1 كيف كان وضع المرأة الإماراتية في الحقبة الاستعمارية؟ هل بقيت منزوية في خبائها، مهمشة ومنفصلة عن الرجل، وبلا حقوق تتساوى فيها معه بالمرة، كما يشاع عنها اليوم؟ وهل ظلت منكمشة في أدوارها التقليدية، ولم تشارك في تلك الحروب الطاحنة مطلقاً؟ إلى أي حدٍّ تصح هذه الفرضية الشائعة؟ ثم ما مقدار اطمئناننا، إلى فكرة تسلط الرجل الإماراتي واستبداده على المرأة في تلك الحقبة المذكورة؟ وهل يمكن القول، إن الوضع الذكوري القديم ذاك، قد دعس على كرامة المرأة فعلاً، ومنعها من المشاركة في النضال الوطني ضدّ المستعمِر، وقَبَر حقها في افتداء وطنها بالروح والدّم؟ وأيضاً، هل من الممكن أن نعثر في تاريخ تلك الحقبة، على فئة من تلك المحاربات اللواتي خضنَ حروباً حقيقيةً، واشتبكنَ مع العدو الأجنبي وجهاً لوجه، واستشهدن في تلك المعارك مثل الرجال، أم لا؟ ثم إذا وجدت تلك الفئة المحاربة فعلاً، فلماذا إذاً يتم الحكم عليهن بالطمس والغياب والتجاهل؟ أيعود هذا إلى الجهل بالتاريخ الوطني أساساً، أم بتاريخ المرأة الإماراتية على الخصوص؟ أليس هذا التاريخ، هو تاريخنا نحن؟ وهذه الأفعال البطولية العظيمة، أليست هي أفعال جَدَّاتنا نحن؟ وهذا الدّم المقاوم الغزير والمسكوب هناك، أليس هو دم أهالينا وأسلافنا نحن؟ فلماذا، ومن أجل مَن، نعمم هذا الجهل بتاريخنا المقاوم، ونتنازل عنه وندفن ذلك السجل الوطني المُشَرِّف؟ أليست تلك الأفعال المقاومة، مدعاةً للفخرِ والكرامةِ والاعتزازِ الوطني، كما تفتخر جميع الأمم بذلك عادة؟ ثم أليست هذه الأفعال التاريخية ذاتها، من أكثر الأسباب التي تعزز الشخصية الوطنية والإحساس بالأرض والبلاد وتقوي الانتماء الوطني المفترض؟ فلماذا إذاً لا يذكرهن، أو يلتفت إليهن، أو يترحم عليهن، أي أحد، اليوم؟ هذه السَّحابة من الأسئلة القاتلة، قضَّت مضجعي وشاغلتني طويلاً، وأنا أتابع ما يطرح وما يكتب وما يتم تداوله منذ سنوات طويلة، من صورةٍ منقوصةٍ ومنمَّطةٍ سطحيَّةٍ عن المرأة الإماراتية. فهذه الأسئلة في تصوري، والتي تطرح لأول مرة في هذا السياق التاريخي، تجُبّ ما قبلها وما بعدها وتجعلنا نقلب الطاولة ونعيد النظر تماماً، في فهم ومراجعة الوجه الآخر المغيب، من تاريخ المرأة في هذه البلاد، وعلاقتها بالرجل وبالآخر/‏ العدو معاً. فللوهلة الأولى، قد تبدو هذه الأسئلة، مثار استغراب ومفارقة استثنائية، وذلك لما عُرفت به عادة المرأة الخليجية عموماً والإماراتية خصوصاً، وما عرفته هي نفسها عن نفسها وعبر ما يشاع عنها، إذ لطالما ظلت صورتها، حبيسة النظرة المحلية النمطية التراثية والشعبية والكليشيهات السائدة، التي وضعتها في قوالب وأفعال وأعمال اجتماعية محددة وضيقة، ظلت تترجّح بين ما هو بيولوجي وأخلاقي واجتماعي وتربوي وديني وثقافي، كمسألة الإنجاب، وتربية الأولاد ورعايتهم، والمحافظة على أطر العادات والتقاليد، والالتزام بالأخلاق الدينية، والتسلط الذكوري عليها، واهتمامها بالشِّعر والأدب، وغيرها من الأمور الاجتماعية المعروفة. ولكن هل هذا هو كل شيء لدينا عن المرأة الإماراتية؟ وهل هذا هو بالضبط، ما تكشفه الحقيقة التاريخية عن شخصيتها وكيانها وأفعالها؟ هذا هو إذاً، لبّ هذه المسألة التي أطرحها هنا برمتها. 2 غير أن العودة لسنوات الغضب والنّار، التي تمتد على مساحة تزيد على أربعة قرون من الاستعمار الأجنبي للمنطقة الخليجية عموماً، والإمارات خصوصاً، منذ البرتغاليين وحتّى الإنجليز، تكشف لنا عن حقيقةٍ صادمةٍ ومفاجئةٍ، لطالما ظلت غائبةً ومجهولةً للجميع، ألاَّ وهي: أن المرأة الإماراتية، كانت تقف تماماً، في الصفوف الأمامية مع الرجال على خطوط النّار، وأنها قد خاضت حروباً داميةً مع العدو الغازي، واستشهدت فيها أيضاً! لذا، ولكي نتبين هذه الحقيقة، فإن من الضرورة بمكان أن نعترف أولاً، بالقصور المرجعي والوثائقي والمعلوماتي المتعلق بهذه المسألة تحديداً، وبغيرها من القضايا أيضاً، إذ إن التاريخ الكرونولوجي المكتوب عن تلك المرحلة، ظل تاريخاً ذكورياً بامتياز. في حين ظل وضع المرأة في تلك الفترة، غائباً أو شبه مجهول، أو أنه في الغالب لا يخرج عن الإطار التقليدي العام لأدوارها المعروفة سلفاً، والتي تتداولها الروايات الشعبية غير الدقيقة في الغالب. ولكن، وعلى الرغم من هذا الإحباط الأولي، فإننا لا نعدم بعض الإشارات المرجعية القوية، وإن بدت صغيرة في تفاصيلها، في التدليل على الوضع الآخر الذي كانت عليه المرأة الإماراتية في تلك الحقبة الدموية السوداء. ولعل طرف الخيط الأول الذي نُمْسِك به في هذا السياق، والذي من المحتمل أن يجرني إلى بحث أكبر من هذه الورقة فيما بعد، هو ما ذكره السير تشارلز بلجريف، المستشار الإنجليزي لحكومة البحرين سابقاً، في كتابه «ساحل القراصنة». فلقد أتى على ذكر معلومة تاريخية توزن بالذهب، في تصوري، وتعود إلى عام 1819م، ففي هذا التاريخ المحدد، كما يذكر بلجريف، شنت السلطات البريطانية أكبر حملة عسكرية على مدينة رأس الخيمة، وذلك بالتحالف مع إمام مسقط في عُمان وإبراهيم باشا في الدرعية. إذ كان الهدف الرئيسي من هذه الحملة الكبيرة، هو «تدمير القراصنة العرب»، وهي تسمية مسيسة ومغلوطة وكيدية طبعاً، وإنهاء وجودهم على سواحل الخليج العربي بشكل نهائي. وبما أن المركز الرئيسي لأولئك «القراصنة»، في ذلك الوقت، هو مدينة رأس الخيمة الحصينة، فإذن كان لابد للبريطانيين أن يقصفوا هذه المدينة ويدمّروها عن بكرة أبيها، مثلما فعلوا بها من قبل في عام 1809، وكما فعلوا بمدن أخرى مثل: «لفت»، و«قشم»، و«تناحي»، و«البحرين»، و«الدمام»، وفي كل مكان وصلت إليه القذائف البريطانية في منطقة الخليج، في ذلك الوقت، وعلى العموم، وعودة لتلك الموقعة العسكرية الكبرى، التي تم فيها محاصرة وقصف وحرق رأس الخيمة في 1819، يذكر بلجريف حرفياً ما يأتي: «قبل فترة قصيرة من منتصف اللّيل، سُمعت طلقة من بطاريات المدفعية وتلاها طلقات كثيرة، وبدا آنذاك بأن (القراصنة) يحاولون الهجوم المباغت من طرف المدينة، ويبدو أنهم زحفوا على بطونهم من جهة الشاطئ، حتى وصلوا إلى خلف المدافع المذكورة، فشنوا هجومهم على الحراس وعملوا فيهم بالسيوف والرماح، وقُتلت مجموعة من الجنود ومعهم العقيد المسؤول عن هذه المجموعة المتقدمة، فتقدم الجنود إلى موقع المعركة، مما اضطر (العدو) للهرب بعد أن سقط العديد من (القراصنة) قتلى، وحمل المتراجعون جرحاهم معهم. لقد كان الكثير من الجرحى من النساء اللواتي شاركن في الهجوم، لقد كانت نسوة «القواسم»، يتميزن بالشجاعة والإقدام مثل الرجال». وهنا، لسنا بحاجة للتوضيح، بأن المقصود بـ «نسوة القواسم»، هن نساء جلفار ككل، تماماً مثلما نقول اليوم: بأننا «أولاد زايد». 3 هذه المعلومة الأخيرة، التي أشار إليها بلجريف، عن «النساء اللواتي شاركن في الهجوم»، والتي تعود إلى أكثر من مئة سنة خلت، هي ما يهمني هنا وما سأتوقف عندها في هذه الفسحة. فالمعلومة هذه تبدو مثل ضوء خافت في العتمة، لكنها تحمل كثيراً من الدلالات المشوقة. ولعل أهمها، الوضع غير الاعتيادي والبطولي الذي ظهرت عليه نساء جلفار المحاربات، في ذلك الوقت. فهذه الإشارة التاريخية، تدلل بما لا يدع مجالاً للشك، بأن المقاومة الوطنية المسلحة في تلك السنوات القاهرة، لم تكن حِكراً على الرجال وحدهم، بل كانت بمشاركة النِّساء أيضاً. وأن المرأة لم تكن، منزوية ومهمشة وضعيفة ومطيعة ومقموعة، بل كانت تشن الغارات وتقاتل الأعداء في معاقلهم وتَقْتل بالسّيف والرِّماح، وتُجْرَحُ وتُسْتَشْهَدُ كذلك. كما أن هذه الإشارة نفسها، لا تستبعد مشاركتهن في حروب أخرى أقدم زمنياً من هذه المذكورة وحدها، مثل الحملات التي شنها الإنجليز عبر شركة الهند الشرقية، في عام 1806، و1809، و1810، وأخيراً 1819، على معقل الثوار: رأس الخيمة. إذن كانت المرأة الجلفاريّة، التي يمكن اعتبارها هنا أنموذجاً ساطعاً للمرأة الإماراتية قديماً في هذا الجانب، قد قامت بأدوار المقاومة والقتال والتضحية والاستشهاد كلّها، فإن هذا يعني بأن هناك في الفضاء المديني لمجتمعنا القديم، قيماً اجتماعيةً عاليةً وساميةً ظلت تغذي نزوع المرأة الإماراتية، للتطلع نحو التعبير عن اختلافها ورفضها لكل ما يهين شرفها وكرامتها وقدسية ترابها. ولعل الانخراط في حمّى الاقتتال والحروب، ظل يجسد قمّة الاختلاف والرفض لما كانت تبديه وتظهره تلك المرأة وطنياً. لهذا، ومن هذا المنطلق، فهي لم تقبل بأن تكون معزولة أو مجرد ظل للرجل، كما أن رجال ذلك الوقت لم يكن ليرضوا بفكرة تحييدها وعزلها عنهم كما يبدو، بل دفعوا بها لأن تكون في مقدمة الصفوف على جبهات القتال. لقد سمح أولئك الرجال للمرأة، بأن تعبِّر بقوة عن حقها في الانتماء الوطني، وأن تعلن عن حقها في الذود عن نفسها وعن أهلها وعن بلدها، والتضحية بحياتها من أجلهم إذا كانت قادرة على ذلك. ولعل هذا الحق الذي أوصلها لمصاف المواجهة القتالية والاستشهاد المشرف، ينبع أساساً من صلابة روحية لديها ورباطة جأش وإرادة، وإيمان عميق بعدالة الدفاع عن وطنها، وعن شعبها، وعن حقها في الوجود، ورفض ما عدا ذلك ومحاربته. ولعل هذا كله يجعلنا نتخيل الآن، ومن هذه المسافة الزمنية البعيدة، تلك الجَدَّات والأمهات البعيدات، وكيف كن ينخرطن في التدريبات العسكرية، ويكتسبن المهارات والمناورات وفنون القتال، ويستخدمن الأسلحة المتنوعة، ويتعلمن الانضباط والقوّة والقسوة اللازمة، في تلك الحصون العتيقة المحصنة، وكيف بعد ذلك، كن يقمن بشن الغارات الليلية الخطرة في أوقات الحصار، ويخضن المعارك الشرسة جنباً إلى جنب مع الرجال، حاملات كفنهن على يدهن، من دون هيبة أو تخوف أو وجل. لقد كان الوطن، بالنسبة لهن، أغلى من أرواحهن ومن كل شيء. لهذا مجدن الوطن، كما تمجّد الوطن بهن، وبأرواح جميع الشهداء الأبرار. 4 إن ما اكتسبته المرأة الإماراتية إذاً، من سنوات الحروب الاستعمارية تلك، كان كافياً لجعلها قوية وصلبة وحاضرة في قلب الحدث، وليست ضعيفة خانعة متخاذلة ومبتعدة عما يدور حولها، كما هو شائع عنها اليوم. لذا، فإن الوضع المُشَرِّف الذي وصلت إليه نسوة ذلك الزمان، ما كان يمكن أن يتحقق بحال من الأحوال إلا بفضل الرجل الذي كان متفهماً لأهمية وجودها، وداعماً للدور الذي يمكنها أن تلعبه، ليس في المشهد الاجتماعي وحده، بل على جبهات القتال بالذات. ولعل هذا ما أثبتته المرأة فعلاً، من خلال تلك الأعمال البطولية التي قامت بها في تلك المرحلة الصعبة، من المواجهات الحربية. ومع ذلك فمن المحتمل القول، إن أشكالاً من التسلط الذكوري قد كانت تظهر في بعض الممارسات الاجتماعية الأخرى، تجاه المرأة في المجتمع الإماراتي القديم، إلا أنه لا يمكن لنا أن نعمم هذا الحكم في المطلق وفي جميع الحالات والأماكن، كما يفعل بعض ممن يجهلون خصوصية التاريخ الإماراتي، وخاصة في حالات الحروب التي كان يتساوى فيها الرجل والمرأة على السواء، من دون مفاضلة تذكر. هذا عدا أن جميع الحالات الأخرى، في تلك الحقبة ذاتها أو ما قبلها وبعدها، لم تتم دراستها وكشف سياقاتها وعلاقاتها الاجتماعية ودلالاتها الثقافية بعد، مما يجعل الحكم الإطلاقي حول هذا الموضوع خاطئاً من أساسه. ولعله قد آن الأوان، في رأيي، لأن نغير تلك النظرة النمطيَّة، وربَّما المغلوطة أيضاً، عن المرأة الإماراتية، ونرفع عن تاريخها الوطني المجيد، غبار الظلم والحيف والتغييب والتهميش الذي لحق بها، طيلة سنوات الاستعمار الغازي. فلقد سطرت تلك الجدات العظام مع الجدود العظام، ملحمة وطنية كبرى، ذادوا فيها وباستبسال منقطع النظير، عن حياض وشرف وحرّية بلادنا. فما أعظم تلك التضحيات. 5 من جهة أخرى، وفي الوقت الذي نتتبع فيه الجانب المقاوم للمرأة الإماراتية، علينا أن نتذكر بأننا نتحدث هنا عن دم مهدور شريف ومنسي، ظل يَشْخُبُ طويلاً على تُرابِ هذه البلاد، بلادنا، فهذا الدَّم المهدور والضائع والمنسي، هو في الأصل دم نساء هذه الأرض اللواتي ناضلن من أجلها وقضين نَحْبَهُن بسببها، في مفرمةِ الحروب الاستعمارية. إنه أيضاً دم الأبرياء من الناس، دم الأطفال والأمهات والشّابات والشّباب والعجائز والشيوخ، الذين تمت إبادتهم في مجازر تلك الحروب. إنه دم المناضلين والمناضلات، الذي ترشرش دفاقاً في البحار، وعلى السواحل، وفي المدن، وبين جنبات الجبال. إنه دم الأهالي. دم الشعب. دم الأسلاف والجدود والمحاربين، الذين انشغلنا عنهم بكلِّ شيءٍ ونسينا ما سطروه بأرواحهم وحياتهم من ملاحم بطولية، وكيف أنهم استبسلوا في رفضهم ومحاربتهم للمعتدين على كثرتهم، عن التنازل عن شبرٍ واحدٍ من هذا التراب الأغر. إنه دم كريم، طاهر، نقي، ثمين، ويستحق أن تسطّر أفعال أصحابه بماء الخلود، وأن تكون بادية للعيان وأمثولة للجميع وللأجيال القادمة بالخصوص. لأن بلاداً، سُطّرت فيها كل تلك المآثر النضالية المُشَرِّفَة، وتم تقديم الغالي والنفيس والتضحية بالدّماء والأرواح من أجلها، فإنها لن تزيد شعبها إلاَّ اعتزازاً وشرفاً وكرامةً وانتماءً وتمسكاً بكل حبَّة رملٍ فيها. هكذا، تصبح الأرض مقدَّسةً، وتعلو الأحلام النبيلة والحرّة والإنسانية فيها، ويرتفع الإنسان والوطن إلى مصاف النجوم. 6 إذن ليس من باب الهوس بتمجيد مآثر الأسلاف أقول هذا، بل من باب الواجب في رفع الظلم والجهل التاريخيين، عن كل ما لحق بأولئك الجدود من نسيان ونكران وجحود، وليس من باب الدعوة لمعاداة الآخرين أنبش هذه الصفحات، بل إن حق أولئك القتلى والأبطال والشُّهداء من مواطنينا علينا، أن نفكِّر بهم مثلما فكروا بنا على الأقل. أن نفكِّر ونحترم ونجل ما قدموه من تضحيات كبرى، من أجل أن تكون لنا أرض مستقلة أسمينها بلادنا في نهاية المطاف. أن نتعلم منهم معنى الإخلاص والتضحيات على أصولهما، وأن نرتقي بأخلاقنا وأفعالنا إلى مستوى ما يمليه علينا واجبنا الوطني تجاه شعبنا، وأن نستمد منهم الإحساس الفطري بالتمسك بالأرض، وحبّ الوطن، وعدم التفريط بهما مطلقاً. هُمْ الذين فعلوا كلّ شيء من أجلنا، من دون أن يَمُنُّوا على أي أحدٍ بشيء، أو يطالبونا بأي شيء. لقد ذهبوا بعيداً واختفوا في السّماء الآن، ولم يتركوا لنا لا اسم ولا عنوان ولا أثر يدل عليهم، بعد أن قدموا أرواحهم فداءً لنا ولأرضنا، وتركوا لنا بلداً حرّاً ومستقلاً بوسع الحلم. فكيف لنا أن ننسى صنيعهم الافتدائي والعظيم هذا؟ أجل! علينا أن نقول لأنفسنا قبل غيرنا، إن هذه الأرض، أرضنا، التي نعيش معززين مكرمين عليها اليوم، في ظل حكومةٍ رحيمةٍ ورشيدةٍ ومستنيرةٍ، ومن خلال وعينا بتاريخنا الوطني، لم تمنح إلينا منحة ولم تقدم إلينا هدية من أحد. لقد خُضِبَت بدماء أولئكَ الشرفاء من النِّساء والرجال، من شمالها إلى جنوبها، وفي أصعب المحِن التاريخية التي مرت على هذه المنطقة. فلقد كانت هذه الأرض ومنذ القِدَم، هدفاً دائماً للطامعين والمستعمرِين من كل حدب وصوب. ولقد وضعت تحت الوصاية الاستعمارية لقرون طويلة، وتمت محاصرتها وضربها وتدمِّيرها بالبارود والنّار، وليس بالورود والرياحين مطلقاً. 7 لهذا، أراني في الختام، وبشيء من رد الدَيْن والاعتبار والتكريم لأولئك الذين قدموا أرواحهم ودماءهم فداء للوطن، أن نفكِّر جدياً بتشييد نُصْب تذكاري للجندي المجهول على الأقل، وأن نجعله يعبّر رمزياً عن تضحيات المرأة والرجل معاً، لا الرجل وحده فقط. وأن نعيد كتابة تاريخ المرأة الإماراتية من جديد ونخلصه من الشوائب والمغالطات، بل أن نعيد كتابة ما تم نسيانه وتجاهله والقفز عليه من تاريخنا الوطني عامة، وبخاصة فتح وقراءة ملفات الاستعمار في هذه المنطقة برمتها. ولعل ذلك هو أبسط ما يمكن لنا الآن، أن نقدمه كغفران على نسياننا تلك التضحيات الجليلة والعزيزة التي لا تقدر بثمن. بمناسبة يوم الشهيد، التي أقرها مؤخراً صاحب السمو، الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، وذلك «تخليداً ووفاءً وعرفاناً بتضحيات وعطاء وبذل شهداء الوطن.» فإنني بهذه المناسبة الوطنية الغالية، أعيد نشر هذه المقالة التي كتبتها قبل ثماني سنوات من الآن، والتي أضفتُ إليها بعض الأسطر والمقاطع، وذلك تذكيراً بالتضحيات الوطنية الكبرى، التي تتعلق بما قدمته المرأة الإماراتية بالذات، في هذا الخصوص. ولعله من نافل القول التأكيد، على أن تركيزي على تضحيات المرأة هنا، لا يعني ولا ينفي ولا يقلل مطلقاً، ما قد قدمه الرجل من تضحيات جسيمة بهذا الشأن. غير أن خصوصية هذه المقالة، وبحسب علمي، تتأتى من أنها تعتبر الأولى من نوعها التي تسلط الضوء، على صفحة مجهولة وغائبة تماماً من ذاكرتنا الوطنية، عن تاريخ النضال والاستشهاد الوطني للمرأة الإماراتية تحديداً، والمتمثلة في محاربات جلفار. فتلك الجدَّات المنسيات اليوم، واللاتي لا يذكرهن التاريخ كما يذكر الرجال عادة، قد برزن بقوَّة في كفاحهن ومحاربتهن للمستَعمِر البريطاني، حيث افتدين الوطن ودفعن أرواحهن ثمناً من أجله، مثلما فعل رجال ذلك الزمان تماماً. وذلك قبل قيام دولتنا الاتحادية المباركة، بأكثر من 100 سنة تقريباً. وعليه، وكي لا ننسى تضحياتهن الجليلة ونسقطها من ذاكرتنا، والتي يجهلها الكثير من أبنائنا وبناتنا اليوم؛ فإنه لا بد لنا بأن نعيد لهن الاعتبار والاحترام والتقدير، وأن نضعهن مع الرجال الشهداء في سجل الشرف الوطني المجيد. فما هي حكاية، تلك الجدّات المحاربات إذاً؟ لنتابع..! الفضاء المديني لمجتمعنا القديم حمل قيماً غذّت نزوع المرأة للتعبير عن اختلافها ............................. الإماراتية القديمة لم تكن معزولة أو مجرد ظل للرجل يوم الشهيد أمر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة (حفظه الله)، بأن يكون يوم 30 نوفمبر من كل عام يوماً للشهيد، تخليداً ووفاءً وعرفاناً بتضحيات وعطاء وبذل شهداء الوطن وأبنائه البررة، الذين وهبوا أرواحهم لتظل راية دولة الإمارات العربية المتحدة خفاقة عالية وهم يؤدون مهامهم وواجباتهم الوطنية، داخل الوطن وخارجه في الميادين المدنية والعسكرية والإنسانية كافة، كما أمر صاحب السمو رئيس الدولة، باعتبار هذه المناسبة الوطنية إجازة رسمية على مستوى الدولة، وتقام في هذا اليوم مراسم وفاعليات وطنية خاصة، تشترك فيها مؤسسات الدولة كافة وكل أبناء شعب الإمارات والمقيمين فيها، استذكاراً وافتخاراً بقيم التفاني والإخلاص والولاء والانتماء المتجذرة في نفوس أبناء الإمارات، التي تحلوا بها وهم يجودون بأرواحهم في ساحات البطولة والعطاء وميادين الواجب. مجزرة رأس الخيمة في الحادي عشر من نوفمبر (من عام 1809 ميلادية)، وصلت السفن إلى المكان المحدد، ألا وهو رأس الخيمة عاصمة قبيلة القواسم. استولت الوحدات العسكرية التي أنزلت على شاطئ المدينة، وكذلك المواقع الحصينة بها؛ وقد سمح سميث (يقصد العقيد الإنجليزي لايونيل سميث) لجنوده، بأن ينهبوا ما شاءوا، وأن يحرقوا البلدة. تم تدمير ما يقرب من ستين سفينة كانت راسية في الميناء، وقتل ثلاثة آلاف شخص، وتم أسر ألف آخرين. انتهت هذه الحملة، بتدمير مائة وعشرين من سفن «القراصنة» وإغراقها. ياتسيك ماخوفسكي، تاريخ القرصنة في العالم، ترجمة: الدكتور أنور محمد إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2008، ص: 210 - 219