الاتحاد

تقارير

ترامب والقضاء.. أزمة دستورية

أمضى ترامب جزءاً كبيراً من وقته في توجيه انتقادات شديدة للقرار الذي أصدره أحد قضاة ولاية واشنطن، بتعليق الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب والخاص بحظر السفر، مؤقتاً. في البداية كان هناك بيان من البيت الأبيض بخصوص القرار، وصف الحكم الذي أصدره القاضي بأنه «فاحش» (سحبت هذه الكلمة فيما بعد من نص البيان). وبعد ذلك جاءت تغريدات ترامب العديدة، والتي بدت لهجتها وكأنها تشكك في سلطة القاضي. وبعد ذلك، وفي إطار استئناف إدارة ترامب للقرار، قال البيان الصادر عنها إن قاضي المحكمة الدنيا، لا ينبغي أن يناقض أمراً أصدره الرئيس. الإدارة بصدد الاستجابة للأمر الصادر من المحكمة، ولكن تغريدات ترامب، ونمط خطابه، بشأن سلطة القاضي تستدعي إلى الذهن سؤالاً هو: ماذا كان سيحدث، إذا لم تستجب الإدارة؟ ماذا كان سيحدث إذا قرر ترامب- أو أي رئيس أميركي- أن هناك أشياء أكثر مما ينبغي معرضة للخطر، أو لم يعترف بسلطة من يطلق عليهم قضاة (حسب نص كلمات ترامب).
الإجابة على هذا السؤال، شغلت الخبراء في شؤون السلطة التنفيذية، الذين يفكرون فيه ملياً منذ بعض الوقت. وإذا أخذنا في حسباننا حملة ترامب الشعبوية، وما يعبر عنه من شك تجاه المؤسسة السياسية، فإن البعض منا بات يعتقد أنه من الممكن بالنسبة له، أن يتصدى لمواجهة المؤسسة القضائية أيضاً. «إنهم يتوقون للشجار، وهذا ما يفعله الشعبويون عادة» كان هذا ما قاله «دانييل بي فرانكلين»، الأستاذ بجامعة جورجيا ستيت الذي يقول أيضاً: «وأعتقد أن هذه هي الطريقة التي ستتم بها الأمور». أؤكد مقدماً، أن إدارة ترامب لم تقدم أي مؤشر حتى الآن، يفيد أنها ستتجاهل الأمر الصادر من المحكمة، أو أي أمر، أو قرار آخر (فهم يستأنفون على القرار). والقيام بذلك، سيأخذ الأشياء إلى مدى أبعد مما قام به أي رئيس من قبل، ففرانكلين روزفلت، على سبيل المثال، قال ذات مرة إنه لم يسمع عن حالة «قام فيها رئيس متعمداً بتجاهل أمر محكمة مباشرة»، ولكن ما يحدث في بعض الأحيان، هو أن الرؤساء يفسرون قرارات المحكمة بطرق تقود إلى نزاع بين أفرع الحكومة الثلاثة، ما يؤدي إلى التهديد بحدوث أزمات دستورية.
والمثال الذي يجري الاستشهاد به عادة في معرض التدليل على تجاهل الرؤساء لحكم محكمة، تصادف أنه خاص بالرئيس الشعبوي الذي يبدو فريق ترامب مهتماً غاية الاهتمام بمقارنته به، وهو «أندرو جاكسون» (الرئيس السابع للولايات المتحدة من 1829 – 1837) الذي كان قد تجاهل قراراً لقاضي محكمة عليا، كان يسمح بالاستيلاء على أراضٍ تابعة لسكان أميركا الأصليين، على أساس أن القرار يخالف القوانين الفيدرالية، وهو ما هدد في حينه بحدوث أزمة دستورية.
وهناك مثال أقدم من ذلك وأكثر وضوحاً، ضم جون مارشال كبير قضاة المحكمة العليا، وأحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة وهو الرئيس توماس جيفرسون، حيث تصادمت آراء الأخير الاتحادية مع وجهة نظر مارشال، الذي كان يرى أن سلطة المحكمة العليا تتجاوز كل القوانين الأميركية. وهناك مثال مشابه محتمل آخر، وهو ذلك الذي يشمل الرئيس «أبراهام لينكولن»، الذي علق القانون الخاص بإحضار أحد المتهمين للمثول أمام المحكمة خلال الحرب الأهلية. كان هذا المتهم مشرع قانون يدعى «جون ميريمان» قبض عليه لمنعه قوات الاتحاد من التحرك من بالتيمور إلى واشنطن خلال الحرب الأهلية.
في ذلك الوقت، قام كبير قضاة المحكمة العليا ويدعى «روجر تاني» بإصدار حكم مؤداه أن الرئيس لا يملك السلطة لتعليق العمل بالقانون المذكور. بعد ذلك بخمسة أعوام، قامت محكمة عليا جديدة بتأييد حكم القاضي «تاني». وفي قضية أخرى غير ذات صلة/ حكمت المحكمة بأن الكونجرس فقط هو الذي يملك حق تعليق العمل بقانون إحضار المتهمين للمثول أمام المحكمة.
يقول الأستاذ «فرانكلين» إنه إذا كان ترامب يرغب في المضي في هذا الطريق، فإن الحَكم النهائي، الذي سيفصل في النزاع هو الفرع الثالث من فروع الحكومة. وقال إن ترامب يمكن أن توجه إليه تهمة احتقار المحكمة، وسيكون أمره في هذه الحالة موكولاً بمجلس النواب. وأضاف فرانكلين: «إن احتقار المحكمة في رأيي، جريمة كبرى أو جنحة بالمعنى الدستوري، وسيكون ترامب في هذه الحالة عرضة للمحاكمة».
السؤال الكبير التالي، هو ما إذا كانت الوكالات الحكومية التي ستكون بحاجة إلى المضي قدماً مع قرار ترامب ستفعل ذلك حقاً أم لا؟ وهل سيقوم وزير الدفاع ووزير الأمن الداخلي، وهما جنرالان عسكريان بتجاهل أمر المحكمة لمصلحة ترامب؟

*محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا