الاتحاد

الاقتصادي

850 بديلا مصريا تحرق أسعار الأدوية الأميركية


القاهرة - عماد غنيم:
بعد أيام من تلويح الحكومة الأميركية بمراجعة مساعداتها الاقتصادية لمصر احتجاجا على حبس النائب المعارض أيمن نور رئيس حزب 'الغد' الوليد أبى لوبي صناعة الدواء الأميركية الا ان يضيف أزمة جديدة للعلاقات بين القاهرة وواشنطن تتعلق هذه المرة باعتراضه على انتاج شركات الدواء المصرية لبعض الأدوية البديلة للدواء الأميركي الأغلى سعرا· وطالب اللوبي القوي وزارتي الخارجية والتجارة الأميركيتين بوقف مباحثات التوصل إلى اقامة منطقة للتجارة الحرة مع مصر وهي المفاوضات التي لم تبدأ عمليا حتى الآن واشترط اذعان السلطات المصرية ووقفها الترخيص بتداول بعض الأدوية المنتجة محليا وتمثل بديلا أرخص من الدواء الأصلي الأميركي·
القصة تشغل الأوساط الاقتصادية والصحية في مصر هذه الأيام وتباينت فيها مواقف الوزراء كما تبودلت البيانات بين نقابة الصيادلة والشركات المحلية من جهة وممثلي الشركات الأجنبية من جهة اخرى على الرغم من ان عائد مبيعات الأدوية التي اثارت كل هذه الزوبعة لا يتجاوز سنويا 40 مليون جنيه -وفقا لرئيس احدى شركات الدواء- من بين حوالي 20 مليار جنيه هي قيمة سوق الدواء في مصر سنويا·
وقد بدأت القصة في شهر يناير الماضي عندما وافقت وزارة الصحة المصرية على تسجيل 850 دواء جديدا من الانتاج المحلي يمثل معظمها بديلا أرخص من الدواء الأميركي 'الأصلي' باسماء تجارية مختلفة وفور الإعلان عن تسجيل هذه الأدوية نشط ممثلو شركات الادوية الأميركية في مصر للاعتراض على تداول هذه الأدوية بحجة ان وصفاتها وتركيباتها تماثل أدوية تنتج بمعرفة الشركات الأميركية وانها تخضع للحماية وفقا لاتفاقيات الملكية الفكرية المعروفة بالتريبس والتي اُقرت عام 1995 وتمنح الشركات المخترعة لهذه الوصفات احتكار حقوق الانتاج وبالتالي فان انتاجها فضلا عن تداولها بالأسواق المصرية يمثل انتهاكا لحقوق الملكية الفكرية المصونة بموجب اتفاقيات منظمة التجارة العالمية التي وقعت عليها مصر· وردا على بيان لنقابة الصيادلة المصريين يدعو إلى مقاطعة الدواء الأميركي احتجاجا على موقف الشركات الأميركية وتدخلها في 'شؤون داخلية لمصر' صدر بيان عن جمعية أهلية مجهولة ينتقد نقابة الصيادلـــة ويتهمها بانتهاج أسلوب رخيص يخفي أغراضا تجارية كما يتهمها بتضليل الرأي العام وتعريض المصالح العليا للخطر -في إشارة إلى إمكانية وقف مباحثات التجارة الحرة بين مصر وأميركا- وقد تبين ان الموقع على البيان طبيب بيطري يدعى أحمد الحكيم ويعمل في احدى شركات الأدوية الأميركية في مصر!!
اتهامات أميركية
على الجانب الآخر نشط لوبي صناعة الدواء الأميركي في مخاطبة المسؤولين هناك للضغط على مصر لاحترام حقوق الملكية للشركات الأميركية والتخلي عن الترخيص بتداول الأدوية البديلة محليا أو تصديرها للأسواق الأخرى، وبدأت الاتصالات حول الموضوع بين السفارة المصرية في واشنطن وممثلي وزارتي الخارجية والتجارة الأميركيتين، وقد طالت الاتهامات أيضا وزارة الصحة المصرية نفسها حيث قالت الشركات الأميركية ان المسؤولين بالوزارة سربوا الوصفات والتركيبات الخاصة بهذه الأدوية إلى الشركات المصرية ومعروف ان تسجيل الأدوية الجديدة يتطلب ان تتقدم الشركة المنتجة ببيان تفصيلي للتركيب الدوائي المراد تسجيله·
الدكتور زكريا جاد نقيب الصيادلة ومن قدامى مصنعي الدواء في مصر شن حملة مضادة على الاتهامات الاميركية ونفى ان تكون هذه الوصفات قد تم تسريبها من وزارة الصحة· واكد ان الوصفات والتركيبات متاحة في كثير من المراجع وهي تحت يده كما ان بعضها متاح على الانترنت وبالتالي لا معنى لاتهام وزارة الصحة المصرية بتسريب وصفات الادوية· ويضيف ان السبب الرئيسي وراء انتاج هذه الادوية محليا هو ارتفاع تكلفة استيرادها وحتى الأدوية التي تنتجها الشركات الاجنبية محليا تبيعها بسعر مرتفع ومبالغ فيه·
ودافع وزير الصحة المصري الدكتور محمد عوض تاج الدين عن وزارته واشار الى ان تسجيل هذه الادوية تم بعد مطالعة وصفاتها للمعايير التي تتبعها الوزارة ومعروف ان مصر من اكثر الدول تشددا في تسجيل الادوية الجديدة وتستغرق التجربة والفحص قبل التسجيل عدة سنوات· وحاول وزير التجارة الخارجية والصناعة المصري المهندس رشيد محمد رشيد ان يوضح الالتزامات القانونية التي تترتب على مصر بشأن انتاج هذه الادوية البديلة الا ان نقابتي الصيادلة والاطباء ومعهما وزير الصحة دافعوا عن حق الشركات المحلية في انتاج الادوية البديلة لحماية المواطنين من مغالاة الشركات الاجنبية في تحديد اسعار الادوية التي تنتجها والتي يمكن انتاجها محليا بأسعار تقل عن ثلث سعر الدواء الاصلي تحت اسم تجاري مختلف·
القضية طالت ايضا صناعة الدواء في مصر حيث تعمل 30 شركة مصرية في هذا المجال معظمها قطاع خاص ولديها 37 الف موظف وفني ويبلغ حجم الانفاق السنوي على هذا القطاع 2,5 مليار جنيه وتعد مصر من بين اقدم الدول في المنطقة التي عرفت صناعة الدواء· وقال الدكتور محمد عوض تاج الدين ان مصر الثانية في العالم من حيث الاهتمام بصناعة الادوية·
ازمة التريبس
القضية كما طرحها خبير اقتصادي تكمن في غياب العدالة بمجموعة اتفاقيات حماية الملكية الفكرية التي تم التوصل اليها في اطار جولة اورجواي الخاصة بتحرير التجارة العالمية حيث اصرت الدول الصناعية وعلى رأسها الولايات المتحدة على تضمين هذه الاتفاقيات بنودا تقيد الى حد كبير استخدام التقنيات الجديدة والاختراعات وانماط الانتاج التي تتوصل اليها الشركات الكبرى في انتاج سلع وخدمات بالدول النامية وتهدف هذه القيود الى حماية الاقتصاديات الصناعية المتطورة والحفاظ على حقوق الابتكار في مواجهة تدني تكلفة الانتاج في الدول النامية حيث ان متوسط حجم ما يتقاضاه العامل في الصين مثلا لا يتعدى نصف دولار في الساعة مقابل 22 دولارا متوسط اجر العامل الاميركي في الساعة ولهذه الاسباب وغيرها اتجه التفكير الاقتصادي في الولايات المتحدة والدول الصناعية الأخرى الى التركيز على انتاج تكنولوجيا بدلا من انتاج السلعة او الخدمة على ان يتحمل المنتج في اي مكان اتاوة التكنولوجيا الباهظة والتي تعود للشركة الاميركية او الغربية·
السلع المقلدة ليست فقط مشكلة بين الولايات المتحدة ومصر وانما هي أيضا مشكلة بين الولايات المتحدة ومعظم الدول النامية والتي تضرب عرض الحائط باتفاقيات 'التريبس' وتنتج سلعا مقلدة وتصدرها الى الخارج·
وذكر تقرير اميركي ان حجم الانتاج السلعي المقلد والمزيف في الصين يبلغ سنويا 200 مليار دولار بما يعادل ثلث الصادرات الصينية للخارج·
وازاء الاصرار الاميركي على الحماية المبالغ فيها لحقوق الملكية الفكرية فإن هذه القضية مرشحة للتصاعد ليس فقط في الادوية بل أيضا في جميع الانشطة الصناعية والخدمية· وتتعدى نطاق مصر والصين الى معظم الشركات التي تعتمد على الانتاج بتكنولوجيا مستوردة وذلك ما لم يتم التخفيف من القيود التي تفرضها 'التريبس' على الدول النامية·

اقرأ أيضا

أزمة التجارة تخيم على آفاق النمو العالمي