الإثنين 4 يوليو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
سالم الذهب والبحر وما وهب
سالم الذهب والبحر وما وهب
28 أغسطس 2013 20:02
أنت الصائد، وأنت السائد، وأنت الناشد، وأنت الحاشد، وأنت القاصد، وأنت الحاصد، وأنت المارد، وأنت القائد، وأنت الرائد، وأنت الجامد، وأنت الصامد، وأنت السارد، وأنت الجارد، وأنت الحافز، الناهد، الراعد، المطارد لموجات حملت على ظهرها زاداً وعتاداً. أنت.. أنت سالم الذهب، القابع الآن في ملكوت الغياب المهيب، أيقظت في الرأس زعانف الفكرة، وفتحت شوارد العبرة إلى حيث كان قاربك المجبل، يخض كثبان البحر، ويغوص في رمال الموجة العارمة.. أنت المطلق في منطلقات البحر الواسع.. أنت الشاسع في الوجدان والأشجان، وأنت في البيان بنيان الكيان، المنحدر من رائحة وعشب، وساحل ترسو على محارته ذوائب الحلم، وما سكن في الذاكرة من صور ومشاهد أقلها درامية ذاك جسدك العاري، المدثر بالعرق المعبق برائحة السمك وجروح أصابعك المدماة من أنياب وأشواك، غزت الجسد الصلب، تبحث عن ثغرة الحجيج في كريات الدم الساخنة. عطر «الصل» سالم الذهب، ذاك قاربك بمجاديفه وتجاويفه وتلافيفه، وصحائفه، وعطر “الصل” دهاناً يحمي من لوعة الرجيج والعجيج والصجيج.. أنت وذاك بحرك وأشياء أخر تختزل بعد زلل، وخلل، وكلل، وملل، وعجل، وجهل، وعِلل.. أنت وذاك إزارك، المطوق خصرك وأنت عريِّك شيمة وقيمة وهامة وقامة واستدامة المشاعر الدفيئة. وأنت وتلك أسماكك المحشورة في “مزماة” الرزق الكريم، نقطة الالتقاء والتقاط حبّات الدر من فيض الجهد والبذل من مغامرات عصية، إلى حد المستحيل، لكنك كنت أنت الذي كنت تخرج من المعصرات ماء ثجاجا، ولحيتك المخضلة بدمع التعب كانت الخيط الرفيع الذي تربط فيه مرساة القارب عندما يكون البحر في حالة حمل كاذب، وعندما تكون الشباك مجرد خيوط متشابكة بلا معنى ولا رزق وفير، كنت أنت المشاغب الفذ، تقول لليل أجل مد سوادك كي يصطاد البحر لحظة التألق وتمتلئ الشباك بالشعري والصاف والجش.. أنت يا سيد البحار، في البحر حوت يمارس هواية اللعب بالأوراق الشاردة من بين الأصابع، أنت في البحر محارة الحظ، وأنت عشبه وحبة، وصحبة، وصخبة، ومرآة النجوم عندما يصفو الأزرق، ليصبح كملمس الجيد الفض.. أنت في البحر، كوكب دري، في أحشائه تكمن الإرادة، وعزيمة الأوفياء، وقيمة الأفذاذ الجهابذة.. أنت في البحر، قافلة وقنبلة وسنبلة، أنت البطل على خشبة المسرح، تضع النص البحري كموال تتراقص كلماته على شفتي مغترب في أرجاء الموجة الصارمة، أنت الحارس لغابة السمك، وأنت راعي ركابها، واصطخابها، وأنت العجيب في حضرة الأيام الفائتة أنت الرهيب في نفرة الأسماك عندما يكون “الميدار” في عنق الزجاجة. أنت يا سيدي في غيابك تغيب أشياء أجملها صبوتك المجللة بوشوشة الموجة، وتغريب الطير ساعة بحثه عن خل وفي.. أنت في الوقت ذاته الكمين الأزلي في طريق الساريات في عمق البحر، وأن الأمين في صناعة مجد البحر، عندما يستنفر الفجر، السواعد والطوارد.. أنت يا سيدي المؤمن بأن البحر عربة لا يجر عجلاتها إلا جواد تمرس على حفر تراب البحر بساعد وراعد لا ينبض إلا بالأمل.. أنت يا سيدي، الجدير بهذا البحر لأنك عانقته بأشواق، المدنفين في كتابة القصيدة بلا تقصد، عانقته بعفوية ابن ماجد، فأسرجت الأراجيز ملاحم بحرية كان الناس يتلقفونها كما تلتقط الطيور حبَّات الحياة.. أنت والبحر نعيمان وكليمان، أنتما لذة الإبحار في المعاني والدلالات، أنتما الروبة، والسحابة، أنتما الصبوة والنجابة، أنتما اللقطة الأخيرة أسطورة جلجامش في الملحمة العظيمة.. أنتما يا سيدي النقطة الفاصلة ما بين عبارتين وزمنين، وقيمتين، ومرحلتين وكائنين، أنتما كعلاقة آدم بالتراب، خلقتما من شيء واحد وذهبتما في الوجدان لأجل شيء واحد، صيرورة الحياة، بعد كينونة كانت هي الأصل في فلسفة فيثاغورس ومن بعده بروتاغوراس.. أنت يا سيدي موجة البحر، ومده، وجزره، ومداه، وامتداده، في القلب أنت يا سيدي الساحل والكاحل، والكائل والهاطل، أنت الجائل في تضاريس الذاكرة كأنك الفراشة تظلل الأوراق بأجنحة ملونة بالفرح.. أنت المفر لأحلام البحر في مده وجزره، وفي هدوئه وغضبه. سالم الذهب، والبحر وما وهب، ووقت هارب منسكب، وشيء في القلب يسأل عن محارة غابت في دياجير العطب، وأشياء تحطب في غابة السؤال والذنب المرتكب.. سالم الذهب، وغيبة النجوم ساعة تراكمت سحب العجب، وتراخت شباك الصيد عن خضها ورضها حتى عض الفراغ أصابع الوقت وذابت جباه الأمس في صهد الهروب إلى الخلف.. أنت يا سيدي، المضطرب وأنت المنسكب وأنت المتسرب من أصابع الزمن، كماء مهدور ساعة الغفلة. مداد الماء أنت المجيء الذي جاء وذهب، في مواعيد الزمن، المرتبكة في مجاهيل النظريات المرعبة.. أنت المجاز الذي جاز له أن يجيز ركوب البحر، حتى في أقصى حالات حومته وأنت جواز السفر الذي لم يختم في محطّات التوقف كونك رسول البحر المخول في الارتباط والاصطياد، والامتداد، والاعتياد، أنت يا سيدي الفيلسوف الذي اكتشف في البحر، مراقد الدر، ومواقد الحر، وموائد السر الدفين.. أنت يا سيدي في البحر، قصيدة عصماء تجدل خصلاتها من قافية السمك وأوزان الشبك، أنت المعنى في غضون الروح، وأنت جبلها وسهلها، ونخلها ونهلها، وكحلها، أنت الجزيرة والطيور مشاعر توطدت أواصرها وتوحدت محاضرها لأجل كتابة فصول التاريخ من مداد الماء وشفرة المحار وصفحات الحلم، المؤزر بالأمنيات، والآمال العريضة. أنت يا سيدي مثل كاهن بعد أن مات هُدّم معبده، ويبق سوى الأثر، لم يبق سوى الطين المنهمر. أنت يا سيدي مثل عرَّاف كسر الفنجان بعد أن ظن أن النجوم أوسع من حدقة العين، وأقدم من البصيرة.. أنت يا سيدي مثل غيمة على خصر نجمة، تعافت بعد الرحيل، حيث الغياب في نور عندما يكون الحاضر مجرد أحلام فتاة غريره.. أنت يا سيدي الجدول الذي مر من هنا، عند زقاق القلب، ثم خبا منطفئاً في زحمة القوافل المتجهة نحو غايات التجريد والتنهيد والتسهيد. أنت يا سيدي مثل قصّة غرامية باءت بالفشل بعد أن صاب المحبوبة الوجل، منحسرة خلف أثواب الخيانة، ذاهبه في ملعب الحيل البصرية.. أنت يا سيدي مثل، فكرة خائبة أظافرها ملساء لا تشتبك والواقع.. أنت يا سيدي مثل كائن أسطوري، بل مثل بابا درياه، خاف منك البحر فأخاف الناس، فهربت اللحظة الراهنة تبحث عن مخبأ فكان المخبأ مجرد شارع واسع، عرباته تسير نحو الموت، بأقدام حافية إلا من التهور.. أنت يا سيدي، مثل جملة ضائعة في رواية رديئة لم يقرأها إلا الذين أدهشتهم الدراما المكسيكية، والتركية.. أنت يا سيدي، مثل حلم، زهى ليلاً، فأطفأ عند الصباح، ثم تناثرت زجاجاته المهشمة، في قارعة القلب.. أنت يا سيدي، أجمل من كل ذلك، ولكن البحر المهزوم، أشاح وزم الشفاه، ثم انحسر مختبئاً خلف موجاته الكسولة، متعاطياً حذر تأجيل عمل اليوم إلى الغد.. أنت يا سيدي أجمل من كل ذلك ولكن قاربك المأزوم، غادر البحر متجهاً إلى الرمل، يبحث عن سكينة ودفء.. قاربك الذي أصبح الآن، مومياء من زمن عاد وثمود، والأمل الموؤود.. أنت يا سيدي الأجمل من كل ذلك ولكن موجتك التي كانت تؤجج، دورة المجداف، تراخت أضلاعها وتقهقرت وتوارت خلف أزمنة، رمادية، بياضها من مسحوق عظمة الأخطبوط.. أنت يا سيدي الأجمل من كل ذلك، لكن مجدافك عطلته سحابة طائشة فاختطفت لوحه وجللت المكان بدخان وعجلت في موت موائد البحر.. أنت يا سيدي الأجمل من كل ذلك، ولكن كيف يمكن للجمال أن يكون مثالاً ووجه البحر مغسول بعوادم، مضروب بصوارم، مهزوم بيد ابن آدم.. أنت يا سيدي الأجمل، ولكن كيف يكون الجمال، كمالاً، والبحر يختصر ثوبه على ركبة المحار، والمحار يُهجّرَ دره إلى حيث الخواء، والخواء نظرية نيتشة الصرمية وفحوى ما أجزلت به فلسفة هايدجر الألماني.. أنت يا سيدي الأجمل من كل ذلك ولكن كيف يكون الجمال، سؤالاً، والبحر أغلقت نوافذه بالإسمنت والصلب، وصار يأخذ أنفاسه الاصطناعية من أنابيب أسِّرة الإنعاش.. أنت يا سيدي الأجمل من كل ذلك ولكن يكون الجمال أصولاً، والقارب يحمل على أرجائه سواعد ليس من ملح البحر، ولا من ترائب الأرض.. أنت الأجمل يا سيدي ولكن كيف يكون الجمال، فصولاً، والمجداف تكسرت أضلاعه عند حدود الموجة الراهنة. أنت الأجمل من كل ذلك يا سيدي لأنك في الفصل الأول من الرواية، بحت بأن البحر هو السر والدهر، وهو الفجر والوطر.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©