الملحق الثقافي

الاتحاد

القيروان.. مدينة الجنود والعلماء

“شكراً... لمدينة القيروان، فهي أوّل مدينة عربية ترتكب فضيحة حبّ الشعر... وحب الشعراء، أوّل مدينة تكحّل عينيها بقصائدنا، وتعلّقها كأساور الفيروز في معصميها، وتكتبها بماء الذّهب على قميصها، أوّل مدينة ليبرالية تتزوّج الشّعر بلا مهر... ولا وثيقة زواج. ولا شهود... ولا خواتم سوليتير”.
هذه هي التحيّة التي خص بها نزار قباني مدينة القيروان عند زيارته لها منذ ستة عشر عاماً، وقد تمّ نحت هذه الكلمات على جداريّة في مدخل المدينة، فالقيروان تستقبل زائريها بسحر البيان.. وترحب بهم بعذب الكلام.

يوم جاء نزار قبّاني إلى القيروان، كان يوما مشهودا، فلم تشهد دار الثّقافة ازدحاما وتدافعا من أجل الحصول على مقعد مثلما حصل ذلك اليوم، والّذين بقوا يومها خارج القاعة كانوا أكثر بكثير من المحظوظين الّذين نجحوا ـ بالواسطة أحيانا ـ في الفوز بمقعد في الداخل. غصت القاعة رغم كبرها وجلس الكثيرون أرضا بين الصّفوف. ألقى نزار قبّاني بعض قصائده وكان التّصفيق الحار يتكرر مع كل مقطع من قصيدة ولم يظفر شاعر معاصر بمثل هذا الاستقبال والتّجاوب في تونس.
والقيروان التي حياها نزار قباني بتلك الكلمات الرقيقة، كانت قد تقلدت لمدة عام كامل منصبها كعاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2009، بعدما اختارتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة “الايسيسكو” لهذه المهمة. وقد شهد ذلك العام سلسلة من الفعاليات الثقافية والفنية التي أعادت إلقاء الضوء على التاريخ المشرق للمدينة.
وبعد انقضاء قرابة سنتين على ذلك، ما زالت القيروان تستعيد نبضها الثقافي المدهش، وهو ما يتلمسه زائرها منذ لحظة وصوله ولا يغادره حتى بعد مغادرته لها. من القيروان وعنها، كانت هذه الشذرات التي تروي حكاية مدينة، أرست بنيانها بسواعد الجنود واستكملته بحكمة العلماء.
تقع القيروان في الصحراء جنوبي تونس، على بعد حوالي 160 كيلومترا عن تونس العاصمة ويعود سبب أهميتها إلى دورها الاستراتيجي في الفتح الإسلامي فمنها انطلقت حملات الفتح نحو الجزائر والمغرب وإسبانيا وأفريقيا بالإضافة إلى أنها مثوى لعدد من صحابة رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام.
وتعرف القيروان باسم رابعة الثلاث بعد مكة المكرمة، والمدينة المنورة والقدس الشريف، ذلك لأنها أقدم وأول مدينة إسلامية، وقد بناها القائد المجاهد عقبة بن نافع سنة 50 للهجرة. لكنها في التاريخ القديم كانت مأهولة بحسب ما تبينه الاكتشافات الأثرية التي يعود بعضها إلى أكثر من 200 ألف سنة.
و”القيروان”، كلمة فارسية تستعمل في العربية وتعني: محط الجيش أو القافلة. والمدينة هي أقدم قاعدة للإسلام والمسلمين ببلدان المغرب. وهنا تبرز قصة تأسيسها. فعندما توسط عقبة بن نافع الصحراء حيث تونس الحالية، توقف عند منطقة رآها صالحة لتعسكر قواته، ورأى فيها ملاذاً آمناً لاستراحة القوافل التي تنتقل بين الشرق والغرب، فحط فيها الرحال، وخط بعصاه على الأرض حدود المعسكر، فكان اختيار عقبة لهذه المنطقة عن بعد نظر، فهي تقع في جوف الروابي على منتصف الطريق بين الحصون والشواطئ البيزنطية ومخابئ البربر الجبلية، فاتخذها محطة لاستراحة القوافل ومركزاً لانطلاق نور الإسلام، وأطلق عليها اسم القيروان.

أم الأمصار
وكان أول ما شيد فيها هو دار الإمارة، والمسجد الجامع، وكان بادئ الأمر فضاء ليس فيه بناء، ويصلّى فيه كذلك. وما زال هذا الجامع الى اليوم شاهدا على انتماء تونس العريق الى الحضارة العربية الإسلامية. وللجامع أعمدة عديدة ومتنوعة تعود لمعابد رومانية وكنائس بيزنطية، ويعتبر من أزخر التراث الإسلامي في تونس ويؤمه الكثير من السواح سنوياً. ومن يزور القيروان اليوم يدرك أنه صحت فيها قولة مؤسسها عقبة بن نافع عندما دعا لها ولأهلها قائلا: “اللّهم أملأها علما وفقها، وعمّرها بالمطيعين لك، والعابدين، واجعلها عزّا لدينك وذلاّ لمن كفر بك، وأعز بها الإسلام، وأمّنها من جبابرة الأرض، اللّهم حببها لسكّانها وآتها رزقها رغدا من كلّ مكان”.
ومعلوم أن الصحابي أبو زمعة البلوي (واسمه عبيد بن الأرقم) مدفون بالقيروان وهو الذي سار الى إفريقية في غزوة معاوية ابن حديج فتوفي بها. وقد أثنى المؤرخ الإدريسي في كتابه نزهة “المشتاق” على القيروان التي زارها قائلا: “القيروان أمّ أمصار وعاصمة أقطار، أعظم مدن الغرب قطرا وأكثرها بشرا، وأيسرها أموالا، وأوسعها أحوالا، وأتقنها بناء، وأنفسها همما وأربحها تجارة”.
وكتب الخليفة العبّاسي المنصور إلى الأغلب بن سالم التميمي واليه على إفريقية يأمره بالعدل في الرعيّة “وتحصين مدينة القيروان وخندقها وترتيب حرسها”. وكان للقيروان سور له 14 باباً، وكان سوقها متصلاً بالمسجد من جهة القبلة، وممتد إلى باب يعرف باسم (باب الربيع) وكان لهذا السوق سطح تتصل به جميع المتاجر والصناعات.
وعلى مر التاريخ جعلت الأسوار من القيروان قلعة حصينة تصد عنها حجارتها المتراصة هجمات الغزاة، فهي تحتل موقعاً استراتيجياً بتوسطها بين القوى العظمى في ذلك الوقت، إذ كانت على مسيرة يوم من البحر المتوسط الذي كان البيزنطيون يسيطرون عليه، وهي تبعد بمثل ذلك عن الجبال، حيث كانت آنذاك تعتصم القبائل البربرية المناوئة للإسلام. وبالتالي فقد مثلت القيروان رأس الحربة وسط خط المواجهة بين المسلمين والبيزنطيين. ولم ينقطع أهل القيروان عن إصلاح الأسوار مرة بعد مرة. وأثناء الحرب العالمية الثانية هدم الألمان قسماً من القيروان لاستعمال حجر الطابوق لبناء مدرج للطائرات.
ومما يميز القيروان أنها لم تفارق أسس تنظيمها إلى اليوم، فحافظت على نسقها المعماري الأصيل.

مدينة العلم
كانت القيروان أولى المراكز العلمية في المغرب العربي تليها قرطبة في الأندلس ثم فاس في المغرب الأقصى ولقد قصدها أبناء المغرب وغيرها من البلاد المجاورة. وكان مسجد عقبة الجامع ومعه بقية مساجد القيروان تعقد فيه حلقات للتدريس وأنشئت مدارس جامعة أطلقوا عليها (دور الحكمة). واستقدم لها العلماء والفقهاء ورجال الدعوة من الشرق فكانت هذه المدارس وما اقترن به إنشاؤها من انصراف القائمين عليها للدرس والبحث عاملا في رفع شأن لغة القرآن لغة العرب وثقافتهم.
وفي عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (99 ـ 101هـ/ 717 ـ 720م) أراد تثقيف أهل المغرب وتعليمهم أمر دينهم فجعل من مدينة القيروان مركزا للبعثة العلمية المكونة من عشرة أشخاص من التابعين فأرسلهم إلى إفريقية حيث انقطعوا إلى تعليم السكان أمور الدين، ومات غالب أفراد البعثة في مدينة القيروان نفسها.
وأسهمت القيروان في عهد الأغالبة في نشر المذهب المالكي في أرجاء الدولة الأغلبية، ومنها انتشر في صقلية والأندلس.
وأنشئت في القيروان المكتبات العامة والمكتبات الملحقة بالجوامع والمدارس والزوايا وكانت مفتوحة للدارسين وتضم نفائس أمهات الكتب. ومن أشهر مكتبات القيروان بيت الحكمة الذي أنشأه إبراهيم الثاني الأغلبي (261 ـ 289هـ/ 875 ـ 902م)، حيث استقدم أعداداً كبيرة من علماء الفلك والطب والنبات والهندسة والرياضيات من المشرق والمغرب وزوده بالآلات الفلكية. وكان إبراهيم بن أحمد يبعث كل عام (وأحيانا كل ستة أشهر) بعثة إلى بغداد هدفها تجديد ولائه للخلافة العباسية واقتناء نفائس الكتب المشرقية في الحكمة والفلك مما لا نظير له في المغرب واستقدام مشاهير العلماء في العراق ومصر.
وكان بيت الحكمة معهدا علميا للدرس والبحث العلمي والترجمة من اللاتينية، ومركزا لنسخ المصنفات، وكان يتولى الإشراف عليه حفظة مهمتهم السهر على حراسة ما يحتويه من كتب، وتزويد الباحثين والمترددين عليه من طلاب العلم بما يلزمهم من هذه الكتب حسب تخصصاتهم، ويرأس هؤلاء الحفظة ناظر كان يعرف بصاحب بيت الحكمة.
وكان من أوائل من قام بالتعليم في مدينة القيروان أولئك العشرة من التابعين الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز ليعلموا الناس وكان من أشهر أولئك العشرة إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر الذي كان، بالإضافة إلى أنه عامل للخليفة، من أكثر أفراد تلك البعثة اندفاعا في نشر الدين وإدخال البربر إلى الإسلام.
وكان منهم عبد الله بن يزيد الحبلي الذي شهد الاستيلاء على الأندلس مع موسى بن نصير، ثم عاد إلى القيروان ومات فيها، ومنهم أيضا إسماعيل بن عبيد المشهور بلقب “تاجر الله” وهو الذي بنى المسجد المعروف باسم مسجد الزيتونة، كما بنى سوقا للتجارة عرفت باسم سوق إسماعيل. وقد استشهد غريقا في إحدى الغزوات البحرية لصقلية سنة 107هـ/ 726 م، ومنهم عبد الرحمن بن رافع التنوخي أول من تولى القضاء بمدينة القيروان.
وقد لعبت القيروان دورا رئيسيا في القرون الإسلامية الأولى، فكانت العاصمة السياسية للمغرب الإسلامي ومركز الثقل فيه منذ ابتداء الفتح إلى آخر دولة الأمويين بدمشق. وعندما تأسست الخلافة العباسية ببغداد رأت فيها عاصمة العباسيين خير مساند لها لما أصبح يهدد الدولة الناشئة من خطر الانقسام والتفكك. ومع ظهور عدة دول مناوئة للعاصمة العباسية في المغرب الإسلامي فقد نشأت دولة الأمويين بالأندلس، ونشأت الدولة الرستمية من الخوارج في الجزائر، ونشأت الدولة الإدريسية العلوية في المغرب الأقصى.
والقيروان اليوم هي إحدى أهم المدن التونسية ومقر الولاية (102 ألف نسمة، بحسب إحصاء عام 1995). تتكون المدينة الحديثة، كسائر مدن المغرب العربي، من القصبة حيث المركز الإداري ومنازل الأعيان المحليين ومن الأسواق.

وصيّة عقبة ابن نافع لأبنائه بالقيروان

من أجمل ما يؤثر عن عقبة ابن نافع وصيته لأبنائه بالقيروان لما عزم على التوغّل في فتح المغرب. قال لهم:
“يا بنيّ! إنّي بعت نفسي من الله، ولا أدري ما يقضي عليّ في سفري. يا بنيّ! إنّي أوصيكم بثلاث خصال فاحفظوها ولا تضيّعوها: املأوا صدوركم من كتاب الله، فإنّه دليل على الله، وخذوا من كلام العرب ما تهتدي به ألسنتكم، ويدلّكم على مكارم الأخلاق.
وأوصيكم ألاّ تداينوا ولو لبستم العباء فإنّ الدّين ذلّ بالنهار، وهمّ بالليل، فدعوه تسلم لكم أقداركم ولا تأخذوا دينا إلاّ من أهل الورع، فإنّه أسلم لكم، ولا تقبلوا العلم من المغرورين، فيفرّقوا بينكم وبين الله، ومن احتاط سلم ونجا”.

قصة شاعر

ومن أشهر شعراء القيروان أبو الحسن الحصري القيروانيّ (المتوفي سنة 488 هـ)، وقد تميز شعره بالرقة، واللوعة، والحنين الى الأوطان وهو صاحب القصيدة الشهيرة:
“يا ليل: الصبّ متى غده أقيام الساعة موعده”.
كان هذا الشاعر متزوّجاً بامرأة تعرف عليها واقترن بها بالأندلس، كانت جميلة، وكان يحبّها حبّا كبيرا، ولكنها فرّت وهجرته إلى شاب بربري هاجرت معه إلى الجزائر. أسف الشاعر عليها كان كبيرا، وحزنه لفرارها مع رجل آخر خلّف في نفسه مرارة وعذابا، فالشاعر كان ينتقل من مدينة إلى أخرى، ومن ولاية لأخرى طلبا للرّزق، فهو شاعر مدّاح. يخاطبها الشاعر معاتبا ومتألما:
هجرتم وخنتم عهد من لم يخنكم وقلتم ملول والملول سواه


لا تزيدي.. فقد عتبت كثيرا
من أشهر شعراء القيروان المعاصرين جعفر ماجد الذي وافته المنية منذ مدة قصيرة وقد قال في القيروان قصائد عديدة من بينها القصيدة التالية:

قيرواني يطول عنك غيابي
ويمرّ الزّمان مرّ السّحاب..
ذا زمان تطير فيه الثّواني
وسنوه لها التماع الشّهاب
كلّ يوم نعيشه باختصار
كلّ ليل ننامه باقتضاب
وكأنّ الحياة حلم سريع
يأكل العمر في مطاوي الضّباب
غير عهد قضيّته بين أهلي
فاق في حجمه قياس الحساب
? ? ?
لا تزيدي.. فقد عتبت كثيرا
وتقبلت كلّ هذا العتاب
شرعة الكون أن نحبّ ونشقى
والهوى قد يكون حلو العذاب
يا ربوعا عشقت فيها بلادي
لست أنساك رغم طول اغترابي
أن تولّي الصّبا وجفت رؤاه
لم تزل لي هنا بقايا شباب
أورق الغصن في ثراك ويبقى
طائر الأيك حالما بالإياب
فقد تشرب سحر تلك الأماسي
وتنفست عطر هذي الرّوابي
وتلقّيت من عظامك مجدا
وضعوه أمانة في الرّقاب
أيّ ذنب لنا إذا ما كتبنا
حرف شعر بكلّ فصل وباب؟
قدر الله أن توصيني المعاني
وتكوني خلاصة الآداب..
عمدة “الشّعر” والحياة ظلام
نورها هز كلّ أفق خابي
قد رمت في الهشيم ومضة نار
فسرت في عروق جسم مصاب
وتداعى القديم من كلّ فنّ
واستعاد الجديد فصل الخطاب
ورنا الشرق نحونا باهتمام
ولقد كان قبلها غير عابئ
لغة الضّاد هذه الأرض حصن
فيه نحميك كلّنا بالحراب
يا بلادي ولست أدعوك عجبا
رغم أني أقر بالإعجاب
ضفر المجد تاجه وحباه
غادة غازلته تحت النّقاب
عقبة قال: هذه قيرواني!
ورمى منك راية في السّحاب
فنشرت الهدى على كلّ صقع
وحميت الشّمال من كلّ ناب.

اقرأ أيضا