الاتحاد

تقارير

مزحة القنبلة

والدتي إرهابية! أو على الأقل هذا ما يبدو أن بعض المحققين الأميركيين يعتقدونه· أصل القصة مقالٌ ساخر بعنوان ''كيف تصنع قنبلة نووية في المنزل؟''، كانت والدتي باربرة إيرنريك قد كتبته رفقة شخصين آخرين قبل 30 عاماً· كان المقال الذي نشرته مجلة ''سِفن ديز''، حافلا بالنصائح والإرشادات حول كيفية صنع قنبلة نووية في المنزل· فهو مثلا ينصح الأشخاص الذين يريدون تخصيب اليورانيوم أن يفعلوا ذلك ''بواسطة أجهزة طرد مركزي منزلية''· وينصحهم باتباع الإرشادات التالية: ''قم بصب هيكسافلوريد اليورانيوم في سطل متوسط الحجم إلى أن يشغل ربعه، ثم اربط طرف قطعة حبل بالمقبض، وقم بدفع السطل بقوة بحيث يأخذ في الدوران من حولك· استمر في العملية لنحو 45 دقيقة''·
ولحسن الحظ، لم يكتشف الإيرانيون هذه التقنية· لا تضحكوا، لأنكم إذا قرأتم المقال واعترفتم يوماً ما بذلك، فلا تدرون ما قد يحدث لكم· وما عليكم سوى أن تسألوا ''بنيام محمد'' الذي أُفرج عنه من سجن جوانتانامو وعاد إلى منزله في بريطانيا، الأسبوع الماضي، بعد سبع سنوات من الاعتقال، إذ يقول محاموه إن أحد الأسباب الأساسية التي دفعت للاشتباه في صلته بالإرهاب، اعترافه بأنه قرأ المقال الذي كتبته والدتي·
و''بنيام'' هو لاجئ إثيوبي انتقل إلى بريطانيا مع والده عام ·1994 وفي عام 2001 سافر إلى أفغانستان، وعندما اندلعت الحرب هناك فرّ إلى باكستان· وأثناء محاولته العودة إلى بريطانيا، اعتُقل من قبل السلطات الباكستانية· ويقول محاموه إنه خضع بعد ذلك لاستنطاق قاس وعنيف على أيدي العملاء الباكستانيين والأميركيين الذين بدوا مقتنعين بأنه أحد الشخصيات القيادية في ''القاعدة'' وأن بحوزته أسراراً نووية· وقد تعرض للضرب والتهديد بالموت، قبل أن ترحله الاستخبارات الأميركية إلى المغرب حيث تسلمه المحققون هناك· ويقول المحامون إنه في مرحلة معينة أخذ يعترف بكم هائل من التهم، ومنها خبرته النووية المفترضة، إذ سبق له بالفعل أن قرأ مقال والدتي على شبكة الإنترنت ذات مرة، لكنه أوضح أن الأمر يتعلق بمقال ساخر ليس إلا·
لكن المحققين لم يفهموا المزحة، واعتبروا المقال ''دليلا'' مهماً ضد بنيام· وتلت ذلك لعبة الهاتف بين أجهزة الاستخبارات، فجرى تناقل ''اعتراف'' الرجل، إلى أن أقنعت السلطات الأميركية نفسها بأن بنيام جزء من مؤامرة نووية خطيرة تحاك ضد الولايات المتحدة!
بعد ذلك، نُقل بنيام الذي كانت صحته العقلية آخذة في التدهور إلى جوانتانامو بتهمة التآمر ومساعدة ''القاعدة''· وهناك حاول إقناع المحققين بأنه لم يرتكب أي ذنب، وبأنه اعترف بأشياء كاذبة تحت التعذيب· لكن حين حاول محاموه الاطلاع على السجلات التي يعتقدون أنها ستبرئ ساحته، رفضت الحكومة الأميركية تسليمها لهم· وبحلول ،2007 ازدادت حالة بنيام العقلية تدهوراً· وفي نهاية المطاف، قدم المحامي العسكري المحبَط الذي عُين لمتابعة بنيام قضائياً استقالته، محتجاً على منع مكتبه من الاطلاع على أدلة أساسية··· وأخيراً تم إسقاط كل التهم عن بنيام، ليتم إطلاق سراحه قبل أيام وليُسمح له بالعودة إلى بريطانيا حراً· بيد أن تفاصيل كثيرة من قضية بنيام مازالت طي السرية، وقد رفع محاموه قضية حول الموضوع؛ وفي الرابع من فبراير وافقت المحكمة العليا البريطانية، وإن بتردد، على الاستمرار في حجب ملف التحقيق مع بنيام، لكن المحكمة أعربت عن امتعاضها وقالت: ''أن تتوقع ديمقراطية يسودها حكم القانون (الولايات المتحدة) من محكمة في ديمقراطية أخرى (بريطانيا) حجب أدلة توجد في تقارير مسؤوليها··· لهو أمر محرج حقاً''·
وشخصياً، أعتقد أن سجلات اعتقال بنيام ستُظهر شيئاً آخر على القدر نفسه من الإحراج بالنسبة للولايات المتحدة، ألا وهو: عدم قدرة الكثير من خبراء أجهزتنا الاستخباراتية على التمييز بين التهديدات التي يطرحها الإرهابيون الحقيقيون والتهديد الذي يطرحه شاب عاثر الحظ قرأ ذات يوم مقالا ساخراً حول كيفية صنع القنابل النووية!

روزا بروكس
كاتبة ومحللة سياسية أميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا