وقفت السوبرماتية عند حافة التجريدية وتخطتها إلى اللانهائي والمطلق، وقد ركب ماليفيتش رأسه وأبى أن ينسب أعماله إلى التجريد واعتبرها «لا واقعية» لأنه ساح من خلال أشكاله الهندسية في عالم لا نهائي وغير محدود ويميزه النقاء التام، فعبر عن نكوص كامل عن كل ما هو واقعي في سعيه الحثيث مع حركات فنية أخرى لتحييد الفن عن وظيفته التمثيلية. ولم يكتف ماليفيتش بالتشكيل فقط وإنما أبحر في التنظير لتجربته ليمنحها مشروعيتها وليكون مقنعا، فألف كتابا ضمنه رؤيته حول «العالم اللاموضوعي». السوبرماتية ليست وليدة فراغ وإنما جاءت نتيجة ما ساد في أوروبا وروسيا من أفكار جديدة وتطورات همت الفلسفة والفيزياء والرياضيات والفن، وقد حدث بين كل هذه المجالات تفاعل أكيد، كما أن هناك البعد الرابع أو الزمن الذي نظر له إنشتاين وغذى خيال الكثير من الفنانين والمبدعين. ماليفيتش لم يبق خارج التجربة، وحاول دمج النظريات العلمية والأفكار الفلسفية والرسوم التوضيحية لاختراعات عصره ليخرج بسوبرماتيته إلى الوجود، فحاول تبسيط العالم الذي يتجاوز مجال الرؤية بالعين المجردة، أو الكون الواسع، وتقديمه بطريقة فنية يمزج فيها الرؤية العلمية مع التصور الروحي والفلسفي، فهل استطاع أن يدمج كل ذلك في تجربته ليحقق خصوصيتها وتميزها حتى عن التجارب التي تبنى أصحابها التجريد من مجايليه مثل كاندنسكي وبول كيلي وغيرهما؟ أشكال سابحة في فضاء اللوحة هل قام ماليفيتش بخلق لغة بصرية جديدة؟ يمكن تأكيد ذلك، باعتبار هذه اللغة قائمة على الشكل الهندسي الخالص والنقي والذي لا تشوبه شائبة وينبئ بعوالم لا نهائية، لقد حاول ماليفيتش ترجمة أفكاره ورؤاه ليصبها في الرسم، واعتمد أساسا على المربع والمثلث والدائرة والمستطيل، بالإضافة إلى خطوط رفيعة مستقيمة ومنحنية، وما ميز هذه الأشكال هو طفوّها على خلفية بيضاء فتبدو سابحة في فضاء لا متناهي، الأمر الذي ينفي عنها الثبات ويمنحها حركيتها. واعتمد الألوان الأساسية النقية والمتقشفة ليؤكد خلفيته المنغرسة في الصوفي والروحي والمطلق، وبرر ذلك بقوله: «اللون هو ما تحيا به اللوحة. وهو ما يعني أنه الأكثر أهمية. وهنا أصل إلى أشكال لونية خالصة». وخص أرضية اللوحة أو فضاءها، مجازيا، باللون الأبيض، أما الأشكال الهندسية فقد جاءت بالألوان الأساسية، باستثناء لوحة (مربع أبيض على خلفية بيضاء) المثيرة للجدل، وهذا التوزيع للألوان على اللوحة لم يكن عشوائيا وإنما كان مقصودا، فالأبيض يحيل على الفضاء اللانهائي والذي لا يمكن رؤيته بالعين المجردة، أما الأشكال الهندسية التي تملأ الفراغ، والطافية أو المحلقة في فضاء أبيض، فتبدو متحركة في كل الاتجاهات، ومتوترة ومشتتة ومتفجرة ومتداخلة في بعضها البعض أحيانا، لكن ما يطبعها هو الانسجام، فتحيل على انسجام وتوازن الكون الواسع بكل مكوناته، لقد حاول من خلال السوبرماتية أن يعبر عن عالم روحي متكامل منزه عن الواقع. البحث عن الكمال من خلال الرسم حاول ماليفيتش إيجاد الكمال كما هو في الكون الكبير، والخطوط الرفيعة الرابطة بين الأشكال الهندسية في بعض أعماله، إشارة إلى ذلك الترابط غير المرئي بين مكونات الفضاء اللانهائي، وفي استثماره للألوان الأساسية والمتقشفة وتلاعبه بها يحاول ملامسة المطلق، فيؤكد جدوى اللامرئي على المرئي، والروحي على المادي. ورؤاه هذه وأفكاره كانت مصدر متاعب شتى له، ففي الوقت الذي كان يحاول إقناع السلطة الروسية برؤيته، اعتبرت الواقعية الاشتراكية التي كانت سائدة خطوطه ومربعه الأسود ودوائره ومستطيلاته مجرد بورجوازية فجة وبذخ فني لا داعي له، وتفاقم الأمر لدرجة مصادرة لوحاته ومنعه من الرسم ومن العرض وإدخاله السجن أيضا، لكنه لم يستسلم. وعبر عن رؤيته للفن ولخصها من خلال قوله: «لن نشهد عملاً فنياً خالصاً وحيّاً، إلا مع اختفاء عادة من عادات الفكر التي ترى في اللّوحة زوايا الطبيعة الصغيرة مثل صور العذراء وتماثيل فينوس العادية. لقد حوّلت نفسي إلى الشكل الصفر، وسحبت نفسي من بركة الفن المدرسي المكتظة بالقمامة. لقد دمرت حلقة الأفق وهربت من دائرة الأشياء، من الأفق الدائري الذي يقيد الفنان ويقيد أشكال الطبيعة». ثم يستمر في الحديث عن لا جدوى الفن التمثيلي وأن الفنان في حاجة إلى استنباط حقيقة الأشياء وروحها وليس شكلها الخارجي: «الفنانون الأغبياء والعاجزون فقط هم الذين يقومون بعملهم بإخلاص. في الفن هناك حاجة إلى الحقيقة لا الإخلاص. تتلاشى الأشياء مثل دخان. ولاكتساب الثقافة الفنية الجديدة يقارب الفن الإبداع بوصفه غاية بحد ذاته وسطوة على أشكال الطبيعة». (*) إنه يسحب نفسه إلى منطقة معزولة عن السائد في الفن ولم يجسّر معه واعتبره وعياً زائفاً، وتبنى بديلا تمثل في الشكل الهندسي الخالص الذي يعد الأساس الذي تقوم عليه السوبرماتية، وانخرط من خلاله في عوالم روحية وصوفية لا نهائية، ميزتها الأساسية هي الصفاء الكامل. مربع أسود ومربع أبيض يمكن أن نقول إن ماليفيتش اختزل السوبرماتية بين مرَّبعيْن: أحدهما أسود والآخر أبيض، أنجز الأول سنة 1915، والثاني سنة 1918، والمربع هو الشكل المفضل لدى ماليفيتش، إنه شكل علمي وروحي في آن، منه تتولد الأشكال الهندسية الأخرى وهو أصل العالم ومركز الكون في المفهوم الفلسفي. ولوحته التي تتكون من مربع أسود على خلفية بيضاء، (1915) زيت على قماش، تعد فريدة في التجربة السوبرماتية، إنها تصوير روحي لشكل هندسي، والمربع الأسود في اللوحة بلا حجم أو أعلى أو أسفل، أو يمين أو يسار، وبذلك يكون قد وصل من خلاله إلى أبعد مراحل التصوف والروْحَنة، وهذه اللوحة تدفع بالمتلقي إلى الحيرة، فلا يصل من خلال مشاهدتها إلى مغزى محدد، فتظل مفتوحة على التأويلات المتعددة، ونظرا لأهميتها اقتنع الكثير من الفنانين الشباب بجدوى تيار السوبرماتيَّة، ولا يزال تأثيرها مستمرا إلى اليوم. وهناك من يعتبرها من أهم تجليات الفن الروسي لما تحتويه من قيم صوفية وروحية، الأمر الذي يجعلها متجددة وملهمة للفنانين التشكيليين عبر السنين. وتم مؤخرا إقامة معرض في الغرب شارك فيه العديد من الفنانين التشكيليين الشباب كلهم استوحوا أعمالهم من المربع الأسود لماليفيتش، وقال أحدهم إن أهمية مربع ماليفيتش تنبع مما يحمله من مفاهيم روحية وفلسفية وصوفية وهو يحيل حسب رأيه على أشكال روحية كالكعبة الشريفة. لم يقف ماليفيتش عند حد المربع الأسود، وإنما اعتدّ بفلسفة الفراغ واللانهائي والصفاء الخالص؛ فأنجز مربعا أبيض على خلفية بيضاء (1918)، ومثّل ذلك مرحلة أصبح الفضاء فيها عند ماليفيتش مفتوحا على المطلق، فلم تعد الألوان مرئية، واستعمل في لوحته لونين أبيضين لكن أصلهما مختلف، وقد حدد دينيس ريوت درجة بياضهما بقوله: «الأول بياضه بارد وبه مسحة زرقاء خفيفة جدا لا تكاد تبين هذا بالنسبة للمربع، أما الأرضية فبياضها دافئ ويميل قليلا إلى الرصاصي». (**) لقد بلغ ماليفيتش من خلال مربعه الأبيض أقصى درجات الإشراق والتحليق في عالم قوامه الصفاء، إنه يمنح الأولوية للشعور الخالص والنقي، ويجد ما يعادله في شكل خالص ونقي، ينتفي فيه أي معنى منطقي أو رمزي، فقلص تبعا لذلك معجم الأشكال الهندسية والألوان إلى مربع أبيض خالص. وقد اعتبر بعض النقاد الغربيين المربع الأبيض، الرمز الأكثر تمثيلا للسوبرماتية بلا منازع، لأنه مكن اللوحة من تخطي الظاهر إلى الباطن وملامسة الكمال والمطلق، حيث إرادة عيش اللحظة التي تمنحها اللوحة ولا غير ذلك، فيها تخلى ماليفيتش عن الألوان والواقع وبدأ من نقطة الصفر وكأن الفن لم يكن موجودا أبدا، لكن بالمقابل أثار هذا المربع عند نقاد آخرين سخرية شفيفة ومنهم من هاجمه واتهمه بكون لوحاته تناصب العداء للطبيعة ولحب الحياة. إن أعمال ماليفيتش وبالخصوص تلك التي تمثل مرحلة السوبرماتية كانت صادمة للمتلقي الذي صعب عليه فهمها فبدت له مبهمة لكنها في نفس الوقت استفزته ودعته إلى معاودة النظر في مسلماته وربما تغييرها. وماليفيتش في فترة ما بعد السوبرماتية، عاد إلى الأشكال الطبيعية ولكن من خلال تبسيط أساسي لها من خلال وجوه مجهولة الهوية، الأمر الذي يعكس مرارة وألم وعزلة الفنان في أواخر حياته، وقد بدأت عنده هذه المرحلة قبل موته ببضع سنوات. ظلت السوبرماتية ملهمة للفنانين التشكيليين عبر العالم، وتعد علامة على التطور الذي عرفه الفن التشكيلي في بداية القرن العشرين، وتدين التجريدية الهندسية بالكثير لهذا التيار. .................................................................. * مقالة له نشرها في 1916. (**) denys riout. La peinture monochrome.1996 (folio essais 2006 chapitre لعل أفضل ما يليق كتقديم للسوبرماتية أو التفوقية، أنها حسب النقاد الغربيين مغامرة رجل واحد هو كاسيمير ماليفيتش (1879م و1935) أو «ثائر الفن التشكيلي الروسي». واللقب الأخير مستمد من عنوان معرض نظم مؤخرا بلندن وشمل أعمال ماليفيتش الفنية. والسوبرماتية تضرب جذورها عميقا في التكعيبية ذات العمر القصير والمستقبلية، ومن الفنانين الذين انضموا إلى السوبرماتية رودشنكو ورزاندوف وليسلكي. تأسيس ظهرت السوبرمائية لأول مرة في ديسمبر 1915 في سانت بطرسبرغ في معرض للمستقبلية التي كان شعارها هي والسوبرماتية «اخلق، لا تكرر» وشمل هذا المعرض 39 لوحة لماليفيتش. روْحَنَة المربَّع من الفنانين العرب الذين تأثروا بالسوبرماتية في تجربتهم التشكيلية الفنان العراقي مهدي مطشر، الذي استدعى الأشكال الهندسية في تجربته وبالخصوص المربع الأسود والأرضية البيضاء. وحسب شاكر حسن آل سعيد فإن: «هذه التربيعة تمثل مدى التكامل بين علم الظاهر والباطن، وهي تمثل أيضا نوعا من الرؤية البصرية التي تتخلل الرؤية الفلسفية العامة التي هي في الواقع تنطوي على شيء (من خداع البصر) حيث الموازاة ما بين الشيء المكتوب باللون الأسود الغامق والأرضية ذات اللون الأبيض الفاتح»، لكن ما ميز تجربة مهدي مطشر أنه تلاعب بالمربع ووظفه في الكثير من الأحيان مفتوحاً، كما جعل تجربته تمتح من الفن الإسلامي أيضا وبالخصوص الكوفي المربع، وأخضع أشكاله الهندسية للألعاب البصرية التي تغري العين المبصرة وتسقطها في فتنة متوهمة، فتجاوز بذلك ما هو محسوس إلى ما هو روحي، وقد امتلك الفراغ عنده أهمية الامتلاء.