الاتحاد

عربي ودولي

إسرائيل ··تصفيــة القضية الفلسطينيـــة وتدمـير المصالـــح العربيـــــة

معين أحمد محمود:
رغم التحذير المتصاعد من جامعة الدول العربية في الآونة الأخيرة بشأن الهرولة العربية تجاه التطبيع مع 'إسرائيل' التي لم تتخل حتى الآن عن مخططها للهيمنة على الأراضي العربية المحتلة في فلسطين المحتلة، والجولان، وجنوب لبنان، فإننا نجد الساحة العربية اليوم، وبالرغم مما تتعرض له من عسف سياسي، أرضاً خصبة لدعوات تدمير الذات، والخضوع للكيان الصهيوني الذي يحاول ترويض وفرض الاستسلام بكل الوسائل· والبعض من أبناء أمتنا العربية يرَدد وللأسف مواقف تعكس بوضوح مأزق الوعي تجاه قضية الصراع المصيري، مع عدو شرس يتطلع إلى إقامة مشروعه على أنقاض وجودنا وهويتنا وحقوقنا المشروعة، ويعمل لزرع الشقاق بين أبناء الأمة وضرب أي محاولة للصمود سينجينا من الهزائم والمصائب التي حلت فوق أرضنا العربية·
التطبيع قبل الانسحاب
واضح للعيان أن القادة العرب في قمة الجزائر أعادوا ربط أي اعلان لانتهاء 'الصراع' العربي 'الإسرائيلي' بقيام الدولة العبرية بما تطلبه منها القرارات الدولية· وقد واجه هذا الربط انتقادات عربية تعتبر أن موازيين القوى العالمية الحالية، وخصوصاً المواقف المنحازة إلى جانب 'إسرائيل' التي تتبناها الادارة الأمريكية، لا تتيح بأي شكل من الأشكال العودة إلى نوع من الخطابة ربما كانت تصلح في السبعينات أو حتى الثمانينات، لكنها أضحت بلا معنى اليوم، وأن المطلوب هو اعلان عربي صريح بانتهاء الصراع وبالتالي القبول والمطالبة بانسحابات 'إسرائيلية' واسعة، ومن دون القيام بأي شرح تفصيلي لخلفيات هذه المواقف التي لم تعد سرية والتي خرجت من الغرف المغلقة، وباتت تنشر مع أثير الفضائيات، فإن العجز العربي الجلي عن القيام بأي خطوة لتعديل موازين القوى يضع المجتمعات العربية وصناع السياسة فيها أمام خيارين ضعيفين: الأول المزايدة في طلب الاستسلام والدعوة إليه باعتبار أنه الطريق الوحيد نحو التحرير- في مفارقة سريالية تليق بمسرح العبث- والثاني التمسك بالنهج الحالي من مقاربة الصراع العربي -'الاسرائيلي' تحت مسمى 'الممانعة' التي يجوز القول أنها درجة اقل من المقارنة، وهذه فعل إيجابي يتضمن قدراً من الإنجاز في حين أن الممانعة تقوم على انتظار سلبي تحت عنوان 'الصمود' ومن دون تكليف النفس مهمات لا تتيحها المعطيات المعروفة·
الحرب الخامسة
وفي هذا السياق يمكننا الجزم بأن إعادة إحياء مشروع التطبيع اليوم يجد صدى ملائماً عند بعض الحكومات و'المثقفين' العرب، الذين يستخفون بهذا النوع من الممارسة السياسية ويعتبرونها، استراتيجية يجب أن تبدأ أولاً لطمأنة العدو، رضوخاً لمصطلح صهيوني خادع 'وقف العنف' باعتبار المقاومة في عرفهم عنفاً، وذلك تمهيداً للسلام وليس العكس، وفاتهم أن هذا النمط من السلوك، الذي كان ولازال ينتعش في ظل حكومات 'الليكود'· لا يخدم السلام، بل اجترار لما تسوقه الدولة العبرية للتكرم علينا بحسن الجوار· فالتطبيع ليس مسألة سياسية تكتيكية، بقدر ما هو قيمة ثقافية واجتماعية، لذلك فإنه في هذه الظروف الصعبة يعتبر بمثابة الحرب الخامسة بين العرب و'إسرائيل'، الحرب الأكثر شراسة وضراوة من بين الحروب المدمرة السابقة، حرب تستهدف وجداننا ومشروعنا ووجودنا وهويتنا وثقافتنا·
البدائل الكاذبة
وتسعى الدولة العبرية لترويج بدائل كاذبة، وضرب أي محاولة للتضامن العربي، والتي غالباً ما كانت تتحقق في ظل المواجهات العسكرية· لقد أصبح عزاء فارغاً وخادعاً للذات تكرار مقولات فارغة ولغة تستند إلى تعابير التغيير والحداثة والتطور، لتبرير الهرولة باتجاه الدولة العبرية، ولاسيما تلك التي تقول بالضغوط القاهرة، أو الواقعية الجديدة، أو التي تعزف على وتر القرار الوطني المستقل، لنجد أنفسنا في النهاية أمام منظومة فكرية متكاملة، تذهب الى المنطق الصهيوني إلى أقصاه، وتسعى إلى قبول الهيمنة الأمريكية، وقبول المشروع الصهيوني والتماهي معه·
وهنا لابد من التأكيد على أن هذه الدعوات التي يطلقها البعض اليوم ممن يدعي الثقافة، ويتم تبنيها من قبل البعض الآخر، ليست جديدة على مجتمعنا، فمنذ بدء الصراع العسكري التاريخي الحضاري الوجودي مع العدو الصهيوني وساحتنا السياسية والثقافية تشهد اتصالات ومحاولات لإقامة علاقات معه، ومشاريعه ورسله وحماته وعملائه في الداخل والخارج، تبرير ايديولوجي مرفوض
ولعل الغريب العجيب أن نجد من يقوم بتغطية هذه الممارسات بهراء ايديولوجي مرفوض، ومبررات غير منطقية، أهمها أن الصراع بين العرب و 'إسرائيل' لم يعد قائماً، وأن تردي أوضاعنا كان بسبب أخطائنا، وليس بسبب الإستعمار أو الصهيونية، هؤلاء يمارسون عملية خداع لغوية للارتماء بأحضان الصهاينة وقبول مشاريعهم· وللأسف الشديد أنهم لم يدركوا أن من سلك هذا الطريق في السابق، أضر بقضيتنا المركزية، التي تستحق الصراع والتضحيات وجعلت البعض منا يتنازل عن آخر الحصون التي تمنحنا مشروعية البقاء، الأمر الذي مهد لدخول مشروعنا القومي غرفة الإنعاش· والعروبة تتعرض للإبادة والإنحطاط كما انحطت امم عظيمة عندما فقدت قيمها· فالشعوب الحية لا تذعن للتهديدات مهما اشتدت شراستها، والحضارة الميتة وحدها التي تختبئ في الكواليس، ولعل البعض وتحت ضغط خيبة الأمل والشعور بالعجز السياسي والفكري والعسكري، بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، منح البعض من الأشقاء العرب رصيداً دبلوماسياً مجانياً للإرهابي شارون وعصابته الحاكمة بتل أبيب بحيث اعتبر أن الجائزة الكبرى في مسرحية المفاوضات الأمنية مع الفلسطينيين هي التطبيع مع العرب، لتصبح الأوراق العربية جميعاً في متناول يد هذا السفاح شارون وعصابته·
خلف الأوهام
وهل أدرك المروجون لإعادة النظر في التاريخ العربي الفلسطيني وإعادة صياغته على أسس جديدة· والراكضون خلف الأوهام والاستهزاء بالحصار الاقتصادي والدبلوماسي· أو التعامل مع ضحايا المجازر 'الإسرائيلية' من العرب وكأنها تكفير مستمر عن ' الهولوكوست ' أن السلام 'الإسرائيلي' الذي تم التأسيس له اليوم يهدف لتصفية القضية الفلسطينية وتدمير هيكلية المصالح العربية، وتحويل الأمة العربية إلى كيانات ممزقة من خلال الانفراد بكل دولة على حدة وجرها إلى مستنقع التطبيع وإبعادها عن تحمل مسؤولياتها إزاء حقوق الشعب العربي الفلسطيني بشكل خاص، والشعب العربي بشكل عام، لتتناسب أكثر مع المصالح الصهيونية وترتيب أوضاع المنطقة لتصبح بمشكلاتها وهمومها وتداعياتها في القبضة الأمريكية الإسرائيلية، بعد وضع جدول الأعمال الإقليمي الخاص برسم ملامح 'الشرق الأوسط الكبير'؟!···
واشنطن التي ترى أن المنطقة باتت اليوم أكثر قابلية للضبط مما كانت عليه قبل ثلاثة أو أربعة عقود ماضية، عمدت منذ العام 1977 لتخفيف آثار المقاطعة العربية لإسرائيل، ونشرت قانوناً يهدف إلى منع الشركات الأمريكية من الإلتزام بقرارات المقاطعة الإقتصادية، وعدَلت هذا النظام في العام 1990 ليشمل الشركات الأجنبية العاملة في أمريكا، وفي العام ،1992 وعد الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، رئيس الوزراء الصهيوني اسحق رابين، بالضغط على الأطراف العربية لإنهاء مقاطعتها السياسية والاقتصادية 'لإسرائيل'، كذلك أعلن وزير الخارجية الأمريكية السابق وارن كريستوفر أن الابقاء على المقاطعة العربية 'لإسرائيل' أمر غير مرغوب فيه وغير مبرر، والآن تردد الادارة الأمريكية العبارات نفسها، وتضغط على بعض البلدان العربية لاقامة علاقات ديبلوماسية مع العدو الصهيوني·
ترى لماذا لم توجه واشنطن الدعوة 'لإسرائيل' المغتصبة للأرض والحقوق العربية، لكي تأخذ بثقافة السلام وتسحب قواتها العسكرية من الأراضي العربية المحتلة تطبيقاً لقرارات الشرعية الدولية، ولماذا لم توجه هذه الدعوة إلى الأحزاب الصهيونية المتطرفة وعلى رأسها الارهابي شارون، الذي اعتمد الوحشية منهجاً في تعامله مع الفلسطينيين والعرب·
اختراقات تطبيعية
مما لاشك فيه أن حصاراً من نوع جديد سيفرض على الدول العربية التي ترفض التطبيع والعلاقات الديبلوماسية مع الدولة العبرية، وخلاصته أن تبقى هذه الدول وحيدة في رفضها لهذا التطبيع ومحاصرتها بدول عربية استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تقنعها أو تجبرها على التطبيع، فقد كانت الادارة الأمريكية واضحة في الدعوة إلى تطبيع العلاقات بين تل أبيب والعواصم العربية بعد احتلال العراق، واعطاء الانطباع بأن عملية التسوية التي فشلت بتحقيق أي تقدم نحو السلام الحقيقي في طريقها إلى الانجاز، ولهذا سعت واشنطن لتحقيق اختراقات تطبيعية للتغطية على فشلها في تحقيق خطوات على المسار الفلسطيني، بعد أن اعتمدت وصفات حددَها حليفها الاستراتيجي المجرم شارون· لهذا فقد تركز الجهد الأمريكي باتجاه الترويج للتخلي عن القضية الفلسطينية، والاعتراف بالدولة العبرية وقبولها كما هي· فكانت عودة السفيرين المصري والأردني إلى 'إسرائيل' البداية· ولكن يجب أن لا نتوهم بأن مسايرة أمريكا ستدرأ عنا خطر إمبراطورية الشر، وجرائم العدو الصهيوني، وتبقى مقاومة العدو الصهيوني الخيار الآمن لبلداننا، وهي مسؤولية قومية قبل كل شيء، وتستوجب صياغة استراتيجية عربية لحشد كل الطاقات الشعبية والإمكانات المتاحة، أو التي يمكن أن تتوفر من سياسية واجتماعية وثقافية وصداقات مع قوى تناهض السياسة الأمريكية وتستنكر الممارسات الصهيونية· وبعد فإن هرولة البعض لاقامة العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني، أمر يثير السخرية، فمد الجسور مع العدو الصهيوني، لن يعفي الحكومات من الاصلاحات الدستورية التي تطالبها بها الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي يدعونا قبل كل شيء لإرساء سياسة عربية تتسلح بالشعب العربي بدلاً من الاغتراب عنه· فالدعوة إلى مواجهة التطبيع لا تهدف إلى حماية أنفسنا واقتصادنا وثقافتنا ومجتمعاتنا من سيطرة العدو الصهيوني فحسب، بل هي ضرورة لتنمية أوضاعنا وتحسين ظروفنا السياسية والعلمية، ورفع المستويات التنموية كمحاولة لتقصير المسافة بين تقدم أعدائنا وتخلفنا·

اقرأ أيضا

توقعات باحتفاظ آبي بأغلبية للاستمرار في رئاسة وزراء اليابان