الاتحاد

دنيا

نيل هاريبسون يسمع الألوان ولا يراها


إعداد ـ هالة دروج:
يمكن أن يوصف شخص ما مجازا بأنه يرى الحياة باللونين الأبيض والأسود للإشارة إلى أنه لا يتسم بالمرونة ولا يقبل الحلول الوسط· أما نيل هاريبسون الشاب البريطاني البالغ من العمر 22 عاما فينطبق عليه هذا الوصف بمعناه الحرفي إذ ولد وهو يعاني من عمى الألوان، وهي حالة نادرة تصيب شخصا واحدا من بين كل 33 ألفا· لكنه في العام الماضي بات قادرا على رؤية، أو بمعنى أدق، سماع الألوان وذلك لأول مرة في حياته· فقد زود هاريبسون بجهاز يقوم بتحويل الألوان إلى موجات صوتية بحيث يخصص صوت معين لكل لون·
يتكون الجهاز الذي يدعى آي بورج (EyeBorg) من كاميرا رقمية توضع على الرأس وتقرأ الألوان التي تظهر أمام الشاب ثم تقوم بتحويلها بواسطة جهاز كمبيوتر يحمله في حقيبته إلى صوت، وبذلك تكون الأصوات الصادرة تمثيلا لجملة من الألوان المختلفة حيث تخصص الطبقات العالية للألوان الفاتحة في حين تكون أصوات الألوان القاتمة أكثر وضوحا وشدة· جهاز آي بورج من اختراع آدم مونتاندون البالغ من العمر 23 عاما الذي يصف اختراعه بأنه طريقة لسماع الألوان·
منذ شهر مارس من العام الماضي بات آي بورج يلازم هاريبسون في كل لحظة من لحظات حياته وأصبح الشاب أول شخص في العالم يزود بمثل هذا الجهاز الذي يظهر حتى في صورته الشخصية الموجودة في جواز سفره· قبل ذلك كان من الصعب على الشاب أن يدرك أن البيئة حوله مليئة بكافة الألوان ودرجاتها، وقد لا يستطيع الإنسان الطبيعي أن يتصور صعوبة العيش في عالم تقتصر ألوانه على الأبيض والأسود التي يعبر عنها هاريبسون بقوله: 'كنت أشعر دائما أنني تائه خلال مناقشاتي مع الآخرين· فالناس لا يدركون مدى اعتمادهم على الألوان أثناء الحديث'·
فقد كان هاريبسون يواجه تحديات في القيام بأبسط الأعمال اليومية مثل تناول الفطور حيث يقول: 'لم أكن أستطيع أن أميز أنواع الأطعمة· فكثيرا ما كنت أخلط بين مربى المشمش ومعجون الطماطم، أو بين عصير البرتقال وعصير التفاح· كنت أحتاج دائما لأن أسأل الآخرين عن أنواع الطعام، أو أقوم بشمها لأتعرف عليها عندما كنت صغيرا وكان الكثيرون يستهجنون هذا السلوك'·
في المدرسة كان هاريبسون عرضة لتعليقات رفاقه وسخريتهم عندما كان يطلب مساعدتهم لإرشاده إلى القلم الأصفر أو الأحمر في علبة أقلام التلوين· كما كانت ملابسه تقتصر على اللونين الأبيض والأسود وكان يعلق على ذلك بقوله: 'ما الفائدة من ارتداء ألوان لا أستطيع أن أراها؟' لكن بعد استخدام جهاز آي بورج بات قادرا على انتقاء ملابسه بألوان مختلفة وكانت أول القطع التي اشتراها كنزة برتقالية وجوارب حمراء كان قد رآها في واجهة أحد المحلات وأعجب بصوت ألوانها!
بيد أن التأثير الأكبر لاستخدام هذه التقنية كان على حياة هاريبسون المهنية· ففي عام 2003 أثار الشاب استغراب الكثيرين عندما اختار دراسة الفنون في مدينة ديفون في جنوب غرب إنجلترا· فكيف يستطيع أن يقدم لوحات وأعمالا فنية وهو لا يستطيع رؤية الألوان· قبل أن يبدأ باستخدام آي بورج كانت لوحات الشاب تظهر بالأبيض والأسود لكنها الآن باتت تضج بالألوان بكافة درجاتها وهو ما يسمعه الشاب على شكل جملة من الألحان والنغمات· يقول هاريبسون: 'عندما أرسم أشعر وكأنني أقوم بتأليف مقطوعة موسيقية'· وللأمر تأثير آخر إذ بات الشاب يرى الألوان عند إصغائه إلى الأصوات· فهو يقول ان عازفة البيانو في الحفلة الموسيقية التي حضرها مؤخرا عزفت الكثير من ألحان الأصفر كما أن المكنسة الكهربائية التي يستخدمها تعزف ألحان اللون الأحمر· ويبدي هاريبسون متعة كبيرة بممارسة فنه بمساعدة آي بورج إذ يقول: 'من قبل كنت أشعر بشيء من الخوف تجاه ما أرسمه أما الآن فأنا أستمتع بالأمر كثيرا إذ أرسم الكثير من الأشياء التي تصدر أصواتا'·
من أكثر اللوحات الجديدة التي يفضلها هاريبسون تلك التي تصور منظرا طبيعيا لسماء زرقاء صافية وحديقة بسيطة تكسو أرضها الأعشاب· قد يكون هذا المنظر ساذجا وطفوليا للغاية لكنه يوضح مدى التحسن الكبير الذي أحدثه جهاز آي بورج في حياته· كما ساعده الجهاز على تقييم أعمال الآخرين الفنية إذ لم يكن قادرا من قبل على إدراك استخدام الألوان في لوحاتهم لذلك كان يشعر أنها تفتقد لشيء ما· وهكذا بدأ هاريبسون يتذوق لوحات خوان ميرو التي طالما كانت تثير فضوله· وعند الزيارة التي قام بها لمدينة برشلونة استمتع الشاب كثيرا بأعمال جودي إذ يقول: 'تجولت حول المدينة واستمتعت بتصاميمه المعمارية التي أذهلتني حقا'·
قبل أن يبدأ استخدام جهاز آي بورج كان هاريبسون يكره كل ما يطلق عليه اسم لون، أما الآن فبات له موقف مختلف من الألوان إذ يحب بعضها مثل الأحمر ويكره بعضها الآخر مثل البني والأخضر والأزرق الغامق· ويؤكد الشاب أن أهم اللحظات في حياته هي تلك التي أدرك فيها أن اللون موجود في كل مكان حوله حتى في زوايا الغرفة التي يعيش فيها· وهو متفائل جدا بحجم المساعدة التي يمكن أن يقدمها آي بورج إذ يرى أنه يمكن أن يساعد فاقدي البصر يوما للرسم بالألوان باستخدام الأصوات، كما يمكن أن يتيح للصم فرصة تأليف مقطوعات موسيقية باستخدام الألوان· وفي ظل هذا التفاؤل يحرص هاريبسون على ارتداء الجهاز على مدار الساعة ويقول: 'إنه جهاز مذهل أصبحت لا أشعر بأي نقص وقد زادت ثقتي بنفسي· وأنا الآن متحمس لاستخدام أكبر قدر ممكن من الألوان في حياتي'·

اقرأ أيضا