الإثنين 16 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
دروس إندونيسية للثورة التونسية
24 أغسطس 2013 22:16

تذكّر ثورة تونس العديد من الإندونيسيين بوضع بلدهم قبل 13 سنة عندما تم إسقاط نظام سوهارتو، الذي حكم البلاد لمدة 30 سنة، وذلك بعد سلسلة من الاحتجاجات في أعقاب الأزمة المالية التي عصفت بدول شرق آسيا خلال عامي 1997- 1998. يستطيع الإندونيسيون اليوم أن يقولوا بكل فخر إنهم يعيشون في كنف ديمقراطية، يتم إبرازها أحياناً إلى جانب تركيا على أنها مثال ناجح للديمقراطية في دولة ذات غالبية مسلمة. ولم يكن تحول إندونيسيا إلى الديمقراطية سلساً بشكل كامل، فقد سجل أيضاً أحياناً العنف الطائفي وظهور الجماعات السياسية الإسلامية المتطرفة التي تتطلع إلى فرض تأويلات متشددة للدين، وهواجس العودة المحتملة للجيش إلى السياسة إذا أخذنا في الاعتبار التأثير الهائل الذي تمتع به تحت حكم سوهارتو. ولكن مع ذلك تستمر عملية ترسيخ الديمقراطية في إندونيسيا. فمنذ إسقاط حكم سوهارتو عام 1998 جرت ثلاثة انتخابات حرّة ونزيهة. وعلى رغم التحديات التي يواجهها الإندونيسيون اليوم، بما فيها وجود مسؤولين حكوميين متهمين بالفساد أو بعدم الكفاءة، إلا أن البلاد حققت أيضاً تقدّماً مثيراً للإعجاب. لقد أصبح الإندونيسيون اليوم أحراراً في التعبير عن عدم الرضا عن كيفية تسيير الشؤون العمومية، ومراقبة حكومتهم وانتقادها إن لزم الأمر دون خوف من أن يُسجَنوا أو يختفوا من الوجود كما كان عليه الحال في عهد نظام سوهارتو. وعندما تحصل إساءات استخدام للسلطة، تقوم الصحافة الحرة في إندونيسيا وبشكل روتيني بالكشف عن أعمال الفساد التي قد يتورط فيها بعض الموظفين العموميين. وفي الوقت الذي يجد فيه بعض الجنرالات المتقاعدين طريقهم إلى السياسة كمدنيين، إلا أن الجيش في معظم الحالات عاد إلى معسكراته ولم يعد معنياً بالسياسة. ويعود الفضل في كل هذا إلى جميع الإندونيسيين الذين أظهروا خلال الـ 13 سنة الماضية التزامهم الذي لا يلين بالديمقراطية. إلا أنه يجب الاعتراف أيضاً بمساهمات النظام الانتقالي بشكل خاص. وعندما انهار نظام سوهارتو في فترة حكمه السابعة التي كان يفترض أن تمتد لخمس سنوات، وسقط يوم 21 مايو 1998، تم نقل تقاليد الحكم إلى نائبه بشار الدين جوزيف حبيبي، وهو تكنوقراطي تلقى تدريبه ودراسته في ألمانيا، وقد ساعد على تطوير صناعة الطائرات في إندونيسيا في أواخر سبعينيات القرن الماضي. وقد عرف حبيبي في السابق باسم «الصبي الذهبي» للديكتاتور السابق. إلا أن أعمالاً مؤثرة قام بها أثناء فترته الرئاسية كان لها تأثير عميق على تحوّل إندونيسيا إلى الديمقراطية. وهذا يعني أن الأهم، في مثل حالات التحول السياسي هذه، ليس «من» يدير الحكومة الانتقالية، بل «ماذا» تفعل الحكومة الانتقالية نفسها. لقد كان من بين التدابير المهمة التي اتخذها حبيبي تخفيف الرقابة والسيطرة على حرية التعبير. فبعد أسبوعين من أدائه اليمين الدستورية كرئيس للبلاد، ألغت إدارته سلطة وزير الإعلام في إصدار وسحب تراخيص الإعلام المطبوع. وصدرت بناءً على ذلك مئات النشرات، واستأنفت المطبوعات القائمة دورها في مراقبة الحكومة الجديدة. وكانت وسائل الإعلام الإندونيسية موجودة بقوة لتغطية الانتخابات في السنة التالية، وتحليل سياسات الأحزاب والإبلاغ عن أية فجوات أو نواقص. وعلى رغم أن حرية الإعلام في إندونيسيا ما زالت أقل من المعايير الدولية، إلا أن الإعلام يوجد في مقدمة المعركة ضد الفساد، وقد أصبح علامة مميزة للديمقراطية الإندونيسية. لقد كانت إندونيسيا، مثلها مثل تونس، جمهورية خوف لمدة ثلاثين سنة، وكانت حريات التعبير خلالها محدودة للغاية، واخترق الجيش كافة مستويات الحكومة والسياسة وراقب أي عمل محتمل. وهنا كانت التغييرات التي أجراها حبيبي هائلة وشاملة، وأعادت أكثر المكونات حسماً في تطور الديمقراطية ألا وهو: حرية التعبير. وفي تدبير آخر إيجابي أيضاً، اقترحت الحكومة مشاريع قوانين وافق عليها مجلس النواب فيما بعد لتحرير نظام الأحزاب السياسية وتحسين العملية الانتخابية. وقد تم تشكيل لجنة انتخابية مستقلة، وتم تحرير أصوات موظفي الدولة الانتخابية، التي كانت دائماً تخصص للنظام الحاكم، لاختيار أي حزب سياسي يرغبونه. وفي يونيو 1999، وبينما كان العالم يشاهد الإندونيسيين يذهبون إلى صناديق الاقتراع في أكثر الانتخابات ديمقراطية منذ عام 1955، كان أمام الناخب خيار يضم 48 حزباً سياسياً. وعندما أظهرت النتائج أن عدداً قليلاً من الأحزاب السياسية فقط يستطيع الحصول على عدد كافٍ من الأصوات لضمان أماكن في البرلمان، تم تبسيط نظام الأحزاب. ولكن بدلاً من فرض ذلك على الأحزاب السياسية، جرى ترتيبه بشكل طبيعي عبر عملية ديمقراطية شفافة. ومع كل هذا ما زالت ديمقراطية إندونيسيا أبعد من أن تكون كاملة، ويتعين على الإندونيسيين أن يستمروا في التعامل مع التحديات التي تواجه الديمقراطية. إلا أن الدرس من واقع التجربة الإندونيسية يظهر، أنه بغضّ النظر عمن يقود تونس خلال المرحلة الانتقالية فإن ضمان حرية التعبير وتمهيد الطريق للتحرر السياسي يمكنها أن تيسّر عملية التحول إلى الديمقراطية. ‎سري مورنياتي ماليزيا ينشر بترتيب مع خدمة «كومون جراوند» الإخبارية

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©