الأربعاء 18 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
خبراء التراث: الموروث الشعبي يشكل ملامح الزمن الجميل
خبراء التراث: الموروث الشعبي يشكل ملامح الزمن الجميل
26 أغسطس 2013 09:09

يمثل التراث المحلي هوية الشعوب، بما يحمل من موروث حضاري يشكل ملامح الزمن القديم، ويؤشر لعالم كانت فيه الحياة على بساطتها جملة من المفاهيم الخاصة والتصورات الدقيقة التي تؤطر المراحل التاريخية، وتبعث فيها روح الحياة من منظورها الخاص، وما من شك في أن التراث الإماراتي الشعبي له جذوره الممتدة في عمق التاريخ، وعلى الرغم من أن الموروث الشعبي للدولة بلغ ذروة الاحتفاء به في الوقت الراهن، إلا أن دعوة خبراء التراث المحليين في الدولة إلى الحفاظ عليه، ومن ثم الترويج له تلقى اهتماماً واسعاً خصوصاً، وأن جمعه بالطرق العلمية يؤدي إلى توثيقه بدقة، ليكون زاداً حضارياً للأجيال المقبلة. قيمة حضارية حول أهمية جمع التراث الشعبي الإماراتي، يقول أستاذ التاريخ بقسم التاريخ والآثار بجامعة الإمارات الدكتور حمد بن صراي «التراث ليس مجرد مرويات لكنه قيمة حضارية كبيرة له طبيعة خاصة ومكانة عريقة ويتعاظم دور الموروث الشعبي يوماً بعد يوم في نفوس هؤلاء الذين آلو على أنفسهم جمعه وتوثيقه ونشره بكل السبل التي تحفظه من الضياع، ليكون أمام الأجيال القادمة شامخاً بصورته الحقيقية الوضاءة». ويلفت إلى أن الحفاظ على اللهجة المحلية من الأهمية بمكان خصوصاً وأن كل منطقة بالدولة وإن اشتركت في جملة من المفردات المتوارثة إلا أن لكل واحدة منها بعض الخصوصية وتلك المفردات من الممكن أن تندثر إذ لم يتم توثيق هذه المفردات بأمثالها الشعبية الأصيلة، فالأجيال تتغير، واللهجات تتطور وتخضع لحركة التاريخ لذا فإن جامعي التراث يضطلعون بمهمة شائكة ويتعين عليهم القيام بدور كبير من أجل تسليط الضوء على ما درج عليه الآباء من لهجات كانت ولم تزل جزءاً من الشخصية الإماراتية». ويتابع بن صراي «الترويج للتراث الشعبي الإماراتي من العوامل الرئيسة التي تشكل معالم الهوية الوطنية وترسيخ لمفاهيم الولاء والانتماء لدى الأجيال الحالية والمقبلة، وأعتقد أن السمة الغالبة الآن على المشهد الإماراتي تعطي صورة طيبة عن مدى إقبال العديد من مؤسسات الدولة على الترويج للتراث وترسيخ صورته في أذهان الأجيال الشابة والناشئة وهو ما يؤدي إلى أن تتعلق هذه الفئات بتراثها الوطني وتقدره على النحو الأمثل، فضلاً عن أن فهم مفردات التراث الشعبي ومكوناته الرئيسة تدفع الجميع إلى النظر للمستقبل بعين مشرقة، فحركة التاريخ لا تتوقف وصورة الماضي ترتبط بصورة الحاضر». تسجيلات صوتية حول أهمية استثمار كبار السن الذين يتمتعون بالصحة والعافية في الوقت الراهن، يقول بن صراي إن لذلك أهمية كبيرة في الوقت الراهن خصوصاً وأن قطاعاً كبيراً منهم وافته المنية، وهو ما يشكل خطراً على الموروث الشفهي إذ إن هؤلاء المسنين يحفظون الكثير عن حياة الأجداد، ولديهم قاموس تراثي غزير يجب استثماره بكل الطرق لأنه امتداد حقيقي للماضي بكل صورة البسيطة التي تعبر عن طبيعة حياة الإماراتيين في السابق، مشيرا إلى أن العديد من المرويات المسجلة لم تفرغ إلى الآن، وهو يهيب بالإعلام ليسهم في تسليط الضوء على قضية تفريغ هذه التسجيلات لكي يستفيد منها كل الباحثين في مجال الموروث الشعبي ولكي تكون زاداً معرفياً للشباب. ويبين بن صراي أنه منذ شهرين هو يلتقي مجموعة من كبار السن من أجل الحديث معهم عن مكنونات التراث الشعبي للدولة فهم يحملون في ذاكرتهم قصصاً حقيقية تعبر عن الواقع المعيش في الماضي، فضلاً عن أن قسم التاريخ والآثار بجامعة الإمارات أقام العديد من الدورات التعليمية للشباب في ميدان «التاريخ الشفهي»، بالإضافة إلى مشروع بحثي يقوم على استضافة كبار السن من المواطنين للحديث معهم عن أسرار الموروث الشعبي للدولة، مؤكدا أن مثل هذه المشروعات أثبتت مدى نجاعتها في ربط الجيل الحالي بالمعارف البيئية القديمة في أبهى صورة وبطريقة جذابة بحيث يكون هؤلاء الشباب لهم دور فاعل في تحريك عملية البحث والاستقصاء، وهو ما يمثل أكبر حافز لهم من أجل التعرف على المفاهيم الأساسية التي شكلت النماذج الأولى بالدولة. حول آلية جمع التراث، يقول مدير إدارة التراث في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة عبدالعزيز المسلم. إن جمع التراث الشعبي الإماراتي مسألة صعبة للغاية لأنه لابد من أن يخضع للطرق العلمية البحتة، ومن ثم يمر بالمراحل الطبيعية التي تفضي في النهاية إلى توثيقه بأسلوب متكامل، فنحن أمام مصلحة عليا تخص الموروث الشعبي لدولة الإمارات الموغلة في التاريخ الإنساني وذات الحضارة العريقة، فضلا عن أنه على امتداد الدولة ترسخت عادات وتقاليد لم تزل محفورة في وجدان أبناء الجيل الماضي، لذا فإن مهمة نقل هذه التقاليد بحذافيرها للأجيال الجديد يحتاج من كل الباحثين إلى بذل مزيد من الجهد. ويوضح أن أهل الإمارات قديما كان لهم سبل خاصة من أجل تسيير حياتهم على نحو ما، لذا كانوا خبراء في استكشاف أماكن وجود المياه في باطن الأرض، فضلاً عن علاقتهم بالنجوم، وفي وقتنا الحاضر لا يزال هناك العديد من الرجال الذين لديهم قدرة على الاستدلال في الصحراء ويستطيع البدوي منهم أن يحدد الاتجاهات نحو الشرق والغرب والجنوب والشمال ببساطة متناهية. ويرى المسلم أن قص الأثر لدى الأجداد كان فناً خالصاً برعو فيه أيضاً إذ إنهم قديماً كانوا يقصون أثر البهيمة ويعرفون مكانها وهناك قول مفاده «البعرة تدل على البعير». ويوضح أنه لا يزال في هذا العصر من الآباء والأجداد من هم لديهم قدرة بالغة على قص الأثر والتعريف به لذا فمن الضروري أيضاً أن تظل هذه المعالم التي شكلت حياة المواطنين قديما حاضرة في هذا الزمن عن طريق المرويات وتسجيلها ومن ثم توثيقها. ويقول المسلم «التراث المحلي في كينونته هو فكر يستند على علم حقيقي وهذا العلم يجد في تحصيله هؤلاء الذين نذروا أنفسهم للبحث في الموروث الشعبي». ويضيف «أخشى أن تمتد روح التراخي إلى كوكبة الباحثين الحاليين خصوصاً وأن العصر بتقنياته الحديثة قادر على أن يلهي الجميع ويغير مسارهم». مشاعر الانتماء بالنسبة لهدف توثيق التراث، يؤكد المؤرخ الدكتور سيف البدواوي أن الهدف من العودة لتراث الأجداد هو غرس مشاعر الانتماء لدى الناشئة والشباب فهوية أي دولة لا تتحقق بالمعنى الواسع إلا في ظل الحفاظ على التاريخ الحضاري لها. ويوضح «لدينا في الإمارات اهتمام كبير بالجذور والانتماء للأرض وهو ما يجعل أبناء الدولة في حالة ارتباط مستمرة مع التراث»، مشيرا إلى أن العولمة في الوقت الحاضر تشكل خطور حقيقة على المورثات الشعبية والتراث المحلي للدول كافة خصوصاً وأن الأطفال أصبح ارتباطهم بالتكنولوجيا أكبر من أي شيء لذا من الأهمية بمكان استثمار التكنولوجيا في عملية بناء جسور بين الماضي والحاضر وعلى الرغم من صعوبة المهمة إلا أن الرؤى واسعة والطموحات كبيرة والمخلصين يعملون بجد. ويتابع البدواوي «كان الناس قديماً يتكاتفون بشكل مشرف ووصلت بينهم العلاقات الإنسانية إلى ذروتها لدرجة أن المواطنين كانوا يفهمون بعضهم بعضاً من نظرة العين والإشارة خصوصاً في مجتمعاتنا البرية في البادية وفي البيئة البحرية التي كانت مصدر رزق كبير، فضلاً عن التعاون الكبير بينهم في حياتهم الزراعية التي تشكلت عبر الأيام والسنين ملامحها». وبالنسبة لجمع التراث الشعبي الإماراتي، يرى البدواوي أنه يحتاج إلى مؤسسات وأفراد في الوقت نفسه وبالتكاتف ستكون الحصيلة المعرفية للموروث الشعبي كبيرة جداً وهو ما يصب في مصلحة السياحة الداخلية ومن ثم التعريف بمفردات التراث الإماراتي لأبناء الدولة والزوار الذين يأتون من كل مكان في العالم، خصوصاً وأن هناك حفريات تم اكتشفها ويرجع تاريخها إلى آلاف السنين قبل الميلاد. غذاء يومي يجزم الباحث التراثي بإدارة دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة الفنان سعيد الحداد أن جمع التراث بالشكل الذي يحقق الطموحات لا يمكن أن يحدث إلا في ظل تضافر كل الجهود بحيث تكون مصلحة الدولة فوق كل اعتبار، مضيفا أن التراث يمثل جانب الهوية الوطنية وهو غذاء يومي لكل أبناء الدولة حتى تظل القيم الموروثة باقية ومتجددة في نفوس الجميع. ويلفت إلى أنه من الخطأ النظر إلى التاريخ على أنه مجرد ماض عابر بل يجب أن يراه الجيل الحالي على أنه نقطة الوصول إلى المستقبل. ويقول الحداد «ما حدث هو أننا تناقلنا المورثات عبر الأجيال إذ إن كل جيل يمنح الآخر خلاصة تجربته والأيام تثبت يوماً بعد آخر أن أبناء الإمارات يمثلون حضارة عريقة لها جذورها التاريخية التي هي واضحة مثل ضوء الشمس، وبهذا يكون هناك رد قاطع على كل الذين يتصورون أن التاريخ تم حصره في أحد المظاهر مثل دلة القهوة أو غيرها من المظاهر التي كانت أمور ثابتة في حياة الإنسان العربي بوجه عام». ويشير إلى أن المتاحف تلعب دوراً مهماً في إثراء الثقافة الشعبية عبر مقتنياتها التي تمثل جوانب تاريخية مختلفة. ويذكر أنه من الأهمية أن يتم تدريب المرشدين السياحيين بشكل جيد لأنه من المرشد يستقى الزائر المعلومات التاريخية عن الإمارات لذا من الضروري أن يتم تأهيل هؤلاء المرشدين بشكل جيد، فضلاً عن إعداد كوادر من الشباب للعمل في ميدان السياحة على أساس العلم والدراسة الأكاديمية الرصينة. وجود حضاري تؤكد الباحثة في مجال الموروث الشعبي المحلي فاطمة المغني أن لكل شعب تراثه وأسلوبه في الحفاظ عليه من الاندثار، والتراث هو أيضاً واجهة الدولة والدال على امتدادها التاريخي ووجودها الحضاري بين الأمم. وحول حفظ الموروث الشعبي الإماراتي، ترى المغني أنه «قطع شوطا كبيرا نحو التحقق بفضل جهود القيادة الرشيدة التي تولي اهتماماً كبيراً بتراث الدولة، وما من شك في أن العديد من الأسر الإماراتية في بداية مرحلة النفط أدركت حقيقة الموروث الشعبي واحتفظت بالفعل بالعديد من المواد التراثية القديمة من الملابس وأدوات الصيد وما كان يتعلق بالبيئة البحرية والزراعية والبرية ما أعطى فرصة كبيرة للجيل الحالي لكي يتعرف على تاريخه القديم بمنتهى السلاسة والبساطة». خمسون عاماً مع التراث يذكر عثمان باروت، أحد رواة التراث الشعبي المحلي بالدولة، وصاحب متحف شخصي، أنه بدأ في جمع مقتنيات متحفه الشخصي منذ عام 1982 لدرجة أنه كان يشتري القطع الموروثة القديمة من الناس، حتى شكل معالم متحفه الشخصي الذي أصبح بمور الأيام مزاراً سياحياً لأبناء الدولة والوافدين والزوار من كل مكان، ويقول باروت ،الذي يبلغ من العمر 85 عاماً: «أشعر بسعادة بالغة عندما أتلقى دعوة من إحدى المؤسسات التعليمية بالدولة من أجل أن ألقى محاضرات حول البيئة الإماراتية القديمة، وأكثر ما يجعلني أحس بالفخر أن الكثير من أبنائنا يصغون جيداً لأحاديثي ما يجعلني أشعر بأنني أسهمت في جمع جزء من التراث الشعبي الإماراتي وحققته بطريقة شفهية خالصة وأطمح في المستقبل إلى أن يتعاظم دور المؤسسات المعنية بالتراث حتى تظل حلقة الوصل بين الحاضر والماضي موجودة بقوة».

المصدر: أبوظبي
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©