الاتحاد

تقارير

خطاب أوباما: منحَ أملاً وليس حلاً

خطابات أوباما، واضحة ومتفائلة وبسيطة··· كخطابات روزفلت

خطابات أوباما، واضحة ومتفائلة وبسيطة··· كخطابات روزفلت

وُصف الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي باراك أوباما في الكونجرس يوم الثلاثاء -وعن حق- بالخطــاب ''الروزفلتي''، حيث اتسم بالحيوية والتفاؤل والبساطة والوضوح· فعلى غرار روزفلت، يجيد أوباما الشرح والتفسير، إضافة إلى كونه بسيطاً بدون أن يكون تبسيطياً· ويمكن القول إن كلامه كان مطَمْئناً، ذلك أن القدرة على الشرح بوضوح تعني النبوغ الفكري الذي يعني الكفاءة، وهذه الأخيرة هي الوسيلة لبناء الثقة· مثل هذه الثقة لم تكن بالنسبة لروزفلت مجرد أسلوب، وإنما مبدأ وعقيدة· ومن الأفكار التي تتكرر كثيراً في الاقتصاد الليبرالي منذ ''الصفقة الجديدة''، تلك التي ترى أن الخطاب أداة من أدوات السياسة؛ إن تبديد المخاوف والشكوك ضروري حتى يعمل الائتمان وروح المقاولة بشكل طبيعي· ومثلما قال جون كنيث جالبريث، فإنه ''من خلال التأكيد على أن الرخاء سيستمر، يستطيع المرء المساعدة على ضمان استمرار الرخاء بالفعل· والإيمان بفعالية مثل هذه الأمور قوي بصفة خاصة بين رجال الأعمال''·
بيد أن المعنويات الوطنية لم تكن حاسمة اقتصادياً في التغلب على ''الكساد الكبير'' (وإن كانت مفيدة في التغلب على هتلر)· وفي هذا الإطار تذكرنا المؤرخة أميتي شلايس بأن ''روزفيلت أبلى بلاء حسناً وفق مقياس واحد: التصويت السياسي، لكنه أخفق وفق معيارين آخرين نعلم اليوم أنهما بالغا الأهمية: معدل البطالة ومؤشر داو جونز الصناعي''· ثم إنه من المستبعد أن يكون للكلام الذي يروم بعث الثقة تأثير قوي في الاقتصاد الحالي، لأن الأسواق والمستثمرين ورجال الأعمال والمقاولين··· محصنون من الكلام المنمق والعبارات السحرية، ويريدون بالمقابل الاطمئنان إلى ثلاثة مواضيع جوهرية: مصداقية النظام الائتماني، وعودة النمو الاقتصادي، ومقاربة جادة حيال مشكلة الديون·
والحقيقة أن أوباما كان قوياً فيما يتعلق بإنقاذ النظام المصرفي، حيث وعد بـ''التحرك بكل ما أوتيت الحكومة الفدرالية من قوة··· والقيام بكل ما هو ضروري'' من أجل ضمان استمرار الإقراض· وكان هذا تأكيداً من جانب السلطة التنفيذية في وقت أزمة لابد أن روزفلت كان سيفهمه ويقدره من دون شك· والحقيقة أن الإنقاذ المالي للبنوك كان راديكالياً حيث يقوم على تأميم خسائر القطاع الخاص ومخطط حكومي لـ''فرض تطبيق التعديلات الضرورية'' و''ترتيب السجلات'' وضمان ''الاستمرارية''··· لكن يجب أن أعترف بأنني كاقتصادي باراجماتي اطمأننت بعض الشيء· بيد أن أوباما كان أقل إقناعاً في موضوع النمو الاقتصادي حيث تحدث عن ضرورة ''إنعاش خلق الوظائف'' عبر الإنفاق العام، معترفاً بأن ''ثمة أشخاصاً في هذا المجلس وفي منازلهم يشككون في قدرة هذا المخطط على النجاح''· ورد على هذه المخاوف بالقول إن ''الإنفاق'' سيقابَل بـ''مراقبة غير مسبوقة''، والحال أن تلك حيلة قديمة للرد على اعتراض المعترضين·
إن مبعث التشكك بالنسبة لكثير من الأميركيين ليس هو إمكانية تبذير المال العام، وإنما فكرة أوباما المتعلقة بخلق الوظائف· فمن المعروف والبديهي أن معظم الوظائف تُخلـــَق بواسطة رؤوس الأموال الخاصة في القطاع الخــاص، ويتم ذلك عادة بفضل الشركـــات الصغيرة في المقام الأول· والحال أن الشركات الصغيرة لم تنـــل ســـوى القليل مــن الاهتمام في خطـــاب أوباما· ثم إن أحد الأمثلة التي استعملها أوباما في خطابه، وهو الاحتفاظ بضباط الشرطة، يستحق التأمل، لكنه ليس مصدراً من المصادر الأميركية المعروفة لخلق الوظائف· وبالمقابل، لم يسمع أصحاب الشركات الصغرى شيئاً عن صراعهم اليومي مع المنازعات القانونية·
ثمة عنصر سيكولوجي في مسألة الثقة، هو الذي يدفع إلى ركوب خطر إنشاء المقاولات وتوسيع الشركات الصغرى، والحال أنه من الصعوبة بمكان تخيل كيف يمكن لتلك الثقة أن تبنـــى في وقـــت يتم تجاهلهـــا· على أن أوباما كان أقل مصداقية في موضوع الديون· فمعظم الأميركيين يقبلون على ما يبدو الحاجة إلى ارتفاع مؤقت في العجـــز حتى يكــــون بمثابـــة صدمـــة بالنسبــة للاقتصــاد، غير أن تعهدات أوباما بـ''مراجعة الميزانية الفدرالية سطراً سطراً'' والقضاء على ''التبذير والغش والتجاوزات''، كانت الأجزاء الأكثر ابتذالا في خطابه القوي، إذ افتقرت للمصداقية لدى رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي التي كانت تظهر خلفه·
وبخصوص موضوع الديون طويلة الأمد -أزمة البرامج والمزايا الاجتماعية غير الدائمة التي توفرها الدولة في مجتمع يزداد شيخوخة- كان كلام أوباما محتشماً، مع أن هذه الالتزامات المستقبلية الضخمة تزيد من احتمال ارتفاع معدلات الفائدة والتضخم، وتهدد بإعاقة الإنفاق على مجموعة من الأهداف الوطنية والإنسانية· والواقع أن كثيرين قد يقبلون بعجز على المدى القصير مقابل صفقة كبيرة للسيطرة على الإنفاق في هذه البرامج والمزايا· وثمة أفكار مبتكرة يتم تداولها حالياً في الكونجرس؛ مثل لجنة ''تأمين اقتصاد أميركا المستقبلي''، المعروفة اختصاراً بـ''سيف''، والتي قد توصي بإصلاحات في هذه البرامج وتقدم مقترحاتها للكونجرس من أجل التصويت عليها· غير أن أوباما لم يختر إنفاق رأسماله السياسي على مواجهة أزمة برامج المزايا الاجتماعية، وهو أمر يمكن تفهمه وإن كان لا ينم عن الشجاعة·
خلاصة القول إن خطاب أوباما هذا الأسبوع كان مطَمْئنا، ولكن في ما يخص الاقتصاد، يمكن القول إن الكثيرين لم يطمئنوا بعد بشكل كامل·

مايكل جرسون
محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا