الاتحاد

عربي ودولي

العــــالم امـرأة - السعد عمر المنهالي

فيرونيك دي كيسير ··
السعد عمر المنهالي:
يُخضِع المختصون في علم النفس السلوك الانساني للمراقبة والتحليل، وذلك على أمل التنبؤ بفعل مستقبلي من العينة البشرية، ويبدو ان من اعتاد العمل في هذآ الشأن ينسى معمعة مراقبة الآخرين بأن هناك من يُخضعه لمراقبة مماثلة· هذا ما لم تدركه فيرونيك دي كيسير المقررة البرلمانية لاتفاقية الشراكة والعضو في البرلمان الأوروبي، في السابع من ابريل الجاري ،2005 عندما توجهت مباشرة إلى سوريا في مهمتها الاستطلاعية، بقولها: ستطالبني دمشق بتوقيع اتفاق الشراكة وبعدم وضع شروط إضافية جديدة عليها·· ولكنني أعتقد أن هذا الاتفاق لن يتم قبل الحصول على تطمينات لسير الأوضاع في لبنان الذي نفكر بمساعدته سيداً ومستقلا ، ومقارنته بما قالته في أعقاب نهاية زيارتها في العاشر من الشهر ذاته أمام وسائل الإعلام: ليس من الضروري أن تنفذ سوريا كل جزئيات القرار (1559) لنوقع اتفاقية الشراكة بين سوريا والاتحاد الأوروبي ، ومن وجه نظر سياسية وجغرافية، تعد سوريا هي الحلقة المفقودة لشراكتنا الاقتصادية ببلدان البحر الأبيض المتوسط، ولذا فمن المهم جدا لنا حالة الأمن فيها وحقوق الإنسان ، وتأتي حالة التناقض هذه في وقت قياسي لايزيد عن أربعة أيام فقط بين التصريحين إلا أن هناك دلالات واضحة على حالة ازدواجية عميقة في الخطاب الأوروبي، اختار طبيبة في علم النفس لتلقننا درسا في حقل جديد فيه، اسمه علم النفس النقيض!!·
في ثنايا الإنسان
ولدت فيرونيك دي كيسير في الثالث والعشرين من مارس عام 1945 في بلجيكا· درست علم النفس في جامعة بروكسل ببلجيكا وحصلت على درجتها العلمية عام 1968 وهي في الثالثة والعشرين من عمرها، بينما حصلت على درجة الدكتوراه في علم النفس الصناعي عام ،1976 -وهو حقل في علم النفس يركز على دراسة سلوك الأفراد سياق العمل الإداري والصناعي والخدمي- وقد كانت دراستها التطبيقية في سلوك الإنسان في العمل ببيئة خطرة كمحطات الطاقة النووية والطيران وصناعة الألغام والفولاذ· ظلت فيرونيك تعمل منذ تخرجها في مركز بحوث بروكسل الصناعية حتى ،1984 ثم انتقلت منذ ذلك الحين لتصبح محاضراً في جامعة ليجي عام ،1988 ثم أستاذاً محاضراً في كلية علم النفس وكلية التربية في الجامعة ذاتها منذ عام 1990 وحتى عام ·1998
خلال تلك الفترة ترأست فيرونيك جمعية علم النفس البلجيكي لمدة أربع سنوات حتى عام ،1994 وفي عام 1995 عملت كمنسق علمي في مركز من أكبر المراكز العالمية للبحث حقل علم النفس الصناعي حول العالم بعد ترؤسها لجمعية علم النفس التنظيمي الأوروبية منذ عام ،1996 كما ترأست المنظمة الفرنسية للهندسة الإنسانية، ومنظمة بلجيكا لعلم النفس·
كان شاغل فيرونيك بعلم النفس همها الأكبر، وبعد سقوط حائط برلين اهتمت بدعم جسور التواصل بين أوروبيي الشرق وأوروبيي الغرب، فدعت إلى تبادل الزيارات والمنح الدراسية والبحوث بين طرفي القارة، وهي نفسها انتقلت إلى موسكو لتدرس في جامعتها عام ،1999 وأصدرت هناك كتابا عن الخطأ البشري في شرق وغرب أوروبا ·
لم يكن تواصل فيرونيك ناحية شرق أوروبا فقط، فقد شاركت في نشاطات إنسانية وعلمية في دول جنوب العالم، في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، فعملت في جامعة كوناكري في غينيا وجامعة تيوتي في البرازيل، فقد حملت هم التواصل العلمي مع مختلف الثقافات في العالم· حصلت في مشوار عملها الأكاديمي الطويل على عدة جوائز علمية·
الاشتراكية الأوروبية
وصلت النائبة فيرونيك دي كيسير إلى البرلمان الأوروبي بعد أن قطعت شوطا طويلا في العمل الأكاديمي والبحثي، ورغم انشغالها العلمي الكبير إلا أن مبادئها السياسية كان يمكن التنبؤ بها سيما وأن دراستها ركزت على حالة وسيكولوجية الطبقة العاملة، ولذا فإن انتماءها للحزب الاشتراكي في بلادها يعد منطقيا ومتواكبا مع دراستها العملية· غير أنها لم تدخل السياسة التنفيذية إلا عندما رشحها حزبها لتمثله في البرلمان الأوروبي، وهو ما كان عندما أصبحت عضوة لبلجيكا في البرلمان في الثاني عشر من سبتمبر عام ·2001
يبدو أن دراسة سلوكيات البشر تحولت لدى فيرونيك إلى دراسة سلوكيات الدول بعد دخلت لجنة الشؤون الخارجية بجانب لجنة البيئة في البرلمان، وخلال عملها في اللجنة شغلت بالعراق سيما في تلك الفترة الحساسة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحرب الأميركية على الإرهاب، فأصبح العالم العربي على رأس أولوياتها، فزارت العراق مرتين قبل الحرب، ففي سبتمبر عام 2002 توجهت فيرونيك إلى بغداد مع بعض النواب الاشتراكيين في مهمة أعلن وقتها أنها من أجل السلام والحوار · ولذا كانت من أشد المعارضين لضربة أميركية للعراق، وحذرت من ويلات أمر كهذا على حياة المواطن العراقي، وظلت إلى ما بعد الحرب على علاقة شخصية مع الشعب العراقي·
كذلك زارت فيرونيك لأكثر من مرة كلا من إيران وفلسطين وتركيا ومصر وسوريا ولبنان والأمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان واليمن والمملكة العربية السعودية، وذلك في محاولة كما تذكر في موقعها الخاص- لتكون فهما سياسيا أفضل لهذا الجزء من العالم· كان نشاط فيرونيك في لجنة الشؤون الخارجية أكثر بروزا من عملها في كل من لجنة البيئة ولجنة حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين واللجنة الفرعية لحماية المستهلك والسوق الداخلية، غير أن عملها في باقي اللجان كان محددا مقابل لجنة الشؤون الخارجية، ورغم هذا لا يمكن نكران دورها في بعض الملفات في لجنة البيئة مثل ضمان وصول الأدوية إلى الأسواق وعملها في تقرير اللجنة حول تلويث مياه البحار والمحيطات·
عندما وقع الاتحاد الأوروبي في التاسع عشر من أكتوبر عام 2004 اتفاقية الشراكة الأوروبية المتوسطية مع سوريا كان متحمسا، سيما وأن سوريا من الدول الرئيسية المطلة على البحر المتوسط· وإن كان قد تأخر في توقيع الشراكة بالحروف الأولى منذ بداية العام الماضي، إلا أن الاهتمام الأوروبي بمنطقة المتوسط يمتد إلى ابعد من ذلك، فعمليا كان اجتماع دول المتوسط (لبنان، سوريا، مصر، الجزائر،قبرص، إسرائيل،الأردن، مالطا، المغرب، تونس، وتركيا، وفلسطين) مع دول الاتحاد الأوروبي آنذاك (15 دولة) في أكتوبر عام ·1995 وكان هدف الأوروبيين من هذه الشراكة التأسيس لشراكة أمنية بين المتوسطية والمساهمة في حل النزاعات والسيطرة على التسلح، وإقامة علاقات اقتصادية إقليمية متداخلة ووثيقة بهدف تأسيس أكبر منطقة تجارة حرة يتجاوز أعداد المستفيدين منها 600 مليون نسمة، بالإضافة إلى تطوير المصادر البشرية الإقليمية ومنها تطوير المرأة ودعم التواصل بين وسائل الإعلام المختلفة وإقامة برامج تبادل شبابية ومهنية في كافة المرافق ومجالات الحياة ويبذل اهتمام خاص في التطوير الاجتماعي والصحي والتعليمي وفي قضايا مثل الهجرة والإرهاب وتجارة المخدرات والجريمة المنظمة ·
وبطبيعة الحال كانت سوريا منذ ما يقارب العقد ونصف العقد تعاني ضغطا دوليا شديدا عليها، فبجانب انتهاء الحرب البادرة وتفكيك حليفها الأكبر الاتحاد السوفييتي، حوصرت بفكي كماشة، الاحتلال الإسرائيلي للجولان من جهة والاحتلال الأمريكي للعراق من جهة أخرى، الأمر الذي ازداد سوءا بعد فرض الولايات المتحدة الأمريكية عليها عقوبات اقتصادية، في أشد الحاجة لهذه الشراكة لفك عزلتها التي تحاول أميركا تأكيدها، غير أن ما تشهده المنطقة بوجه عام وسوريا بشكل خاص، سيما تتابع الأحداث في لبنان قلب الأمر لغير صالح السوريين مما زادها عزلة على عزلة، فقد كان القرار الذي تبناه مجلس الأمن رقم 1559 حول انسحاب الجيش السوري الكامل من لبنان ومن ثم تتابع الأحداث فيما بعد باغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري وتصاعد الأزمة الداخلية بين المعارضة وأحزاب الموالاة لسوريا، كلها عوامل رفعت درجة الحرارة في العاصمة السورية وضيقت الخناق عليها!·
أصبحت الإصلاحات الديموقراطية أولوية على رأس تحركات الاتحاد الأوروبي، ولذا كان نصيب سوريا كبيرا، سيما وأن اتفاقية الشراكة لم توقع سوى بالأحرف الأولى وينتظر أن يصدق عليها البرلمان الأوروبي، وهو ما دفع البرلمان إلى تكليف النائبة البلجيكية فيرونيك دي كيسير مقررة اتفاق الشراكة الأوروبية مع سوريا، لتضيف الأولوية الجديدة على عاتق الحكومة في دمشق· غير أن ما قاله المسؤول الأوروبي ليس آخر ما يثقل كاهل السوريين، فتصريح النائبة البلجيكية فيرونيك بنفسها في التاسع من ابريل بعد زيارتها لبيروت ومقابلة المسؤولين: لن نوقع اتفاقية الشراكة بسرعة·· سننتظر لنرى كيف ستجري الأحداث في لبنان ، وهو ما يعد دليلا على ربط الطريقة التي ستتعامل بروكسل بها مع دمشق بما يجرب في بيروت·
اتفاق الـ 1500 صفحة
عندما اجتمع نواب برلمان الاتحاد الأوروبي في الثلاثين من مارس الماضي 2005 في بروكسل لحضور جلسة استماع حول اتفاقية الشراكة مع سوريا، كان من المفترض أن يحضر توفيق سلوم السفير السوري في الاتحاد الأوروبي بسبب دعوة البرلمان لـ فريد غادري رئيس حزب الإصلاح السوري المعارض في أميركا- لحضور الجلسة، وقد شكل غياب السفير دلالة في يد النائبة فيرونيك دي كيسير التي قالت بعد اعتذارها لباقي أعضاء البرلمان عن غياب السفير: إن الدبلوماسيين السوريين وجدا صعوبة في أن يجتمعا في نفس الغرفة مع شخصية سورية معارضة ، في إشارة بالغة لرفض الحكومة السورية لأي مخالف لها·
كان حضور الغادري كفيلا بإشعال حرب بين الحضور في قاعة البرلمان، فقد طالب الأخير الاتحاد الأوروبي من خلال برلمانه عدم التصديق على الاتفاقية قبل أن تأتي ديموقراطية حقيقية في سوريا جديدة، حيث تتمثل أحزاب عدة وتجري انتخابات بلا خوف وتهويل وأساليب قمعية ، وأضاف فشلت سوريا في مجال الحقوق السياسية والإنسانية المطلوبة في الاتفاقية·· وتأخير إبرام الاتفاقية يجبر سوريا على الانفتاح وإحراز تقدم في حقوق الإنسان !·
جاءت مطالبات المعارض السوري في بروكسل ثقيلة، ورغم ذلك حملتها النائبة فيرونيك دي كيسير معها في رحلتها التي بدأتها في السابع من أبريل 2005 والتي استمرت لأربعة أيام في كل من سوريا ولبنان- إلى من قابلتهم في دمشق· ويبدو أن ما حملته لم يكن كافيا، فقد زاد الأوروبيون ملف النائبة فيرونيك ثقلا بعد تصريح بعض المسؤولين بالقول: بأن موعد التوقيع النهائي على الاتفاقية سيحدده مدى تقيد سوريا بتنفيذ قرار مجلس الأمن ، بما يعني احتمال تأجيل موعد التوقيع النهائي إلى حين حصول تقدم في عمليات انسحاب القوات السورية من لبنان، دون الإشارة إلى سحب تأييد دمشق لحزب الله اللبناني أم لا!!·
غير أن زيارة فيرونيك دي كيسير التي انتهت في العاشر من ابريل الجاري 2005 لم تكن لتحمل إشارات إيجابية من دمشق بأكثر مما صرح به المسؤولون السوريون من التزام بقرار 1559 وسحب القوات السورية بالفعل من لبنان والذي سيكتمل في الثلاثين من الشهر الجاري- وأنها لن تقبل بأي ضغوط خارجية· فكما صرح بعض المسؤولين السوريين في الثاني عشر من ابريل في أعقاب مغادرة النائبة فيرونيك لسوريا، أن على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لم تعد أولوية سورية في الوقت الراهن، بعد أن أضيفت اشتراطات أوروبية جديدة تدخل في باب ممارسة الضغوط على سوريا ، وهو ما ترجم كما صرحت بعض المصادر السورية- إلى كلمات حازمة هطلت على مسامع النائبة، نقل فيها السوريون رفض بلادهم أي إملاءات على صعيد حقوق الإنسان·

اقرأ أيضا

البحرية الأميركية تبحث عن بحار مفقود في بحر العرب