صحيفة الاتحاد

تقارير

الجيش الأميركي وثقافة التقنيات القديمة

في مقال مؤثر نشر عام 1958، كتب «إدوارد كاتزينباخ» عن إصرار الجيوش على الإبقاء على تشكيلات كبيرة من سلاح الفرسان في القرن العشرين – «قدرة على البقاء تقترب من الإعجاز» - على الرغم من الأدلة الساحقة من الحرب العالمية الأولى على أن تكلفة سلاح الفرسان في ساحة المعركة الحديثة كانت سخيفة. لقد قطع الجيش الأميركي شوطاً طويلاً منذ ذلك الحين. وليس خافياً أن وزارة الدفاع تعمل على مواكبة التطورات التكنولوجية السريعة في القطاع الخاص. وربما يجعل المعدل الحالي للتغير التكنولوجي العديد من الأنظمة العسكرية الأميركية قد عفى عليها الزمن في العقود القديمة. فالتطورات في الذكاء الاصطناعي، والمركبات ذاتية القيادة وعلم المواد والتقنية الصغيرة للغاية (تكنولوجيا النانو) تهدد بإحداث تغيير كمي - وليس مجرد تدريجي - في سلوك الحرب في المستقبل القريب. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قد أنفقت الكثير على القوات العسكرية القائمة أكثر من الدول الأخرى، ولفترة أطول بكثير، إلا أن هذه الميزة المتراكمة تمثل أيضاً ضعفاً، فهي تعد فرصة للخصوم والمنافسين الدوليين لواشنطن للتقدم على الولايات المتحدة بالتكنولوجيا الناشئة. وهناك العديد من العقبات التي تحول دون فصل الجيش الأميركي عن التكنولوجيات القديمة. أولاً، من أجل اعتماد التكنولوجيا على نطاق واسع في مؤسسة مثل البنتاجون، فإنها بحاجة لأن تكون منسوجة في هياكل بيروقراطية، التي هي شائكة بطبيعتها، ومن ناحية أخرى، فإن تعيين وتدريب الموظفين على مهارات متخصصة، وتنمية وتنفيذ إجراءات التشغيل المألوفة، والمرافق المكلفة، والصيانة، وغير ذلك من الاستثمارات الداعمة هي أيضاً ضرورية لتمكين استخدام التكنولوجيا. وإلى جانب ذلك، فإن البيروقراطيات غالباً ما تبني هوياتها حول التكنولوجيا، وتتحول الأمور التي تهدد التكنولوجيا إلى تهديدات لجوهر المؤسسة.
وتعد الثورة في العمارة البحرية (من الخشب إلى الحديد) وأنظمة التسيير في أواخر القرن الـ19 مثالاً عظيماً على هذا. وعلى الرغم من إثبات قيمتها خلال الحرب الأهلية، فقد واجهت السفن الحديدية التي تعمل بالبخار معارضة صاخبة في سبعينيات القرن التاسع عشر من القيادة البحرية، التي سعت إلى تقويض هذه التكنولوجيات والفئة الجديدة من المهندسين المهنيين المرتبطين بها. وقد لخص «ويليام ماكبرايد» هذه المعضلة عندما قال: «إن التدرجات العسكرية تسعى إلى تحقيق الاستقرار، وعندما تتحدى تكنولوجيا جديدة هذا الاستقرار، من الممكن أن يكون رد الفعل حاداً ومعادياً».
وقد تسيء التكنولوجيا الجديدة أيضاً إلى القيم التي تحمل أفكاراً رومانسية للمهنة. فقد ذكر مراقب بريطاني، عندما رأى سفينة مغطاة بالحديد لأول مرة عام 1861 أنه لا يتصور كيف يمارس الشباب من الطبقة الأرستقراطية مهنة سفك الدماء والدمار من خلف أسوار حديدية. وقد شهد البنتاجون مشاعر مماثلة اليوم مع الضغط المؤسسي ضد الطائرات من دون طيار. ولا تزال القوات الجوية والقوات البحرية تصارع التجنيد والاحتفاظ والتقدم الوظيفي داخل مجتمع الطائرات من دون طيار، نظراً لأنها تفضل المجتمع الحالي من الطائرات الحربية التي يقودها البشر. ومما يضاعف من التحديات التي تواجهها المقاومة الثقافية حقيقة أن مجموعة من مجموعات المصالح الخارجية من الممكن أن تستفيد من الحفاظ على تكنولوجيا عسكرية بعينها، لأن تطوير واستبدال الأنظمة القائمة بخصائص جديدة باهظة الثمن (في إشارة إلى الطلاء بالذهب) يبدو الوسيلة الأكثر أماناً لتلبية مصالحها المحدودة.
وتثبت دراسة «نيك كوتز» الكلاسيكية عن قاذفات القنابل «بي – 1» كيف تدفع مثل هذه المصالح الاستثمارات الكبيرة في صناعة التكنولوجيا. وبدلاً من تكييف الاستثمارات للظروف المتغيرة (الدفاعات الجوية السوفييتية المحسنة)، فإن المفاهيم القديمة (قاذفات القنابل الاستراتيجية المزودة بالجند) تم تزويدها بتكنولوجيات أكثر ابتكاراً. ولا يحتاج المهنيون في مجال الاستحواذ في البنتاجون بالضرورة إلى خفض وحرق أسلوبهم من خلال التكنولوجيات الحالية الخاصة بهم، لكنهم بحاجة إلى الالتزام باستراتيجية تدرك المشهد التكنولوجي المتغير والتهديدات التي تشكلها بالفعل. إن الحفاظ على الميزة العسكرية الأميركية ليس مجرد الحصول على أحدث التقنيات. إنه يتعلق بالأشخاص والمؤسسات والثقافات التي تُمكّن هذه التكنولوجيا من العمل.

*صحفيون أميركيون
*عن دورية «فورين بوليسي»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»