الاتحاد

رمضان

صفوت الشريف: الأمن رفض مظاهرتنا ومؤتمرنا


القاهرة- 'الاتحاد':
عندما تقع العين على تفاصيل المشهد السياسي الحالي في مصر·· تستدعي الذاكرة على الفور الحكاية الشهيرة التي وقعت أحداثها بين الحق والباطل·· فقد اجتمع الاثنان يوما واتفقا على ان يركب أحدهما فوق رقبة الآخر ثم يقطعان مسافة ما·· وبعدها يتبادلان المواقع ليركب الماشي ويمشي الراكب وهكذا·· يظلان يتبادلان المواقع الى النهاية·· سواء نهاية المسافة أو نهاية الدنيا·· ولم تخبرنا الحكاية ما معنى النهاية·
ونص الاتفاق على ان يركب الباطل أولا ويمشي به الحق·· وبعد انتهاء المسافة المقررة طلب الحق من الباطل ان يتبادلا المواقع ليركب الحق ويمشي الباطل·· لكن الباطل رفض وأصر على ان يظل راكبا الى النهاية·· وبعد جدل طويل اقترح الباطل ان يحتكما الى أي شخص يظهر في طريقهما·· وعندما اقتربا من أحد المارة بادره الباطل قائلا: يا عم·· من الذي يجب ان يمشي في الارض·· الحق ام الباطل؟ فرد الرجل فورا: الحق طبعا·· وهكذا صدر الحكم النهائي بأن يظل الباطل راكبا والحق ماشيا·· ومن هنا جاء المثل العامي الشهير·· 'فلان راكب دماغه'·
والحكومة والمعارضة ترفضان ايضا الاخذ بحكمة الكسيح والأعمى حتى تتحرك الامور وتذوب الجلطة الدماغية التي اصابت البلد·· وحكمة الكسيح والأعمى الشهيرة انهما اتفقا على ان يركب الكسيح الاعمى·· ليرى الأعمى بعيني الكسيح ويمشي الكسيح بقدمي الأعمى·· والمشكلة أن الحكومة عمياء والمعارضة كسيحة·· أو العكس وكل واحد حر في اختيار احدى الاعاقتين لينسبها الى الحكومة والاخرى للمعارضة·· وهذا ما دعا رجلا بسيطا لم ينل أي قسط من التعليم الى أن يقول: لأول مرة هناك موقف سياسي ثالث لا يفطن اليه احد واتبناه أنا وملايين غيري وهو اننا ضد الحكومة والمعارضة معا·· والحكومة تتحدث باسم الشعب والمعارضة تتحدث باسمه ايضا لكن الشعب لدى الاثنين معا مجرد لافتة أو شعار أو كلمة حق يراد بها باطل·
وهذا الموقف البسيط والذي يبدو ساذجا لكنه في غاية الحكمة لمن يتأمله عبر عنه بصدق ووضوح صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى وأمين عام الحزب الوطني الحاكم حين قال ان العقود الطويلة التي عشناها في ظل تجربة الحزب الواحد والصوت الواحد والرأي الواحد منذ ثورة 23 يوليو 1952 قتلت الكوادر وأحرقت جيلا بأكمله أو عدة أجيال·· ولم يعد هناك صف ثان ولا ثالث·· ونحن الان نجد صعوبة كبيرة في اختيار من يتولى رئاسة الوزراء فما بالنا باختيار رئيس الجمهورية الذي يشغل منصبا رفيعا ينبغي حمايته من الاختراق سواء بالمال المحلي أو المال الاجنبي ومن الولاء لأي قوة أو تيار غير مصر·
وقال صفوت الشريف ما يشبه المقولة الشهيرة للفنان الراحل احمد الجزيري في احدى المسرحيات: افتح الشباك ولا أسد الشباك؟ فقد بدا على الشريف شيء من الاستنكار والدهشة لما يجري حين قال: اذا سرنا خطوات في الاصلاح السياسي يقولون انه رضوخ للضغوط الخارجية واستجابة للمبادرات الاجنبية·· واذا صممنا الآذان عن الضغوط والمبادرات الخارجية يقولون ان النظام يعاند ويكابر ويريد استمرار الاوضاع على ما هي عليه··البعض لا يريد ان يصدق ان ارادتنا حرة واننا نختار ما يناسبنا في الوقت الذي يلائمنا·· البعض لا يصدق اننا بدأنا الاصلاح منذ الثمانينيات من القرن الماضي قبل ظهور مبادرات ونظريات الاصلاح الاجنبية بعشرين عاما·· لكن الوضع الاقتصادي الذي كان متدنياً استغرق كل جهود الاصلاح او معظمها·· كما ان التحديات الاقليمية والدولية والتصدعات المتوالية في النظام العالمي فرضت علينا التأني والتروي في خطوات الاصلاح السياسي·
صندوق المبادرات
وقال صفوت الشريف ان ما حدث بالنسبة لمصر هو ان الضغوط والمبادرات والاطروحات القادمة من الخارج لم تؤد الى الاسراع في عملية الاصلاح السياسي·· بل انها على العكس من ذلك عرقلتها وعطلتها·· واذا كان هناك عناد ورفض من جانبنا فإنه عناد ورفض لمبادرات مفروضة او يراد فرضها من الخارج·· عناد لصالح الارادة الحرة والسياسة الوطنية·· وهو ليس عنادا من جانب الحكومة والحزب الوطني فقط·· بل هو عناد ورفض من جانب كل الاحزاب وظهر ذلك واضحا في الحوار الوطني بينها·· بعد ان اصبحت منطقة الشرق الاوسط كلها صندوق بريد لتلقي مبادرات الاصلاح من اميركا واوروبا وكندا والدول الصناعية الثماني الكبرى·
وأكد الشريف ان ضوابط الترشيح لانتخابات الرئاسة التي يجري الحديث حولها ليست ولن تكون بهدف التعجيز او المنع بل هدفها حماية المنصب الرفيع من سيطرة رأس المال وتحرير رقبة رئيس الجمهورية القادم من أن يكون مدينا بموقعه لاشخاص او لجهات داخلية او خارجية·· نريده فقط ان يكون مدينا للشعب ولأصوات الناخبين الذين اختاروه·· فالمال اصبح عنصرا خطيرا في الانتخابات·· وقد رصدنا في انتخابات البرلمان عام 2000 انفاق اموال وصلت الى عشرين مليون جنيه في بعض الدوائر·
وقال ان هناك من يقفز على النتائج ويحرق المراحل ويزعم ان النية متجهة الى التشدد في الضوابط الانتخابية وفي ضمان ولاء اللجنة العليا المشرفة على انتخابات الرئاسة للحزب الحاكم·· وقد قلنا مرارا ان كل المطروح في هذا الشأن مجرد رؤى وتفكير بصوت عال ووجهات نظر لكن أحدا لم يتخذ قرارا ولا توجد نوايا مبيتة نحو شيء محدد·· وانا شخصيا اعلنت مرارا رفضي ان اكون عضوا باللجنة العليا للاشراف على الانتخابات·· لأنني لا أريدها حزبية وليس من المعقول ان اكون عضوا باللجنة واحضر اجتماعاتها في الصباح واخرج في المساء لأقود حملة الدعاية لمرشح الحزب الوطني للرئاسة·· نحن جميعا نريدها لجنة مستقلة بها كوادر قضائية وسياسية غير حزبية تحظى باحترام المجتمع كله·
وقال الشريف ان هناك اصرارا من البعض على اختلاق سلبيات -وهذا البعض يتحدث عن توريث الحكم- ولا ندري كيف نقنعه بزيف مزاعمه·· فقد أكد الرئيس حسني مبارك انه لا توريث للحكم·· وأكد جمال مبارك انه لن يكون من بين المرشحين لخوض انتخابات الرئاسة·· وقال لنا: ماذا أقول؟ فقلنا له: وضح موقفك حول عدم الترشيح·· فأعلن صراحة انه لن يترشح·
وأضاف ان تأخر الرئيس مبارك في إعلان موقفه من الترشيح للرئاسة يهدف إلى تجنب اجهاض تجربة التعديل الدستوري في مهدها·· ويود الرئيس ان يؤكد ان عصر المبايعات الجماعية قد انتهى·· ولو أعلن الآن انه سيخوض الانتخابات فسوف نعود للمبايعات الجماعية·· ويقال ان الرئيس صادر التجربة قبل صدورها·· كما انه ليس من المعقول ان يعلن الرئيس انه سيخوض الانتخابات في ظل التعديل الدستوري الجديد في حين ان هذا التعديل لم يصبح نهائيا بعد·
وعلى نفس الدرب سار الدكتور فتحي سرور رئيس البرلمان عندما أكد ان كل المطروح على الساحة الآن مجرد آراء ولا توجد قرارات سرية أو علنية حتى يحكم الناس عليها بانها صحيحة أو خاطئة·
وقال انه لم يطلب ان يكون رئيسا أو عضوا باللجنة العليا للإشراف على انتخابات الرئاسة وانه كرجل قانون أحرص الناس على ان يكون تشكيل اللجنة خاليا من العوار الدستوري والسياسي حتى تنال ثقة الشعب·
وأوضح سرور ان هناك حرصا تاما على عدم وأد الخطوة الاصلاحية الخاصة بتعديل المادة السادسة والسبعين من الدستور ليكون اختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب الحر المباشر بين أكثر من مرشح·· وهذا الحرص يعني دراسة متأنية لضوابط الترشيح لمنصب الرئيس·· لان التشدد في الضوابط يتنافى ولا يتجاوب مع حكمة التعديل الدستوري ويعني افراغ الخطوة من مضمونها·· كما ان التساهل المبالغ فيه في هذه الضوابط سيؤدي إلى افراز مرشحين من هواة المظهرية والدعاية·والملاحظ ان رموز الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم من أمثال الدكتور سرور وصفوت الشريف باتوا يدلون بأحاديث مكثفة لصحف المعارضة والصحف الخاصة·· فقد تحدث الرجلان معا لصحيفة 'الأهالي' لسان حزب التجمع المعارض وأدليا من قبل بأحاديث لصحف معارضة وخاصة اخرى وهذا توجه جيد وجديد أيضا يعكس الرغبة في تشكيل ما يشبه جبهة وطنية غير معلنة ضد الضغوط الخارجية أو ضد بعض الاصوات المصرية التي تنعق من الخارج وتود تشكيل جبهات ضد النظام في عواصم أوروبية·· وهي تجربة لن يكتب لها النجاح لأن لها سوابق فاشلة في عهدي الرئيسين الراحلين جمال عبدالناصر وأنور السادات·· والمعروف لدى الجميع ان تراث وثقافة وتركيبة الشعب المصري ترفض المعارضة من الخارج وينظر لها الشعب بريبة واتهام بالعمالة والخيانة·· بل ان اعتى المعارضين عندما ابعدوا عن مصر في فترات سابقة وواجهوا من يهاجم بلدهم ونظامهم اظهروا مواقف مناقضة لموافقهم المعارضة وبدوا متعصبين لنظام الحكم الذي طردهم·
المشهد المهزوز
ومع كل عورات المعارضة فان الحكومة أيضا ليست بريئة تماما من المشاركة في تلطيخ المشهد السياسي الحالي وظهوره بشكل مهزوز يستعصي على الفهم فالكل يستطيع الآن ان يتنبأ بتصريحات المسؤولين قبل ان يدلوا بها والفكر الجديد للحزب الوطني الحاكم لم يظهر له أي أثر يذكر حتى الآن لا في المواقف ولا في الطرح·· لا في القول ولا في العمل·· ومازالت الأمور متداخلة إلى حد الاندماج بين الحكومة والحزب الحاكم·· وهناك محاولات يبذلها صفوت الشريف أمين عام الحزب وحده لكسر الإطار القديم للأقوال والأفعال والتقارب مع الشارع واظهار حزبه الحاكم بانه ليس على رأسه ريشة·· فقد قال كلاما جديدا في هذا الشأن عندما أكد ان حزب الأغلبية لن يكون قويا الا اذا كانت هناك احزاب معارضة قوية·
وقال ان الحزب الوطني اراد الخروج بمظاهرات للتعبير عن رأيه وتأييد التعديل الدستوري في مواجهة المظاهرات الأخرى المناوئة لكن أجهزة الأمن رفضت مظاهرة الحزب الوطني كما رفضت عقد مؤتمر جماهيري للحزب في حلوان·
وحسن نوايا الحكومة وانجازاتها لا تكفي ولابد ان تقتنع الحكومة بأن عصر الاسرار والتعتيم قد انتهى·· وعليها ان تتخلى عن مقولة خطيرة للغاية رددها بعض كبار مسؤوليها في فترة سابقة وهي انها تتصرف بهدوء ومن منطلق المصلحة العليا للوطن ولا تعنيها عواطف وانفعالات الشعب ولا تنساق وراء الرأي العام·· لأنها في البداية والنهاية تعبر عن الرأي العام وتحتاج اليه وتحتمي به عندما تتعرض لأي ضغوط خارجية·· ويحاول الحزب الوطني الان بما يقوله امينه العام صفوت الشريف استعادة الشارع الذي أهمله طويلا وتركه لجبهات خرجت من الشقوق مثل جماعة الاخوان المسلمين وحركة 'كفاية' لتلعب به كما تشاء مستثمرة اخطاء وخطايا الحكومة وحزبها·· ولابد لهذه الحكومة اذا ارادت استعادة الشارع حقا ان تتخلى عن مخزونها العريق من البيروقراطية وان تتعلم سرعة الحركة والمبادرة لأن قطار التغيير والاصلاح لا ينتظر احدا حتى يتثاءب ويختار ما يرتديه من ملابس وما يقوله من كلام·· وأخيرا يذهب الى المحطة بعد رحيل القطار وفوات الأوان·

اقرأ أيضا