الاتحاد

رأي الناس

الدمية الخرساء

(1)
كيف يترك الألم بصمته في تاريخ المجتمع الإنساني؟ سؤال لطالما بحثت عن إجابة منطقية له لكي أزحف بذاكرتي نحو الوراء وأتراجع عدة خطوات لكيلا أفقد توازني العقلي والفلسفي، فالألم يصنعه الإنسان ويوفر كل إمكاناته وطاقاته من أجل أن يصنع قدره، فالإنسان هو يصنع الحروب وهو الذي يصنع تكنولوجيا الدمار والقتل، وبالتالي لا يبقى للجانب الإنساني أي صيغة علمية تذكر في صفحات التاريخ باستثناء الصور والانتفاضات والفوضى التي تجتاح ما يسمى بـ«الربيع العربي» الذي ولد وترعرع على دماء الأبرياء. فماذا حصل لما يسمى «الربيع العربي» بعد كل الأحداث التي مرت بالشعوب العربية، الجواب هو أن محصلة هذه الأحداث زادت من المعاناة والألم للفرد أو المواطن أو الإنسان العربي فالمظاهرات ومشاهد القتل والدمار والاعتصامات جعلت فتيل الحروب الأهلية على بعد أمتار من تاريخ الحضارة البشرية هكذا ظهرت بيارق الربيع العربي ورغم كل مساعي السلام والمحبة التي ينادي بها البعض من العقلاء الفلاسفة أصبحت أمواج هذا الربيع مهددة بالجفاف والمجاعة والطائفية وصعود وتيرة الغضب في الشارع العربي فكيف يعقل أن يصل مستوى الثورات التي لطالما كانت شعاعاً مضيئاً تسطع به صفحات التاريخ؟

(2)
فمنذ متى كانت الثورات والانتفاضات تختلف بعضها عن بعض من كل الجوانب والزوايا؟! فبالمحصلة النهائية الحرية لا تقاس بمعايير السياسة ولا بالقوانين والدساتير بل تقاس بمدى قوتها الفكرية والفلسفية، فليس لما يطلق عليه «الربيع العربي» مكان بين الثورات والانتفاضات العظيمة التي حصلت عبر التاريخ لأن ما يلوح في الأفق لا يبشر بالخير والعطاء والنهضة للشعوب العربية بل هي مجرد بداية لظهور القلاقل والاضطرابات العقائدية القائمة على المفاهيم الطائفية والنزعة الانتقامية والشروع نحو المزيد من القتل والدمار.

(3)
لا أحب السياسة ولكنني في الوقت ذاته لا أتحمل رؤية السياسيين وهم يتقاسمون كعكة ما يسمى بـ«الربيع العربي» من دون قطع تذكرة للدخول إلى أعماق من صنعوا هذه الفوضى وما يحدث على الساحة العربية من عجائب وغرائب يقشعر لها العقل والفكر والفلسفة وليس البدن والجسد، ففي الوقت الذي تتحول فيه أشلاء أطفال سوريا إلى قطع صغيرة تتقاذفها رياح الحرب يقف ساسة العالم بأسره مكتوفي الأيدي في التطورات التي تجري على هذا الملعب فتترنح الكرة بين أقدام اللاعبين كدمية خرساء تعجز عن تفسير وتحليل ويلات الحرب وتدهور الحالة الإنسانية للشعب السوري الذي تناثرت أشلاؤه في كل بقاع الأرض، والشيء ذاته ينطبق على بلدان عربية أخرى.
ولعلّ من بين إفرازات ما يسمى بـ«الربيع العربي» المقيتة والقاتلة أن الإنسان في هذه البلدان بدأ البحث عن مكان آخر للعيش فيه وهجر الأوطان.
انتفاضات ما يطلق عليه «الربيع العربي» أصبحت تصنع بصمة الألم للمجتمع الإنساني وأصبحت تستحدث مفاهيم وقيماً ومبادئ غريبة الأطوار حول مفهوم حرية الشعوب!
ايفان زيباري

اقرأ أيضا