1850 ـ 1925) الذي اقام في عدن حيث فتح ستوديو خاصا بالتصوير الشمسي وكان على علاقة مع آرثر رامبو. أما رويات الرحالة الفرنسي هنري دو مونفرد فلا تزال ترافق المصورين الشباب اليوم إلى هذه المنطقة من العالم، فقد كان شخصية حالمة، عاش المغامرة والحرية في صميم حياته التي تبدو أشبه برواية، وفضل لبس العمامة على قبعة المستعمر واتخذ اسم عبد الحي... والقائمة طويلة لا يتسع المجال لاستعراضها كلها. ومن الملاحظات اللافتة أن هؤلاء الرحالة في غالبيتهم اعتنقوا الإسلام واختاروا لأنفسهم أسماء عربية، ربما ليسهل لهم التعاطي مع المجتمع والدخول في مفاصله، ومعايشة أهله والكتابة عنهم وتصويرهم بشكل واقعي، ناجم عن التجربة والاحتكاك.. وربما للتغلب على مشكلات كان يواجهها الرحالة غير المسلم في الدخول الى الأماكن المقدسة والإقامة فيها لمعايشتها عن قرب وكتابة تجربة حقيقية عنها. وهذا واحد من الأسباب التي تجعل كتابتهم وصورهم مهمة، فالسبب لا يكمن فقط في فرادتها، وتصويرها لمشاهد الحياة المختلفة، والحجيج والأماكن المقدسة، بل أيضاً لأن قسوة البيئة الطبيعية في شبه الجزيرة العربية من جهة، ولأسباب ومحظورات دينية يحكي عنها الرحالة في كتبهم، ظلت هذه المنطقة مكاناً مجهولاً، عصياً، لا يمكن ولوجه. ما جعلها خرافة غذت خيال الرحالة اكثر من كونها مفهوماً جغرافياً. أما السبب الثاني فنابع من كون الصورة أيضاً وثيقة تاريخية لا مثيل لها، لا سيما في ذلك الوقت المبكر، الذي لم تكن وسائل الاعلام المعاصرة قد ظهرت بعد، حيث لعبت الصورة دور وسيلة إعلام كاملة؛ وصفت، أوضحت، شرحت، فصلت، وأنتجت مواقف مع او ضد، رسمت نظرة الآخر الغربي الى هذه المنطقة. من هنا، تأتي أهمية هذه الصور التي قام باسكال جيل بجمعها من مصادر عدة، لتقول ما لم تقله الكلمات، وتبرز الكثير من المسكوت عنه مما ظل خافياً لأغراض يعلمها الراسخون في التاريخ الاستعماري ودوافعه والاستشراق ومآربه. وإذا ما تذكرنا أن الصورة (سفيرة)، تعبر عن المكان الذي خرجت منه، وأن هذه (السفيرة) قد تكون لبيبة وناجحة في مهتمها وقد تكون خائبة وفاشلة، فإن هذه الأهمية تزداد أكثر.. وإذا استحضرنا أن الصور اليوم باتت توجه إلى الشعوب وليس إلى طبقة محدودة من الناس او الحكام كما في الأيام الخوالي، فإن هذه الأهمية تتعاظم لأن الصورة هنا تصبح أهم ألف مرة من الكلام. الكاميرا تحكي هذه سيرة مسرودة بالأبيض والأسود، وربما البني الفاتح الذي يحمل لون الرمل ونكهته الصحراوية، لمنطقة ظلت محط عناية الباحثين والرحالة وعلماء الآثار والتاريخ على مر العصور، لكنها سيرة من نوع آخر.. ليست مكتوبة بالكلمات بل بالضوء. سيرة يمكن القول إنها إعادة بناء أو إعادة تركيب أو إعادة صياغة للصورة القديمة النمطية التي عرفها الغرب عن المنطقة العربية بشكل عام وعن منطقة الخليج بشكل خاص. وسواء كانت هذه الصور وثائق تاريخية، أو اعمالاً فنية، أو منتجات تجارية أو الثلاثة معا فإنها تقدم صورة مثيرة عن مكانة المنطقة في التاريخ الثقافي بعيون الرحالة. الصورة تاريخ، والتاريخ ليس مجرد بقايا توضع في المتاحف ومراكز الفنون والتوثيق.. بل ذاكرة حية يستعيدها المجتمع كل يوم لكي يتحصل مها على العبرة والعظات والدروس التي تفيده في حاضره او تعينه على فهم ماضيه او تقيه شر الوقوع في تجارب سبق وأن ذاق مرارتها السابقون وخبروا ألمها الذين عايشوها.. لكن البشرية غالباً لا ترعوي وتكرر اخطاءها. صور الحروب كفيلة بأن تجعل البشر ضد الحروب على طول الخط، بل وتثير كل مكامن الكراهية لها ولتجارها وصناعها والذين يذكون جذوتها فيما يحترق في أوارها المساكين والفقراء لكن مع ذلك، تعجز الصور كثيراً عن اقناع الساسة بعدمية الحروب، لكنها من ناحية أخرى تفلح بشكل يستحق الاعجاب في بلورة، ولفت الانتباه، إلى المشترك الإنساني بين البشر. في هذه الصور التي توثق حياة الناس بالأبيض والأسود، ويغلب عليها اللون البني، تظهر مثل هذه المشتركات الإنسانية التي تثري الروح البشري. تظهر التقاربات في التعاطي مع شؤون الحياة المختلفة بأفراحها وأتراحها.. يتبدى ما يشبه الوحدة الشعورية بين الناس في الضحك والبكاء، الفرح والحزن، وتقول العيون تقريباً ما تنطوي عليه القلوب.. تقرأ في الصورة حيوية النظرات، براءتها، تتمظهر في شكل الصورة، في الهيئة التي يقف بها البدوي لكي يلتقط المصور له صورة.. في الابتسامة التي تزين الوجوه الذاهبة في ألفة لا حدود لها. توثق الصور أيضاً ممارسات الناس الجمعية، تعاونهم، ثراءهم الروحي الذي يقابل الشح في العيش ومصادر الحياة، تفاصيلهم الصغيرة، لهو الأطفال، فرح الرؤوس المتمايلة في الرقصات الشعبية، جمال الطبيعة من حولهم ومناظرها المتنوعة في الشروق والغروب، فتنة الصحراء، غموضها، الأماكن التاريخية وما تنام عليه من عراقة حضارية، القصور والقلاع والأسواق التي تمتلئ بالحياة، اللؤلؤ الذي يبرق بين أيدي التجار، الملابس وما تتميز به من غنىً في النقوش والزينة، البيوت القديمة بعمارتها التقليدية الناهضة في جمال الزخارف وتنوعها، الأبواب التي تحنو على سكانها وتتميز بنقوشها ورسوماتها، مشاهد الشارع، الوجوه العادية، وكل ما ينتجه البشر في علاقتهم اليومية من ممارسات وسلوكيات. الصورة والذاكرة في رحلة الى التاريخ القديم تأخذك الصور.. رحلة عكس الزمن.. تدور بك في أماكن ومواقع وجغرافيات بشرية وروحية. بقصر الحصن الأبيض، المسترخي في حرير التاريخ، تبدأ الصورة.. بمشهد تم التقاطه من الجو تبدو بضعة بيوت متناثرة هنا وهناك حول القصر الذي يشكل العمود الفقري في تاريخ الإمارات.. ثم تنفتح الصورة على مشهد الصحراء، برمالها الذهبية، التي لطالما جذبت المغامرين والرحالة بما ينتشر حولها من الخرافات والأساطير، لتنداح أمام العين سيرة القوافل التجارية التي كانت تعبر الصحراء محملة بالبخور والحرير واللبان وغيرها من الأحمال التي صاغت تاريخ المنطقة لفترة طويلة. رغم البساطة المتبدية في الصورة إلا أن ذكاء المصور في التقاط البعد المهيب للصحراء جعل منها أشبه بلوحة فنية موحية.. يمتد الأصفر فيما تعكس الصورة خطى البدوي وجِماله وهودج يحمل في داخله الزوجة التي ظلت عصية على التصوير في معظم الصور القديمة. تأخذك الصور إلى منتصف القرن التاسع عشر لتعبر بك إلى النصف الأول من القرن العشرين. ربما تستعيد مع مشاهد دبي مغامرات السندباد حيث لا تزال القوارب الشراعية التي حافظت دائما على شكلها الخاص تطوف في مياه الخليج العربي والمحيط الهندي ناقلة الرجال والبضائع، هذه القوارب الشراعية الصغيرة المصنوعة غالباً من الخشب الإندونيسي او الهندي التي حلت مكان القوافل. تنتبه إلى أن التبادل الاقتصادي لم يكن أبداً مجرد علاقات اقتصادية بحتة، ثمة في أحشائه علاقات ثقافية وحضارية وفنية ولغوية، ثمة تأثيرات وتأثرات تنجم عن الاختلاط البشري. ألم يقل الفيلسوف الفرنسي اميل ليتريه الذي رأى أن الشعوب تختلط فتتداخل لغاتها أنه “ما من لغة بدون اختلاط”. ليست السلسلة اللغوية هي ما يتأثر بالسفر وحكاياته.. فمواكب الفرسان العربية التي يمكن رؤيتها من خلال الصور تذكرنا أيضاً بطريق القوافل، الطريق الطويل الى الآخر الذي بدأ بخطوة اقتصادية منذ القدم، ولا يزال بانتظار خطى ثقافية عملاقة تجسر الهوة بين الثقافات، تقول الصور في جملة ما تقوله إن الصحراء لم تكن يوماً عائقاً أمام أبنائها للتفاعل مع الآخر، والقبول به، وأنها وهي التي أخرجت للبشرية أمة وسطاً قادرة مرة أخرى على أن تنجز حلفاً حضارياً، ثقافياً، غايته السلام والطمأنينة العالمية. من بين الصور أيضاً ما يفتح المشهد على نهايات جمالية، تلك التي جرى التقاطها في الهواء الطلق تبرز جماليات المشهد الطبيعي او الخارجي، كما أن هناك الصور التي جرى التقاطها داخل ستوديو أو خيمة أعدت لتكون بمثابة ستوديو مؤقت، وهي غالباً صورة بورتريه أو صور لأشخاص يقومون بعمل ما، التقطت رغبة في تخليد لحظة ما. وتظهر اغلب الصور الجماعية ان الصور الاولى التي التقطت بحجة اجراء دراسات اثنوجرافية تعزل الناس بشكل خاطئ. انها صور تفهرس الذاكرة وعفوية الحياة كما أن البحث عن انسجام في البورتريه يبين ثراء عاطفياً في النظرات التي تدغدغ خيال الناظر اليها أول مرة. من صور القوافل التي تنقل لنا آثار عهد غابر لم يبق من مفرداته الكثير، إلى الأسواق التي تضج بالحياة، والألوان، والوجوه المعبرة، إلى تاجر اللآلئ الذي يقدم لآلئه دائماً على قطعة من القطيفة الحمراء ليظهر بريقها بشكل أفضل.. إلى الخيام التي ترحب بالضيوف تسير الروح في بادية الضوء.. تراقب القهوة العربية التي تتوهج على جمر الذاكرة.. تستعيد الحكايات والخراريف والثقافة الشفوية التي تشكل لب الثقافة الإماراتية ليلمس المرء أنه ليس الجنّ من يسكن الصحراء كما تتناقل التقاليد الشفوية إنما الآلات التي تخرج النفط من الآبار، وتخرج المجتمع في الوقت نفسه من حال إلى حال.. النفط الذي تمكن من تغيير كل ملامح الحياة في الإمارات ودول الخليج يبدو أكثر قدرة سحرية على تحقيق رغبات العباد من ذلك الجني الذي ظهر لعلاء الدين في مصباحه السحري. منصور بن زايد آل نهيان: الكتاب وثيقة بصرية تسرد تاريخ المكان في تقديمه للكتاب يقول سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة رئيس مجلس إدارة المركز الوطني للوثائق والبحوث: كانت جزيرة العرب وما زالت، محط اهتمام علماء الآثار والجغرافيا والرحالة والمغامرين والمؤرخين والتجار، الذين ارتادوا مجاهلها حباً في طبيعتها الهادئة الموحية، أو رغبة في اكتشاف مصادر أساطيرها وحكاياتها، أو تعرف آثار حضاراتها البائدة، وقد تركوا لنا مؤلفات سجلت ما شاهدوا، ووثقت ما سمعوا وما قرأوا. وهذا الكتاب الذي بين أيدينا وثيقة بصرية، رسم المؤلف السيد باسكال جيل فيها من خلال مجموعة من الصور الشمسية معالم الحياة السائدة في عدد من فترات تاريخ الجزيرة العربية، وقد بذل جهداً كبيراً ـ يشكر عليه ـ في جمعها والتعليق عليها. وتبقى هذه الصور شهادات فريدة على الماضين على واقع الحياة اليومية في البيئة الصحراوية والحضرية في هذه المنطقة، التي كانت تسير على وقع خطوات القوافل البرية في عرض الصحراء، والبحرية في عباب البحر بحثاً عن لقمة العيش، واكتشافاً لمعالم المنطقة، وتشمل هذه الصور الفترة الممتدة من ظهور التصوير الشمسي حتى سبعينيات القرن العشرين، وقد شملت علية القوم من الحكام والشيوخ ونماذج من آثارهم في فن العمارة وعامة الناس في أسواقهم ودكاكينهم وبيوتهم وملتقياتهم. الكتاب صفحة موثقة من تاريخ مضى وانقضى، يعرضه المؤلف في قالب تصويري، يحرك أحاسيسنا، ويثير ذاكرتنا، ويشدنا إلى الماضي، الذي ما زال يؤثر في حياتنا المعاصرة، ومن هنا فهو جدير بأن يكون من المصادر التي توثق بعض جوانب تاريخ هذه المنطقة الغنية بتراثها الحضاري وعطائها الإنساني. لقد عمل المركز الوطني للوثائق والبحوث خيراً بدعمه هذا الكتاب توثيقاً ونشراً، وندعوه الى مزيد من الجهود في توثيق مظاهر ماضينا، بالتنسيق مع الباحثين والمؤرخين الجادين، الذين يتناولون مختلف قضايا الخليج العربي والجزيرة العربية بموضوعية وأمانة وتقدير.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©