الملحق الثقافي

الاتحاد

من أين تعلمت؟

من خواص الموشحات الأساسية بناؤها على أغنيات شعبية ملحونة وملحنة، وتناسلها الداخل في سلالات شعرية متوارثة خلفا على سلف، إما في المطالع الشهيرة كله أو في بعض صيغها الأثيرة فحسب. والموشح الذي نتوقف عنده اليوم للأعمى التطيلي أيضاً، وإن كانت خرجته أعجمية من تلك الخرجات التي فك شفرتها المستعرب الإسباني “إميليو جارثيا جوميث”، ومطلعه يقول:
“من لي برشأ في روض خديه/ ورد زانه صولج لاميه
ليس ساء في تفتير عينيه/ فالخلخال والمتهضم الشحتُ
سروري لو ساعدني البختُ”.
وهو يذكرنا بمطلع موشح شهير للكميت الذي سبق أن اعتبرناه من أوائل رواد فن الموشحات يقول فيه برشاقة وخفة روح بارزة:
“من لي بمستهترْ/ في الحب مستكبرْ
أطعته ذلة/ فتاه واستكبر”.
لكن التطيلي يسبغ رصانة على منظومته؛ إذ يصف بدقة خدود محبوبته الوردية، وخصلات شعرها التي تتدلى على جانبي وجهها مثل حرف “اللام” فتقيم لمحياها صولجانا وملكا كبيرا. والطريف في صيغة “ليس ساءني” أن بها مسحة عامية. وتفتير العينين لا يمكن أن يسوء الشاعر الأعمى، لكن الأعجب هو الانتقال المفاجئ من الوجه والعينين إلى الخلخال وهو لا يكون إلا في الساقين، ثم إلى الخصر المهضوم ـ كما يقول الشوام حتى اليوم ـ أي الضامر النحيف، وأن يصبح ذلك مصدر سعادة وسرور للشاعر لو حالفه الحظ، ولاحظ استخدامه لكلمة بخت التي لم تشع في الفصحى للدلالة على الحظ سوى في العصر الحديث. ثم يقول الشاعر في المقطع الثاني من موشحته برقة متزايدة:
“وضعت له خدي إذلالا/ فاستعظم إعزازا وإجلالا
وقال ودمع العين قد سالا/ من أين تعلمت الهوى؟ قلت
من تفتير عينيك تعلمتُ”.
هنا يكتسب الموشح عذوبة وسلاسة لافتة وهو يعبر عما كان قد شاع في الغزل الأندلسي من أخلاق الفروسية التي انتقلت إلى شعراء “التروبادور” الأوربييين؛ حيث نعتبر المذلة في الحب والخضوع عند قدمي المحبوب مظهر لعزة العشاق وكبريائهم، وتابع هذه الحوارية الطريفة بين العاشقين وحبيبه يسأله عن مصدر خبرته وكيف تعلم الهوى فيجيبه بأنه تعلم من تفتير عينيه، ثم يواصل حواريته قائلا:
“فقال وقد صيرني أرضا/ برحت بشكوى المقل المُرضي
فقلت له إن كنت لا ترضى/ وحقك يا مولاي لا عدتُ
وقد كنت مجوسيّا فأسلمتُ”.
ولابد أن نفهم صيغة “صيرني أرضا” بما يقارب معناها اليوم من التغلب عليه بالضربة القاضية في صراع شديد، على أنه يتوسل إليه كي لا يعود مرة أخرى للشكوى من نار الحب، فقد كان مجوسيا يتعبد بهذه النار وتحلو له حرقتها فأصبح مسلما لا يطيقها، ولاحظ معي حركة الشاعر اللعوب وهو يتفنن في الوصف الحسي والعاطفي برشاقة تعبيرية ورقة غزلية تعكس ما شاع عند الأندلسيين من براعة وصفية.


drsalahfadl@gmail.com

اقرأ أيضا