الاتحاد

دنيا

نوال المهيني: تخلي المرأة عن أنوثتها كارثة!

 هل يكون عمل المرأة على حساب مسؤولياتها الأخرى ؟

هل يكون عمل المرأة على حساب مسؤولياتها الأخرى ؟

أكدت الدكتورة نوال صالح المهيني الاستشارية الاجتماعية والخبيرة الكويتية في مجال ''الاتصال البشري والعلاقات الإنسانية'' والرئيس التنفيذي لإحدى شركات التنمية البشرية في دولة الكويت أن خلل التواصل وافتقاد لغة الحوار أهم ما يهدد استقرار الأسرة العربية، إلى جانب عجز الأسرة العربية إزاء مواجهة التحديات الثقافية الغريبة الوافدة، والتي باتت تعصف بالقيم والثوابت الاجتماعية الراسخة في المجتمعات العربية نتيجة الانفتاح الكبير الذي أحدثته ثورة الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية، وثقافة العولمة مما أوجد حالة من تداخل الثقافات وغياب المرجعية الأسرية، واختلال المفاهيم، في الوقت الذي كان فيه المجتمع العربي والأسرة العربية غير مهيئة تماماً للتعامل مع هذه الحالة، ومع هذه الموجة العاتية من الثقافات الهشة التي قلبت كل الموازين أمام الجيل الجديد، وأطلت برأسها عبر مفاهيم واصطلاحات ودعوات رنانة خالية من المضمون وتفتقد المصداقية ولا تتناسب وطبيعة وحقيقة القيم العربية والتراثية الأصيلة·
وعن تأثير هذا الخلل وافتقاد الأسرة العربية إلى كثير من صور الحوار والتواصل تقول الدكتورة المهيني: ''لم نستطع كمجتمع التفاعل والتعاطي مع المتغيرات السريعة التي هبت على المجتمع العربي بإيجابية، وإنما راح الجيل الجديد ينقل ويقتبس مفاهيم ومظاهر سطحية سلبية دون أن يتسلح بالحصانة والوقاية التي تحميه من الضياع أو الانفلات، وأصبحت فوضى العلاقات الأسرية هي السمة الغالبة، ووقف الآباء والأمهات والمربون عاجزين عن مواجهة الأزمة الثقافية والاجتماعية والفكرية التي أحدثتها رياح العولمة، ومظاهر ومفردات التغيير والاصلاح وغير ذلك، في المقابل ظهرت ظواهر انعزالية، أو حالة عزوف عن المشاركة أو لنقل لتجنب التأثر السلبي، وأمام الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وأعباء المعيشة، انشغل كل طرف داخل الأسرة بحالته وانعزل في دوامة مشاكله الذاتية داخل الأسرة الواحدة وغاب الحوار وغاب التواصل ومعهما غابت أشياء كثيرة''·
أبرز المخاطر
تحدد الدكتورة المهيني أبرز المخاطر التي يواجهها المجتمع العربي والأسرة العربية في غياب واضمحلال القيم الراسخة، وعدم وجود من يهتم بإحيائها وبعثها ونفض الغبار من عليها، فالقيم هي الشيء الوحيد والأهم الذي يعطي الاستمرارية ويبعث القدرة على مواجهة ضغوط الحياة ومتغيراتها، ومن ثم المحافظة على جوهر العلاقات الإنسانية والاجتماعية، وضبط ايقاع الحياة ومظاهرها وسلوكيات الأفراد والجماعات·
وتضيف المهيني: ''هناك قيم اجتماعية وثقافية وأخلاقية عديدة تمثل الإطار المرجعي لسلوك البشر، وإن كانت الأمم المتحدة قد قسمتها إلى 12 نوعاً، فإن ثقافتنا العربية والإسلامية تمثل الوعاء الذي احتضن هذه القيم منذ القدم، وحفظها تاريخنا العربي والإسلامي عبر عصور عديدة، وإذا كان الكثيرون يجهلون هذه القيم، علينا إحياءها وبثها وتعليمها للجيل الجديد، وهي مسؤولية المجتمعات العربية بأسرها·
وتعلق المهيني ساخرة: ''كثيرون يعتبرون المادة قيمة، مع أنها وسيلة ضرورية فقط، والحب إن كان أهم قيمة إنسانية، فإن كثيرين يختصرون هذه القيمة في علاقة الرجل بالمرأة فقط، أو في العلاقة الجنسية، وهذا ينم عن جهل عميق، وأمية ثقافية، ولا يجب أن يغيب عنا تصحيح مثل هذه المغالطات، وهذا الجهل المعرفي الذي نستهين به، وإنما نجني ثماره بشكل سلبي بين الأبناء وانحدار الثقافة الأخلاقية والاجتماعية من جيل لآخر''·
أما عن دور المرأة كأم وزوجة في تفعيل لغة الحوار والتواصل داخل الأسرة تقول المهيني: ''لا يجب أن نفصل المرأة عن الرجل، ولا يمكن لأي طرف أن يتحاور دون الآخر، لكنني هنا أؤكد أهمية وخطورة دور الأم داخل الأسرة، فإذا كانت الأدوار الاجتماعية والأسرية قد تشابكت وتغيرت وانحرفت عن مسارها الصحيح نتيجة عوامل اقتصادية واجتماعية عالمية وخارجة عن نطاق إرادة الأفراد، فإن المرأة قد تعاظم دورها، وأضيفت إليها وعلى كاهلها أعباء إضافية إلى جانب ما يناط بها بحكم طبيعتها كأنثى وكأم، وخرجت المرأة للعمل، وعملت في كل الوظائف، دون أن تتخلى عن دورها الطبيعي، ومن ثم على الرجل العربي أن يتعامل مع المرأة كزوجة وأم وفق هذه المتغيرات، ولا يرمي ويترك المسؤولية على كاهلها وحدها، ولا يهرب أو يتهرب من المسؤولية، وهذه المتغيرات المفروضة قد فرضت من جانب آخر أشكالاً مغايرة من أنماط التربية والتنشئة الاجتماعية في ظل ارتباك الأدوار وغياب الحوار الأسري ومن ثم علينا أن نفعل التواصل والحوار ولغة التفاهم بيننا وبين الأجيال من الأبناء''·
وتضيف المهيني: ''هناك أمهات تخلين عن دورهن كأمهات وتفرغن لدورهن كطباخات، أو غسالات للملابس·· أو كخدم داخل أسرهن، أو كمصادر إضافية للدخل، وذلك على حساب دورهن كأمهات، ومن هنا كانت المشاكل والأزمات الأسرية والظواهر السلوكية الغريبة التي نسمع عنها، ولم تكن معروفة بيننا من قبل''·
استحالة المساواة
عن تساؤل ''الاتحاد'' عما إذا كانت الدعوة ''القديمة - الجديدة'' لمساواة المرأة بالرجل لاتزال قائمة أمام هذه المتغيرات أجابت المهيني: ''المساواة بمعناها الحقيقي المجرد لم ولن يكن لها وجود، فالرجل خلق ليكون رجلاً، والمرأة خلقت لتكون أنثى، لكن يمكن فقط أن يكون هناك مساواة في الحقوق والواجبات، دون الإخلال بطبيعة الجنسية التي فطرهما الله سبحانه وتعالى عليها، فالمرأة تستمد قوتها الحقيقية من أنوثتها ووجودها كامرأة فاهمة ومدركة لطبيعتها ولدورها، إنها كأنثى ليست وسيلة للمتعة، وإنما هي شريكة فاعلة لها حقوق وعليها واجبات، ولا يجب أن تتخلى عن دورها كأنثى أو كامرأة، وعلينا أن ننمي لديها هذه الثقافة، فالرجل إن سلبت منه أدواره داخل الأسرة، فإنه يبحث عنها في مكان آخر بشكل شرعي أو غير شرعي، لكن المرأة لا يمكن لها أن تفعل ذلك، ومن ثم كثرت متاعبها وهمومها وآلامها النفسية، إلا أنني أحمل المرأة نفسها كثيراً من هذه المسؤولية لأنها لا تعي حقوقها ولا واجباتها في كثير من الأحيان، وهذا الجهل بحقيقة الحقوق والواجبات والدور الذي يفترض أن تلعبه الحياة نتيجة ثقافات ذكورية بالية، جعلتها ترضى خانعة ومضطرة أو راضية مستسلمة لكثير من الظلم الذي يقع عليها ومن ثم فإنني أدعو المرأة وأحرضها أن تعود إلى نفسها وتفهم حقيقتها وحقيقة دورها في الحياة كأنثى وكامرأة وككيان إنساني واجتماعي فاعل ومؤثر دون شك''· وتعول المهيني على دور المرأة ''الأم'' في حل كثير من المشاكل والظواهر الاجتماعية والسلوكية السلبية في الأسرة العربية وترى أن على المرأة أن تعود إلى ممارسة دورها في الحياة كأم وكمربية، وأن تضع أي مسؤولية أخرى موضعاً ثانياً أو ثانوياً، فلا صلاح لحال الجيل الجديد إلا بعودة المرأة إلى ممارسة دورها الطبيعي في الحياة، وهذه الدعوة لا تعني أن نلغي دور المرأة في الحياة والخروج للعمل، إنما عليها أن توازن وتضبط وتحدد تداخل هذه المسؤوليات بحيث لا تطغى المسؤوليات الثانوية على مسؤوليتها الأولى في الأسرة والمجتمع·

مسافة الحيرة

تؤكد الدكتورة المهيني خطورة سلبية الرقابة الأسرية على الأبناء، وتشير إلى أن المقصود بالرقابة هنا لا يعني التدخل في كل كبيرة وصغيرة في حياة الأبناء وإهمال شخصياتهم وخصوصياتهم وإنما يفترض أن تكون هناك مساحة ومسافة للحوار والمصارحة والمكاشفة بين الآباء والأمهات والأبناء، وأن تكون هناك متابعة تفصيلية لحياتهم اليومية دون تدخل يخل بمفاهيم ومقومات التنشئة الاجتماعية، وعلى الآباء والأمهات اتخاذ موقف ''الناصح أو المرشد'' الداعم والمساند بشكل إيجابي دون قهر أو تخويف أو تهديد ووعيد، وتطوير لغة الحوار والتواصل، وعدم ترك المسؤولية كاملة في أيدي الخدم أو المربيات، وتحديد المراكز والأدوار والمسؤوليات داخل الأسرة الواحدة، وأن نغرس في الطفل منذ البداية ثقافة التعلم والاختيار ليصبح قادراً على تحمل المسؤولية عندما يكبر، وأن نربيه أيضاً على احترام ثقافة الاختلاف والحوار، وأن تعود الأسرة إلى مكانتها الطبيعية كإطار مرجعي لا بديل عنه أمام الأبناء''·

اقرأ أيضا