الاتحاد

دنيا

المقارنة تؤجج مشاعر الغيرة والكراهية

التمييز يحبط الأطفال

التمييز يحبط الأطفال

كثيراً من الأمهات ما يصرخن وينادين أبناءهن:''لماذا لا تكون مثل أخيك؟'' أو''أنظر إلى أخيك·· كم هو أحسن منك؟''ويتكرر السيناريو نفسه حين يحمل حقيبتة المدرسية ليذهب إلى مدرسته ويتفاجأ الطفل الصغير بمعلمه يردد له نفس العبارة التي يسمعها في البيت بصيغة مختلفة ''أنظر إلى زميلك·· إنه أفضل منك·· أنظر إلى خطه·· كم هو أذكى منك؟ وفي هذه المقارنات التي توجه إليه قد يفكر البعض أنها تشجع التلميذ على التفكير في تغيير شخصيته، لكنها للأسف لا تبني ولا تحقق نتيجة إيجابية، وإنما تهدم وتصور له أخاه في البيت أو زميله في الصف على أنهما عقبة في طريقه، فيعمل جاهدا على إزاحتها بأية طريقة، لأن هذه المقارنات الهادمة لا تزرع إلا الحقد والغيرة ·فالمعلم يرسم في مخيلته صوره يتمناها لو تحققت ''الطفل المهذب المثالي الذي يستجيب لكل ما يطلب منه، فإذا طلب منه أن يتكلم·· يتكلم، وإن طلب منه أن يسكت، يسكت على الفور، وكأنه جهاز آلي يعمل بضغطة زر واحدة ، وينسي المعلم أن هناك ما يعرف بالفروق الفردية بين الأطفال·
فلماذا هذه المقارنة ؟ وما جدواها؟ وما الآثار المترتبة على هذه المقارنة بين الأبناء؟
تساؤلات نطرحها للوقوف على وجهات نظر مختلفة، ولتصورالحلول الكفيلة بتجنب حدوث شروخ بين الأطفال الأشقاء في الأسرة الواحدة
أغار من أخي
يتحدث جابر عيسى الابن الثاني من بين إخوته بصراحة بالغة فيقول:'' أعترف أننى أحيانا أشعر بالغيظ من المقارنة مع أخي الأكبر بسبب الاهتمام الزائد الذي يلقاه من قبل الأهل، بل ثمة حاجز كبير يفصل بيني وبينه يمنعني من الوصول إليه، وتزداد المقارنة نكداً كلما رأيت والدي يلبى رغبات أخي، ويخطر في بالى سؤال ملح: لماذا لا أعامل أنا بالمثل؟ ألست فردا في تلك العائلة أيضاً؟
أما سلطان سيف طالب بالمرحلة الثانوية يدلي باعتراف مماثل، قائلا:'' أصبح من الطبيعي أن يداهمني الإحساس بالغيرة، فوالدي يعاملني بشكل يختلف عن معاملته لاخوتى، وهى معاملة تتسم بالقسوة أحيانا وبالضغط أحياناً أخرى· ولى الحق هنا بالسؤال: لم لا أعامل بالحسنى كبقية أخوتي؟أليس هذا الأسلوب كفيلا بإبعاد مشاعر الغيرة، والكراهية لاحقا؟ ثم إذا ما حدث شيء بين الإخوة في المستقبل، فمن يكن المسؤول عن ذلك، الآباء أم الأبناء''·
عقلانية والدي
ندى سعيد البريكي ترى أن المقارنة بين الإخوة موجودة في كل مكان، وبأشكال ودرجات متفاوتة، وتضيف:'' المقارنة في معظمها سلبية، وقد تصل إلى درجة خطيرة ،لكن المرء بذكائه يستطيع أن يستوعب الأمر، فمثلا لدى أخت متفوقة دراسياً ومثقفة، حيث إنها تقضى وقت فراغها في قراءة الكتب، ولها شخصية تناقضني، ولطالما سمعت عبارات التوبيخ من والدتي، التي تردد على مسامعي جملة'' لما لا تكونين مثل أختك؟''·لكن هذا الأمر لا يدفعني إلى الغيرة والمقارنة الحمقاء قد تولد مشاعر سلبية تجاه أختي، بل أحاول توضيح الأمر لوالدتي، فوجود الفوارق والاختلافات بين شخصين في الأسرة الواحدة، هو أمر طبيعي والحمد لله فأني لا أشعر بوجود أي تحيز في المعاملة، والسبب يعود إلى عقلانية والدي''·
الآباء يعترفون
قد يبدو البعض أن الأبناء يبالغون في نظرتهم لتصرفات ذويهم، أو ربما يتهيأ لهم أن هناك تحيزاً وتميزاً في المعاملة، لذلك لندع الآباء يتحدثون عن حقيقة مشاعرهم نحو الأبناء· وتقول ليلي أحمد :كانت صديقتي متحمسة جداً لتطوّر طفلها، متناسية أنّ طفلي أيضاً كان يتمتّع بقدرات جيدة· وعندما تأتي لزيارتي كثيراً ما كانت تقارن بين طفلي وابنها وفي كل مرة أشعر بالضجر من هذه المقارنة لذلك ، قرّرت أن أصارحها· جلسنا سوياً وقلت لها إنّني أهتم لأمرها كثيراً وإنني سعيدة بتشاركنا تجربة الأمومة، لكنها كانت تؤذي مشاعري بمقارنة طفلينا· اعتذرت عندها وغمرتني ووعدتني بأنّها ستتوقّف عن ذلك وتحاول تقدير جهود طفلي· وبعد فترة قصيرة وفت بوعدها وعلاقتي ممتازة معها الآن''·
في المقابل لم تتحمّل عبير عبد الوهاب الطريقة التي كانت صديقتها تقارن بها بين طفلينا تقول :تكررت هذه المقارنة كثيرا ولكن بطريقتي الخاصة بعثت لها إشارات غير مباشرة بأنّني منزعجة من هذا الأمر، لكنّها لم تلتقطها· فقرّرت أن أغيّر استراتيجيتي، ورحت أعدّد لها الأمور التي يفعلها ابني ولا تستطيع ابنتها القيام بها· فتنبّهت عندها إلى أن إجراء المقارنات أمر يمكن أن يكون مزعجا لها أيضا·
تربية خاطئة
في حين يقول على حسن: كثيرة هي العوارض السلبية التي قد تنتج بسبب التربية الخاطئة التي يمارسها كثير من الآباء والأمهات عند حث أولادهم بنين وبنات وحفز هممهم حيث يقومون بمقارنة مجحفة بين الأولاد وأقرانهم بطريقة ترسخ فيهم الشعور بالنقص والدونية·
وذلك من خلال النظر إلى نجاح الآخرين وتفوقهم واعتباره دليلا على قصور الأولاد وفشلهم ، فنجد الأب مثلا يقول لابنه إن ابن خالك فلان حصل على امتياز في مادة كذا بينما أنت لم تحصل على جيد جدا· وبحسب على''فان هذه المقارنة قد تسبب الكثير من المشاكل وقد يتولد الكثير من الحقد والكره والبغض''·
أما نسيبة شريف فتعقد المقارنة بين الأبناء مشكلة منتشرة في الكثير من الأسر والمجتمعات العربية· وترجع نسيبة السبب في ذلك كما تقول'' إلى التخلف الذي تعيشه مجتمعاتنا أو الجهل الذي لم نخرج من بوتقته ،أو سيطرة العادات والتقاليد والأفكار القديمة الخاطئة في أساليب التربية التي لم نطورها حتى هذه الساعة·
وتضيف نسيبة : فهذا الأب الذي يقارن بين ابنة الفاشل وابنته المتفوقة رغم أنه يقصد حفز همة ابنه وحثه على المزيد من البذل ،إلا انه وُلد لدى ابنه شيئا من الشعور بالنقص والدونية وهذا يؤدي إلى ارتباط ذهني لا شعوري بين نجاح الآخرين وتفوقهم وبين فشله وقصوره ·
مؤكدة نسيبة :فإذا تكررت مثل هذه المقارنة بهذه الطريقة الخاطئة من أكثر من مصدر، وفي أكثر من موقف ترسخ في ذهن الشخص قاعدة خاطئة وهي ''أن كل نجاح لمن حولي يستحقون الثناء عليه يعني فشلي في بلوغ هذا النجاح وقصوري في أعين الناس''، ثم يمتد أثر هذه القاعدة الذهنية للتأثير في المشاعر والسلوك ويختلف هذا التأثير باختلاف الأشخاص ·لذلك تبقى حقيقة واحده هي أن لكل شخص بصمته الخاصة التي لا تشبها بصمة أخرى ،فأن لكل طفل شخصية لا يشابه أخوته فيها ويجب أن يحظى بحب والديه سواء كان صاحب شخصية رائعة أو لا·
الفروق الفردية
لذلك عندما نسأل ما السبب في اختلاف الأطفال عن بعضهم حتى وإن كانوا من أسرة واحدة؟
تقول الأخصائية النفسية هدى العلي المتخصصة في تعديل سلوك الأبناء :''السبب الشائع هو تبني مفهوم الفروق الفردية الذي اتخذناه كمبدأ لوجود طفل ذكي وآخر غبي ، فالفروق الفردية ما هي إلا اختلاف كل فرد عن الآخر في السمات والميزات النفسية والجسمية والحركية والحسية والعقلية المعرفية والانفعالية والاجتماعية ''·مؤكدة هدى القول:''لقد ظهرت لأول مرة في عالم الفلك قبل علم النفس حادثة لأحد العاملين في الأرصاد الفلكية لتحديد التنبؤات تسببت في تقدير التنبؤات الجوية في زمن لم يكن يتجاوز بضع ثوان واتضح أن هذا التأخير ليس راجعا للإهمال وإنما هو راجع إلى الفروق الفردية في عملية الإدراك وهي عملية عقلية تحتاج إلى سرعة إدارك المرئيات أو الأشكال أو الأفكار وما يتبعها في سرعة الاستجابة ، وأطلق على ذلك في علم النفس'' زمن الرجع'' وهو الزمن الذي يمضي بين ظهور المثير وقوة الاستجابة وزمن الرجع هو الذي يختلف بين فرد وآخر كما هوالحال في الصف الدراسي فسرعة الاستجابة تختلف من طالب إلى آخر وهذا ما يذكرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال ''إعملوا فكل ميسر لما خلقت له''، لذلك نحن بحاجة ماسة الآن إلى أسس نفسية لإدارة صفية ناجحة نستطيع من خلالها تفهم أبنائنا ومعرفة شخصياتهم· لذلك من أهم الأسس التى تجدها الأخصائية هدى لتجنب المقارنة هي إدارك الحاجات الفردية ذات الطابع النفسي للمتعلم ومنها الحاجة إلى الأمن والعطف والحرية ،ثم الحاجة إلى سلطة ضابطة وإلى النجاح، مع فهم قدرات كل طفل ومعرفة شخصيته لأن كل متعلم له طريقة للتعلم عندها ينجح ويتفوق ، فالفرق ليس في العقول وانما الفرق في الجهد المبذول من كل متعلم·
وبحسب قول هدى لاننسي أيضاً أن الأطفال يختلفون في حالتهم الصحية واستعدادتهم وميولهم وما يشغل بالهم من أفكار وانفعالات مروا بها، فعلى المعلم أن يعرف منذ بداية الفصل الدراسي نوعية الشخصية التي يتعامل معها·

اضطرابات المقارنة

الأخصائية الاجتماعية لبنى جاسم ترى أن من أهم أسباب ظهور اضطرابات المقارنة بين الأبناء المفاضلة التعسفية من قبل الوالدين بين الإخوة، وشعور الطفل بالضعف والنقص وهذا يرجع إلى التقليل من أهمية الهوايات التي تميز كل طفل عن الآخر، أيضا تفضيل البنين على البنات ومنحهم الامتيازات، كما أن الطفل المريض في الأسرة يعامل معاملة متميزة عن بقية إخوته وهذا يدفع إلى الغيرة والحسد، إلى جانب تهويل أخطاء الأبناء والمبالغة في محاسبتهم، أما خارج محيط الأسرة فلو بحثنا عن أسباب المقارنة سنجد أن المدرسة لها دور أيضا في زرع هذه الاضطرابات السلبية في نفوس الأبناء مثل تفضيل المعلمة طالبة على غيرها، كذلك غيرة الطالب الراسب من زملائه الناجحين، كل هذه المقارنات تسبب سلوكيات سلبية عند الطالب الذي يشعر بالنقص والاضطهاد على الآخرين، وحتى نقضى على هذا الشعور لدى الأبناء يجب البحث عن الأسباب التي تؤدى إلى غيرة الأخ من أخته أو العكس، وإشعار الطفل بقيمته ومكانته في الأسرة، وتجنب الأسرة التمييز بين البنات والبنين، وإن كان يوجد مريضا في الأسرة فحبذا لو يعامل مثل البقية باستثناء العناية الطبية اللازمة، وأخيرا وليس آخرا على الأم الحكيمة أن تقيم توازنا بين الإخوة بحيث تتمكن من زرع المحبة والعطف بين الإخوة''

اقرأ أيضا